صوت الحلم …

حجم الخط
1

أدرك ‘صبرى السماك’ * ثورة يناير، وقلبه ما زال عفيّاً بالرفض قوياً بالحلم. شارك فيها وعلى قلبه صورة أمه، التي ودعت حياتها مريضةً، وتركت جُرحاً غائراً في روحه لم يبرأ منه، خاصة أنه لم يودعها في لحظات إحتضارها الأخيرة، وغادرت إلى الغياب دون أن يُمسد عينيها بمحبته ..
في كل خطوة من خطواته بميدان التحرير كانت أمه في الاتجاه المقابل منه، تراه وتنظر في عينيه تحثه على التقدم نحو حلمه، بنفس النظرة التي حثته بها من قبل بعد تعذيبه في تمرد ‘سنورس’ عام 1985، وبعد سحله من ‘الاخوان المسلمين’ في ساحة جامعة القاهرة عام 1991، أمه التي اعترفت له بأنه أحب أبنائها اليها لأنه دافع عن حلمه، ولم يتخل عنه لحظة واحدة، والحالم لا يتنازل عن حلمه. وما زال ‘ السماك ‘ حالماً بالثورة المصرية ويرى فيها الطريق إلى العدل والحرية ؛ لأن الحلم أغنية يلتف حولها الحالمون ..
فى شتاء عام 1991 حدثنى زميل غرفتي بالمدينة الجامعية في جامعة القاهرة عن مظاهرات تطوف الجامعة منددةً بإعلان أمريكا وحلفائها الحرب على العراق، تجاهلت الأمر مُعللاً رفضي النزول بأن المتظاهرين يقيناً من الجامعات المتأسلمة وبيني وبين أفكارهم جفاء وغربة، فأجابنى صديقي إجابة العارف بقلب صديقه: ‘لا المتظاهرين طلبة عاديين رافعين شعارات اشتراكية’، أصابتني الدهشة لأنني لم أر طوال عامي الأول في الجامعة غير جماعات متشددة، تتشكل على مهل في كل البقاع والشوارع، خاصة في أحياء القاهرة الفقيرة والمنسية .. ولم أدر بنفسي سوى وأنا وسط المظاهرة، التي بدأت مثل خيط نهر رقيق، وبعدد محدود من الطلبة من أمام المكتبة المركزية بالجامعة، وكانت مثل حلم أتى من ظل بعيد، وانتهت إلى شلال هادر يضم الاف الطلاب تمكنوا من فتح باب الجامعة الرئيسي، وخرجوا إلى فضاء الشوارع ثائرين، رغم رفض ‘الاخوان المسلمين’ للخروج، وإكتفائهم بالاعتصام أمام قبة الجامعة، متخلين عن رابطة الطلاب الاشتراكيين وطلاب الجماعة الاسلامية الأكثر راديكالية .. وخرجت مع الخارجين نحمل تابوتاً رمزياً للشهيد: خالد محمد عبد العزيز الوقاد، طالب الحقوق، الذي ودع حياته على أثر سقوط قنبلة مسيلة للدموع على رأسه في أول أيام الاحتجاجات، وبمجرد خروجنا طاردتنا القوات الخاصة وتفرقنا في أسراب مختلفة حتى وصلنا إلى ميدان الجيزة، ومن اللحظة الأولى للمظاهرة وحتى عودتنا إلى غياب غرفنا الصغيرة، لم أر غيره ولم ألمح سوى عينيه البريئتين مثل لمعة الأحلام، وروحه الطليقة مثل أناشيد الطفولة وقصائد العارفين بالله، لم أر سوى ‘صبرى السماك’ هادراً بصوت الرافدين مرتدياً ملابس الجيش المصرية الشتائية ‘الكاكي’، وتتطاير الكوفية الفلسطينية من على أكتافه إلى وجوهنا خلفه، تتطاير بهواء الحرية المتدفق من حناجرنا الصغيرة، وبدا في ملابسه مثل صورة مصرية حالمة من المناضل الأسطورة تشي جيفارا، وهي ذات الصورة التي جاء عليها ‘نور’ الثائر اليساري في فيلم ‘آيس كريم في جليم’، الذي قام بأداء شخصيته الفنان ‘أشرف عبد الباقي ‘وكأنما تلبست مؤلف الفيلم’ مدحت العدل ‘روح’ السماك ‘الثورية، وامتدت منه إلى المخرج ‘خيرى بشارة’ والفنان ‘أشرف عبد الباقي’ أثناء تنفيذ الفيلم ، ولم يتحركوا بعيداً عن ظلالها المغوية، حتى أن ‘نور’ في الفيلم جاء شاعراً للعامية، وكاتباً لأغنية الفيلم الشهيرة ‘رصيف نمرة خمسة’ التي عبرت عن تفاصيل وخفايا مجتمعات الظل بالعاصمة العجوز، نفس المجتمعات الشعبية التي جابها ‘السماك’ بقلبه وعينيه وعاش داخل أجوائها الخاصة ..
وبعد انتهاء المظاهرات جُبت الجامعة بحثاً عنه، تحت تأثير موسيقى صوته الإنساني الرحيب، وكأنما أبحث عن كائن من فرط خفته لامس السماء بيديه، ‘كائن لا تُحتمل خفته’، وصادفته في إحدى الندوات الجامعية وتوجهت إليه كمريد التقى بشيخه وصرنا صديقين بومضة العينيين الأولى، عرفت أنه يسكن معي في المدينة الجامعية، وفي المبنى المواجه لى، وعدنا سوياً وتبادلنا حكايات القلوب. حكى لي عن تمرد قريته – سنورس- بالفيوم على الشرطة، بعد أن قرر نقيب الشرطة بالمركز تأديب ‘شحاتة سنية’ اللص الذي تحول إلى مرشد مباحث فاشل بسبب معرفة كل أهل القرية لأصله وتاريخه، وجرسّه بزفة فلاحي مُهينة أجبره فيها على ارتداء ملابس النساء وركوب الحمار بالمقلوب، مُحذراً أهالي القرية أثناء ‘الجُرسة’ بعبارات مهينة من مواجهة نفس مصيره ، عند أي خروج على النظام مستفزاً روح ‘السماك’ الرافضة والطليقة ؛ ليقود ابن السابعة عشرة مع سبعة غيره تمرداً تاريخياً للقرية على الشرطة والنظام، تمرداً تحولت بسببه ‘سنورس’ إلى ثكنة عسكرية مُغلقة ..
وانتهى التمرد بحجزه ورفقته تمهيداً لإعتقالهم، وجاءت سيارة ‘الترحيلات’ لتجد كل أهالي القرية أمامها مانعين مرورها بالمتمردين، ويرى الحالم في عيونهم كل أحلامه عن العدل والحرية، ويذوب الرافض الأبدي في مياه محبتهم الدافق ..
وأثناء مغادرة سيارة الترحيلات بصعوبة لقريته المتمردة، يرى الثائر من النافذة أوراق البصل الحانية الرقيقة تتساقط من السماء وتتطاير على الأرض، أوراق البصل الحانية التي رافقت روحه في كل مكان ذهب اليه ..
وتركني وصعد إلى غياب غرفته، ولم أنم ليلتها بعد تعبق روحي بحلمه الأبيض الشفيف. في الصباح رأيته واقفاً في نافذته مُلوحاً بيديه مثل باعث الأحلام، وأسفله شجرة ‘توت’ زاهية ومثمرة، لم تجد عيناي أي شجرة مثيلة لها على امتداد المدينة الجامعية، وعلى امتداد علاقتي بكل شجر التوت، وكأنما ارتوت الشجرة بماء روحه المتوردة، وصارت نافذته قبلتي الانسانية، أرنو إليها رنو الصاعدين الى الجبل عند التقاء قمته بالسماء ..
كل غرف المدينة الجامعية يسكنها طالبان إلا غرفته يسكنها وحده، ويتصدر بابها عبارة ‘مقر الحركة الطلابية’، وعلى كل حائط فيها تسكن رباعية من رباعيات صلاح جاهين العابرة للزمن، وتتبدل ‘الرباعيات’ حسب حالته ومزاجه الإنساني والشعرى، وتبقى رباعية: البط شال عدَّى الجبال والبحور / ياما نفسي اهجّ … أحج ويا الطيور / أوصيك يا ربي لما أموت … والنبي / ما تودّنيش الجنة … للجنة سور / عجبي، ساكنة على الحائط كأيقونة حرية مقدسة، وهناك حائط خصصه لأصدقائه من الشعراء قرأت عليه: ‘ماعدش في المنديل كناريا / عشان أطيّرها في سبق خسران’، في زمن كانت الثورة فيه محض حلم بعيد، للشاعر الشاب والطالب بكلية الآداب: سيد محمود، الشاعر والمحرر الثقافى المعروف بجريدة الأهرام فيما بعد. وبجوار نافذته تنظر إليك عروسة خشبية بسيطة جداً من العرائس التي تُباع في الموالد المصرية، تنظر إليك ببهجة طفولية، وتملأ روحك بمودة تتناسب ومودة صاحب الغرفة. وللعروسة آلاف الأشباه والقرائن، لكن تظل لعروسة ‘السماك’ بهجتها الفريدة والخالصة، مثلها مثل رائحة غرفته المُعبقة بالدخان والكتب ونسائم الحرية في آن واحد، وكأنه نثر فيها عطره الخاص الذي يلازمه في أي مكان يصل إليه ..
..و’السماك’ قبل اتجاهه للسينما كان شاعراً واعداً في شعر العامية المصرية، أذكر له قصيدة بعنوان ‘المسيح كلاكيت تاني مرة’ من أجمل ما سمعت في شعر العامية المصرية، وكانت من التجارب الأولى في قصيدة نثر العامية التي رسخ لها الشاعر البديع الراحل مجدي الجابري (1961 1999) ..
في مظاهرات عام 1991 بدا ‘السماك’ كشيخ طريقة، وحوله المريدون يتطوحون أسرى لسر الوطن وتجلياته على ايقاع صوته ورنينه، وكان صوته بوصلة للخارجين من الطلبة على النظام المصرى الذي قرر وقتها الانحياز لأمريكا وحلفائها .. (أثناء المظاهرات كان الظرف السياسي مُلتبساً، ديكتاتور عربي صدام حسين دخل بدباباته الكويت واعتبرها المحافظة التاسعة عشرة لدولته، بعد منحه الضوء الأخضر من أمريكا على لسان سفيرتها ‘إيريل غراتسي’ وانقسمت الشعوب العربية على نفسها ما بين مؤيد ومعارض خاصة مع دخول القوات الأمريكية طرفاً أصيلاً في النزاع، وتوجيه ‘صدام حسين’ لصواريخه إلى أراضي اسرائيل والسعودية، و لم يكن الأمر مُلتبساً عند المعارضين المصريين خاصة اليساريين منهم لإدراكهم بأن أمريكا تُخطط لرسم خريطة جديدة للشرق الأوسط بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتحول العالم إلى نظام أُحادي القطبية يخضع للإرادة الامريكية وأحلامها، وأدركت الحركة الطلابية المصرية من اللحظة الاولى للإنتفاضة الطلابية أن معركتها ليست فقط الدفاع عن الشعب العراقي لكن الدفاع عن مُقدسات الحركة التاريخية: الحرية والعدل والمساواة بين أبناء الوطن الواحد، والتي توارثتها الحركة جيلاً بعد جيل خاصة في أجيالها الذهبية، التي زلزلت الواقع المصري أعوام : 1935، 1946، 1968، 1972، 1977، 1986، والتى تلخصت في تعبيرها المثال: كل الديمقراطية للشعب، كل التفاني للوطن، التعبير الذي دشّنه الطلاب الثائرون عام 1972 تواصلاً منهم مع تاريخ الانتفاضات الطلابية السابقة عليهم ، وترسيخاً لقيم العدالة والحرية التي رفعتها كل الحركات الطلابية التالية لهم وحتى ثورة يناير 2011 ، ولم يكن الشعار مجرد لافتة تتقدم الثائرين بقدر ما كانت أيقونة ثورية توارثتها الأجيال وتمخض عنه شعار ثورة يناير : عيش، حرية، عدالة اجتماعية ..
وبعد تخرجنا من الجامعة انقطعت السبل بيني وبين ‘السماك، وانشغل كل منا بحاله وأحواله حتى التقيت عام (2001) بصديقنا المشترك ‘سيد محمود’ وأعطاني رقم هاتفه وجاءني صوته على نفس نقائه الأول، وكأنني تركته بالأمس، وحكى لي عن دخوله عالم السينما من باب الإنتاج، وأوصاني بمشاهدة فيلم ‘العاصفة’ عند عرضه، وشاهدت الفيلم واستعدت معه فترة الجامعة بكل تفاصيلها وأحداثها، حتى أنني تنسمت رائحة زمن الأحداث واستعدت معها نقاء فترتنا الجامعية، وتذكرت كيف كان ‘السماك’ دليلي إلى السينما وفاتح باب الدهشة اليها، معه شاهدت كل أفلام يوسف شاهين بعينه المختلفة ووعيه المغاير، وعرفت معه الطريق إلى أفلام : محمد خان، عاطف الطيب، خيري بشارة، رضوان الكاشف، يسري نصرالله، ‘أهم مخرجي السينما المصرية في العقود الثلاثة الأخيرة ..
ورغم مرور ما يزيد عن العشرين عاماً ما زال اسم ‘صبرى السماك’ يدخلني كما دخلني أول مرة بنفس إيقاعه المنغّم بأناشيد الرعاة والحالمين، وبرائحة الحرية المعبقة بعرق الفقراء وبتوقهم لحياة أجمل ..

*من نصوص كتاب ‘رائحة الغياب’ الذي سيصدر قريباً عن دار شرقيات المصرية

*كاتب وشاعر وصحافي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية