الرمادي: حيث يرفع العلم فوق الأنقاض وانتصار صغير في معركة طويلة

حجم الخط
1

في 27 كانون الاول/ديسمبر أعلنت القوات العراقية عن إستعادة مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار من تنظيم الدولة الإسلامية، وهي مدينة كان على الجيش العراقي أن لا يخسرها في المقام الأول كما علق أنتوني كوردسمان، من معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية. وفي الحال زار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي المدينة «المحررة» أو قل أنقاضها واحتفلت بغداد وأعلن أن عام 2016 هو عام القضاء نهائيا على تنظيم الدولة الإسلامية. ويظل دخول الجيش العراقي الرمادي دفعة معنوية للقوات العراقية ولحكومة العبادي. ومع أن المدينة لم تتحرر بالكامل بعد فلا تزال هناك 30٪ من مناطقها تحت سيطرة الجهاديين إلا أن ما ورثه العبادي هو دمار تسببته المفخخات والغارات الجوية المستمرة مما يضع تحديات أمام مهمة إعادة إعمارها. وستكون معركة البناء وإعادة المهجرين هي المعركة الحقيقية أمام العبادي ليظهر لسكان الأنبار أن حكومته تقف إلى جانبهم.
والملمح المهم في العملية من ناحية التخطيط والتنسيق القصد من تقديمها كنموذج للتعاون بين القوات العراقية والطيران الأمريكي لطرد مقاتلي تنظيم الدولة من المدن العراقية. فعملية الرمادي كما ترى مجلة «إيكونوميست» «ستمحو ذاكرة الهروب المهين للقوات المسلحة من المدينة قبل سبعة أشهر عندما شنت قوة قليلة للدولة الإسلامية هجوما مدهشا تقدمته 30 سيارة انتحارية وبعضها كانت جرافات مدرعة محملة بالمتفجرات الكافية لتدمير شارع بكامله. وأمام هذه القوة المسلحة أصاب الكتيبة الذهبية، التي تعتبر من أكثر القوات الخاصة تدريبا من الأمريكيين الذعر وهربت». وتشير المجلة للخطة المحكمة التي رسمت لاستعادة الرمادي ورغم التنسيق بين القوات على الأرض والقوة الجوية للتحالف إلا أن الجيش العراقي احتاج إلى 10.000 جندي ومقاتل من أبناء العشائر لمواجهة 1.000 مقاتل من تنظيم الدولة. ومع ذلك يجب أن لا نقلل من المصاعب التي واجهت عملية استعادة المدينة. فقد كان للتنظيم الوقت الكافي لبناء شبكة من المفخخات والأنفاق والتي سمحت لمقاتليه وانتحارييه التحرك بدون أن تراهم طائرات الإستطلاع.

استبعاد الميليشيات

وقضى الجيش العراقي أشهرا وهو يحاصر المدينة وحرمان التنظيم من المساعدة الخارجية. وكما أشارت مجلة «فورين بوليسي» (28/12/2015) فقد أعطت الولايات المتحدة للجيش العراقي جسرا عائما على قناة الثرثار استطاع منه الدخول إلى المدينة بعد تفجير التنظيم كل الجسور في الرمادي. والأهم في كل التحضيرات التي قامت بها الحكومة العراقية استبعادها للميليشيات الشيعية من العملية العسكرية، مع أن هذه قادت العمليات ضد الجهاديين منذ عام ونصف. وجاء هذا بسبب إصرار الأمريكيين الذي يريدون تشجيع انتفاضة سنية كتلك التي شجعوها ما بين 2006- 2008 لهزيمة تنظيم القاعدة. ولكن نتائج «الصحوات الجديدة» تظل غير واضحة بسبب رفض الحكومة في بغداد تسليح العشائر السنية في الأنبار. ومن هنا تقول «إيكونوميست» إن الأمريكيين يرون في تحجيم دور الميليشيات الشيعية أولوية وذلك بسبب الإنقسام والتوتر الطائفي. خاصة أن العبادي لا سلطة له على هذه الميليشيات بسب الدعم والتمويل الإيراني المباشر لها. وقد يجد نفسه بحاجة للتعاون معها في الفلوجة، وهي المدينة التي كانت معقل المقاومة السنية ومسرحا لمعارك مرة بعد الغزو في عام 2004 ولهذا فستكون استعادتها أصعب من الرمادي. ولا يزال الجهاديون يسيطرون ليس على الفلوجة فقط بل وعانة وهيت والقائم التي يعيش فيها ما مجموعه 700.000 مواطن. وتؤكد «أيكونوميست» على أهمية تقديم الدعم المادي للعشائر وللشرطة المحلية لتتمكن من حراسة المدينة حتى لا تقع ثانية في يد الجهاديين. وهو ما سيخفف من أعباء الجيش العراقي كي يتقدم نحو مناطق آخرى في الأنبار. وعليه تتحول الأنظار في عام 2016 نحو مدينة الموصل التي أصبحت استعادتها قريبة، ولكن يجب أن تنتظر حتى تسيطر الحكومة على الفلوجة. وسيكون التقدم نحو الموصل أصعب خاصة أن التنظيم كان لديه الوقت الكافي للتمترس فيها. ويقدر عدد المقاتلين فيها بحوالي 30.000 مقاتل مع أن الحكومة العراقية تقول إن العدد لا يتجاوز الـ 1.500. ويضاف لكل هذا يعتقد أن بعض سكان المدينة يفضلون حكم التنظيم الوحشي على حكم بغداد. وتعتبر المدينة من أهم مصادر دخل التنظيم نظرا لوجود عدد كبير من السكان لتحصيل الضرائب منهم. وحالة سقوطها فسيسقط معها إدعاء التنظيم بأنه دولة. ولكن الطريق إلى الموصل لا يزال بعيدا. ومن هنا يرغب المسؤولون الأمريكيون في رؤية الكيفية التي سيحتفظ بها الجيش العراقي بالمدينة قبل التقدم نحو الفلوجة بل والموصل.
ونقل موقع «دايلي بيست»(30/12/2015) عن مستشار دفاعي قوله «المهمة الصعبة في الرمادي لم تبدأ بعد «فما تم» هو الجزء السهل، كيف ستحافظ عليها إن لم تكن قد تصديت للمشاكل السياسية والاقتصادية والإنسانية؟ وكيف ستحافظ عليها إن لم يكن لديك بنية عسكرية يوثق بها؟ فإن لم تحافظ على الرمادي وتكريت والمناطق في وادي دجلة فكيف ستكون قادرا على استعادة الموصل؟ وإن لم يكن لديك الدعم الإنساني فالعملية «الرمادي» ستتحول لتطهير عرقي».

شكوك

وهناك شكوك لدى قادة البنتاغون حول قدرة الجيش العراقي المدرب حديثا للقيام بالمهمة خاصة أنه فشل ولأكثر من سبعة شهور في حملته على الرمادي. فمن قاد العملية هي وحدات محاربة الإرهاب وهذه بطبيعتها صغيرة وتستطيع التحرك من بيت لبيت بغطاء جوي أمريكي لكنها لا تستطيع القيام بمهام «تحرير» مدن عدة والحفاظ عليها. ونقل «ديلي بيست» عن مستشار دفاعي قوله «هذه هي حرب استنزاف، ولم تكن حملة شرسة قادتها قوات الأمن العراقية». و»كانت متعلقة بتحديد مواقع تنظيم الدولة واستدعاء الغارات الجوية وتنظيف الألغام من أجل فتح ممرات». وهي مهمة لا يمكن لقوات الجيش القيام بها خاصة أن المدينة ملغمة ومليئة بحقول الألغام. وبحسب كريستوفر هارمر المحلل في معهد دراسات الحرب بواشنطن فقوات الأمن العراقية «لا تقوم بتنظيف البيوت ولا أعتقد أن لديها العمق والتجربة والعدد الكافي للقيام بمهمة تمشيط في منطقة حضرية متنازع عليها».

أرقام

ويرى الموقع أن الأرقام الأولية التي نشرتها البنتاغون تقترح عدم مشاركة القوات العراقية في معارك وجها لوجه. فبحسب المتحدث باسم عملية الإرادة الصلبة العقيد ستيف وارن خسر الجيش العراقي أقل من 50 جنديا. ولم يشر إلى أسر أي من مقاتلي تنظيم الدولة والمؤكد هو أن 80٪ من المدينة دمر. وشن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة 630 غارة منذ بداية تموز/يوليو 2015 منها 150 غارة في الأسبوع الماضي. ولا يعرف الجيش الأمريكــي كـــم هو عدد المدنيين الذين قتلوا.
وقال وارن إن 400 مدني فروا إلى مركز المدينة بعد بداية وصول القوات العراقية. مع أن عدد سكان المدينة في أيام السلم وصل إلى 200.000 نسمة ولكن الصور المنشورة تظهر مدينة منهارة ومدمرة بالكامل. ولهذا يبدو الإنجاز أكبر من كونه عملية سهلة، فبحسب «فورين بوليسي»(28/12/2015) فالتحدي الأكبر هو إقناع السنة بأنه يمكنهم الثقة بالحكومة التي يسيطر عليها الشيعة في بغداد والعودة والبدء ببناء بيوتهم وحياتهم من جديد وأن دروس بيجي وتكريت لن تتكرر. ونقلت المجلة عن الجنرال المتقاعد مايكل بريجنب الذي يعمل الآن في معهد هدسون قوله «يصبح السنة أكثر شكا عندما يرون أن استراتيجيتنا متحالفة وداعمة للقوات العراقية التي اخترقتها الميليشيات الشيعية».

صحوات جديدة

وتعهد المسؤولين الحكوميين بتسليم المهام الأمنية للمسلحين السنة في الأسابيع المقبلة. وقام مدربون أمريكيون وإيطاليون بتدريب 100 ضابط سني للعمل في الرمادي والعمل مع عدة ألاف من المسلحين السنة. والسؤال هو هل ستجد «صحوات الأنبار» عام 2015 مصير صحوات عام 2006 نفسه؟ وفي هذا السياق ترى صحيفة «الغارديان» (29/12/2015) المقاربة بين مسلحي العشائر وصحوات الأمس صحيح لكن هناك الكثير من الشكوك حول ما يمكن تحقيقه الآن مقارنة مع ما تحقق في ذروة الإحتلال الأمريكي للعراق. ومع ذلك فربما تعلمت الحكومة العراقية الدروس التي رفضت تعلمها في الماضي عندما ارتدت عن وعودها التي قدمتها للسنة وتملصت من التزاماتها لدمج الصحوات في القوات العراقية وتوقفت عن دفع الرواتب والدعم الذي اعتمد عليه مقاتلو الصحوات «فقد كانت هذه الخيانة التي نستعيدها بوضوح وأدت لتمزيق العراق وعبدت الطريق أمام ظهور داعش». وتعلق الصحيفة قائلة «إذا كان التعاون الجوي- الميداني هو المفتاح العسكري التقني للتعامل مع تنظيم الدولة فيجب أن يكون استبعاد الميليشيات الشيعية هو المفتاح السياسي». وتضيف أن تسليم مهام إدارة الشؤون الأمنية في المدينة لقوات الشرطة والعشائر العراقية هي الخطوة في الإتجاه الصحيح.
وفي هذا السياق ترى صحيفة «نيويورك تايمز» )29/12/2015) أن سقوط الرمادي لا يلغي وجود عوائق ضخمة في الطريق ولا الأسئلة التي تطرح حول استراتيجية الرئيس باراك أوباما والتورط العميق في كل من سوريا والعراق. ومع كل هذا فالنصر هو دليل على أن التنظيم الذي سيطر على مناطق واسعة في العراق وسوريا عام 2014 يفقد زخمه. وتتحدث الصحيفة عن انتصار الرمادي باعتباره نتيجة مثمرة للتعاون الأمريكي ـ العراقي في استعادة الرمادي وقالت إن استمرار التحالف هذا بين العشائر والحكومة الشيعية سيؤدي لفقدان تنظيم الدولة جاذبيته بين العرب السنة. وتقول إن النصر العسكري وحده لا يكفي لهزيمة الجهاديين فهناك حاجة للإصلاحات السياسية. خاصة أن التنظيم نجح في استغلال مشاعر الغضب لدى العرب السنة الذي حرموا واضطهدوا من قبل الحكومات العراقية السابقة «ومن أجل هزيمة التنظيم يجب على العبادي، على المدى البعيد، إقناع الساسة العراقيين يمنح القادة السنة استقلالية أكثر ودورا أكبر في الحكومة».

أين البديل

لكن صحيفة «واشنطن بوست» (29/12/2015) ترى أن انتصار الرمادي يعتبر في حد ذاته صورة عن مدى ما يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الوصول إليه لتدمير تنظيم الدولة بدون حل المعضلة التي تقع في قلب المشكلة التي كانت سببا في هذه الحرب وهي غياب البديل السني المعتدل عن تنظيم الدولة أو غياب القوة المتماسكة في كل من العراق وسوريا. وترى الصحيفة أن أوباما نجح عام 2015 بوقف تنظيم الدولة من التوسع وأجبره على التراجع للخلف. وإذا أراد أن يجعل من عامه الأخير في الرئاسة عام التقدم لتدمير التنظيم الجهادي فعليه العثور على القيادات السياسية وتقويتها لكي تكون قادرة على أن تحل محل تنظيم الدولة. وعلى العموم يظل إنجاز الرمادي مرتبطا بشروطه المحلية ولا يمكن الحديث عنه كنقطة تحول كما تقول «الغارديان» ومن الحمق التفكير بهذه الطريقة «والحقيقة أننا لا نعرف، ولكن هذه الحركة (داعش) تعتمد على خلق شعور سائد بأنه قوة لا تقهر. ويجعل الناس يشعرون أنه يقوم بصناعة التاريخ. ومن هنا فتراجع واحد لن يوقف تقدمه ولكن إن تبعته تراجعات أخرى فستتغير المفاهيم حول نجاحه وبقائه».
وهو ما ذهبت إليه «إندبندنت» (29/12/2015) حيث قالت إن خسارة الرمادي لا تعني نهاية التنظيم وأنه يحضر للهرب «فربما خسر التنظيم مناطق في العراق ولكنه لا يزال يحتفظ بأراضيه في سوريا ويتوسع بشكل مهم في أفغانستان فالحرب ضد تنظيم الدولة لا تقترب من نهايتها وعليه لا يمكن لأحد القول أن المد قد تحول ضده». كما أنه لا معنى للإحتفال فلم يترك الجهاديون والقتال خلفهم إلا مدينة مدمرة ويظل في النهاية انتصار صغير.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية