بيروت ـ «القدس العربي»: شغور رئاسي، وجمود حكومي، تفجيرات متنقلة، مخاوف أمنية، وجبهة عسكرية مفتوحة في عرسال بفعل الحدث الدموي السوري المتواصل منذ خمس سنوات، ومع ذلك كانت مواعيد بيروت الثقافية منضبطة وفق مواقيتها المعلنة، لم يلغها ولم يؤجلها تفجير.
الممثلة والكاتبة والمخرجة المسرحية عايدة صبرا أعدت لمحبي أعمالها فرجة جديدة بعنوان «الست نجاح والمفتاح» وكان الموعد في الثامنة والنصف من عشية 12-11- 2015، أي بعد ساعتين من تفجيرين إرهابيين ضربا برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية. جاء الجمهور متحدياً لغة القتل والموت وتمّ العرض.
لبنانياً قد يشكل عدم التأجيل أو الإلغاء بحد ذاته انتصاراً أو نجاحاً، لكوننا بيئة مستعدة جينياً للتأثر بالخارج، خاصة سوريا. إنما الأمور سارت على خير ما يرام. مهرجان بيروت الدولي للسينما انعقد، وعرض ما يقارب الـ300 فيلم، لكنه افتقد لجنة التحكيم من المخرجين والنقاد الأوروبيين والغربيين لتوجس أمني من قبلهم، وهذا ما ترك للجمهور فرصة التصويت والاختيار وفرض إرادته على أفلام المهرجان.
معارض الكتب
في القراءة التفصيلية لحال بيروت ولبنان الثقافية، لا بد من التوقف عند ثلاث محطات رئيسية هي خاصية لبنانية. فبيروت تحتضن ثلاثة معارض كبيرة ومميزة للكتاب، وفيها يتمّ توقيع عشرات الكتب، وتعقد عشرات الندوات الأدبية والفكرية. ولا تزال مركز الاستقطاب الأساس للنشر في الوطن العربي. المعارض هي: معرض الحركة الثقافية في أنطلياس، المعرض الفرنكفوني، ومعرض بيروت العربي والدولي للكتاب. والأخير الذي بدأ الاستعداد للرقم 60، سجل في 2015 ما يشبه التحدي، رغم مشروع «النق» المقيم والمستوطن على انحدار الثقافة وتناقص من يسعون لجنيها، شكل معرض بيروت العربي والدولي للكتاب الـ59 ما يشبه المفاجأة. النادي الثقافي العربي المشرف على تنظيم المعرض ذكر أن الزوار والباحثين عن الكتب والمشترين فاقوا التوقعات وهم بالآلاف. شكل المعرض حالة تلاق وحوار، في الوقت الذي انعدم فيه الحوار خارجه. وكان لافتاً في المعرض لهذا العام تناقص مشاركة الدول العربية والخليجية بشكل خاص، ربما لأسباب سياسية وإقليمية؟ والملاحظة التي توقف عندها النقاد تمثلت بالعدد المتزايد عاماً بعد عام للكتّاب الشباب. كثر منهم كانت لهم مواعيد توقيع هذا العام، كما في العام الماضي. جذب أكثرهم الشعر، وتالياً الرواية. فهل من شأن هذا أن يدحض مقولة «جيل الإنترنت طلّق الكتاب»؟ ربما. وفي رقم المبيعات غير المعلنة بوضوح كلّي فالمعنيون في المعرض أعلنوا أن نسبة البيع تخطت مثيلاتها في السنتين الماضيتين، رغم التراجع المتواصل للقدرة الشرائية لدى المواطن اللبناني.
جوائز جديدة
في دنيا الكتاب أيضاً يُسجل لوزير الثقافة اللبناني ريمون عريجي استحداثه لـ«جائزة وزارة الثقافة للرواية باللغة العربية» التي فازت بها وفي دورتها الأولى رواية «غريقة بحيرة موريه» للروائي أنطوان دويهي. الجائزة مادية ومعنوية. مادياً تبلغ قيمتها 15 مليون ليرة لبنانية، ومعنوياً تتضمن ميدالية، وشهادتين صادرتين عن وزارة الثقافة. وكذلك استحداث جائزة أفضل رواية لكاتب ناشئ. وهكذا صار لوزارة الثقافة أن تدخل في صلب مهامها بعد عوم على القشور، بحيث يصبح لوجودها معنى حقيقي. الروائي حسن داوود نال جائزة نجيب محفوظ عن روايته «لا طريق إلى الجنة». في تاريخ هذا الروائي المجتهد تسع روايات بدأت مع «بناية ماتيلدا» سنة 1999، وآخرها «نقّل فؤادك» سنة 2014. أما رواية «لا طريق إلى الجنّة» التي تنفذ إلى معضلة الإنسان في الزمان والمكان في المجتمع الديني، والتي وصفت بأنها نفسية بامتياز، فقد صدرت سنة 2012.
تعثر الملاحق الثقافية
في الطباعة والكتابة والصحافة، كان مؤسفاً جداً للوسط الثقافي اللبناني والعربي أن يعلن الشاعر عقل العويط رئيس تحرير «ملحق النهار» أنه توقف مع صدور عدده الأخير في 28 ـ 12- 2015. وفي هذا العدد كتبت كلمات مؤثرة لكل من ترك لديهم هذا الملحق تساؤلاً أدبياً وثقافياً وسياسياً، أو قدّم موقفاً ومعلومة. توقف الملحق بعد سنة من عمره الخمسين، وهو الذي بدأ في سنة 1964 والسبب التعثر المالي للمؤسسة التي تتخذ من الديك شعاراً. كذلك نعى الشاعر يوسف بزّي «نوافذ» وهو ملحق ثقافي كان يصدر عن جريدة «المستقبل»، والسبب تعثر مالي للمؤسسات الإعلامية لرئيس الحكومة السابق سعد الحريري.
وفي الوقت نفسه سُجلت عودة بعد توقف لمجلة «السمندل»، وهي مجلة «كوميكس» لبنانية في الشكل والسياسة التحريرية، تجمع فنانين لبنانيين، عرباً وأجانب. مجلة تتضمن العديد من القصص المصورة، التي تحمل اسئلة الناس وهواجس الفنانين بطرق تعبير مختلفة. تأسست «السمندل» من قبل عمر الخوري، حاتم الإمام، لينا مرهج، «الفدز» وطارق نبعة.
ثقافياً وفي مجال الشعر الآتي من الهوى الفلسطيني الحر فكراً وتعبيراً، وبدون ضغوط من أي نوع، جاءنا الشاعر مروان مخول إلى بيروت فأضاء فضاءها بتمرده ورفضه للصلح والمساومة. عبّر عن قهره كفلسطيني وعربي من هذا الزمن العربي الذي باع فلسطين بقرشين من فضة. شاعر فيه رائحة الأرض السليبة لقي استقبالاً وتصفيقاً حارين، حيث كان بمشاركة الفنانة أميمة الخليل.
المسرح
الفضاء المسرحي لبيروت مزدهر نسبياً. مسرح المدينة ناشط بامتياز. وكذلك مسرح بابل الذي عرض «ألاقي زيك فين يا علي»، ومسارح دوار الشمس، كولبنكيان في الجامعة اللبنانية الأمريكية، ومونو. وهذا الأخير له برمجته الدائمة وهو الأكثر نشاطاً واستقطاباً للعروض المميزة، التي تجذب جمهوراً واسعاً. من تلك العروض «فينوس» من بطولة ريتا حايك وبديع أبو شقرا، للمخرج والكاتب جاك مارون، التي انتقلت لاحقاً إلى بابل وبنجاح كبير. ومسرحية «باسبور» لبيتي توتل، «بلا تحشيش» لميشال جبر، «وحشة» لرفيق علي أحمد، وغيرها. مسرحياً كان مؤلماً تخلي أهل المال، خاصة المصارف التي تحقق ارباحاً طائلة في لبنان عن مسرح بيروت التاريخي. لقد أقفل المسرح بقرار من مالكي العقار، رغم الاعتصام المتكرر أمامه من قبل المثقفين والمسرحيين بشكل خاص. موقع ثقافي جديد أضيف في سنة 2015 إلى قائمة الإقفال تمهيداً لاستثمار أكثر جدوى وربحاً. إنما في جانب آخر برزت ظاهرة ثقافية إيجابية جداً في مدينة صور أطلقها الفنان قاسم إسطنبولي، التي تطورت كثيراً عام 2015. تمّ تأسيس مسرح إسطنبولي، الذي يتعاون مع شبان من المخيمات الفلسطينية وآخرين من المدينة في تقديم عروض داخلية وأخرى في الشارع. وكانت لإسطنبولي مبادرات متعددة منها مهرجان مسرحي وآخر للسينما. تم خلالهما استضافة الكثير من نجوم السينما العرب، وعرضت أفلام لهم في سينما الحمرا التي أعيد افتتاحها بعد إقفال لمدة 30 سنة.
مقاهي ثقافية
في الثقافة المستجدة في بيروت برز دور لعدد من مقاهي شارع الحمرا منها مزيان، ومربوطة حيث تستقيم الثقافة مع الطعام والشراب. كمثل تنظيم معارض للفن. حفلات موسيقية هادفة وراقية. عروض أفلام مميزة، ندوات موسيقية وفنية. البداية في هذا التوجه الثقافي للمطعم كانت مع مترو المدينة، الذي سيحتفل في الثاني من بداية هذا العام بسنته الرابعة مستعيداً مقتطفات من عروضه المختلفة. إنها عروض كثيرة ومميزة وآخرها «بار فاروق» التي عرضت في مسرح المدينة، وستكون فاتحة العام الجديد في مترو المدينة. ولا بد من ذكر الحضور الشهري المتألق جداً للمطرب عبد الكريم الشعّار الذي يستعيد روائع أم كلثوم في أجواء من السلطنة والتجلي. وهو تمكن من أن يجمع حوله فئة واسعة من السمّيعة والمثقفين، تنتظره بشغف وتلقاه في مترو المدينة مع الكثير من الآهات.
الموسيقا
في الموسيقى والغناء أيضاً ثمة حفلات دورية للأوركسترا الوطنية اللبنانية للموسيقى الشرق – عربية. هذه الأوركسترا التابعة للمعهد الوطني للموسيقى – الكونسرفتوار تستضيف أصواتاً مميزة لإحياء برنامج غنائي منوع بين التراث، والروائع الخالدة من قديم وحديث. نظّمت هذه الأوركسترا حفلات تكريم للكثير من الكبار منهم أم كلثوم، زكي ناصيف، وديع الصافي، فريد الأطرش وآخرون. وهي توزع حفلاتها ما بين قصر الأونيسكو، مسرح بيار أبي خاطر في الجامعة اليسوعية والأسمبلي هول في الجامعة الأمريكية. ولهذه الحفلات جمهور واسع جداً، وهي مكتظة غالباً. كذلك تشهد حفلات الأوركسترا السيمفونية في المعهد الموسيقي الوطني إقبالا، ولها حفل شهري يقام في كنيسة مار يوسف في شارع مونو. وكان لبيروت موعد حب وفرح ومقاومة مع الإخوة جبران أبناء مدينة الناصرة. ثلاثي العود سمير، وسام وعدنان عزفوا وغنوا في «ميوزك هول» في إبريل/نيسان الماضي، وهذا كان لقاءهم الثاني مع بيروت وجمهورها. هو حفل مشهود له في مدينة الفن بيروت، وفنانون من فلسطين طالما يراودهم حلم لا بد ان يتحقق وهو زيارة جمهور بيروت، وكل جمهور عربي آخر لفلسطين، وسماع الغناء والموسيقى على أرضها.
المهرجانات والمعارض
مهرجان البستان الذي ترأسه ميرنا البستاني احتفل في دورته الـ21 لعام 2015 بكل من تشايكوفسكي، بيتهوفن، روسيني وغيرهم من أعلام الموسيقى. استمر وكما في كل عام لخمسة أسابيع بين منتصف شباط/فبراير وآذار/مارس، تحت عنوان «الطبيعة»، فيما عنوان اللقاء لسنتنا الجديدة هو «أحلام شكسبير». في حفلات مهرجان البستان تتم استضافة كبار العازفين والفنانين من أوروبا وغيرها.
معارض الفن التشكيلي تتألق في بيروت، حيث العديد من صالات العرض، وثمة أخرى تضاف. عودة متحف نقولا سرسق لفتح أبوابه في الأشرفية في 2015 شكل حدثاً فنياً مميزاً. عودة حليم جرداق في غاليري جنين ربيز كانت لافتة ومحببة. كذلك معرض جميل ملاعب. وشهدت صالات المدينة الكثير من التجارب الحديثة في الفن. وتلك الصالات شكلت مكاناً دافئاً ليس للفنانين اللبنانيين وحسب، بل أصبحت واحة للفنانين السوريين والفلسطينيين.
في المعارض كذلك تميز معرض لـ38 قطعة أثرية فلسطينية مسروقة من قبل وزير الحرب الصهيوني موشي ديان ومهداة لأصدقائه في العالم. جرى استعادتها عبر الفوز بشرائها من مزاد في نيويورك، حيث قرر أحفاد أصدقاء الصهيوني التخلي عنها. ومن تلك القطع الأثرية ما يعود لمئات السنوات قبل الميلاد.
في الرحيل عن عالمنا، وفي الأيام الأخيرة من العام المنصرم كان وداعا مؤثرا في لبنان لمطران الفقراء غريغوار حداد عن عمر يناهز التسعين. عاش حداد ورحل وهو يدافع عن المظلومين، يناهض الحرب، ويدعو للتآلف. له كتابات معمقة في الدين حيث لم يكن على وفاق دائم مع الكنيسة. كذلك كتب في ضرورة فصل الدين عن الدولة، ووجد الحل للمعضلة الطائفية اللبنانية بالعلمنة. وكان صديقاً لكافة المثقفين المنفتحين.
ريمون جبارة مسرحي لبناني عريق وفاعل مهنياً وكأستاذ جامعي رحل بشكل مؤثر بعد أسابيع من زيارة وزير الصحة اللبناني له وإعلانه التكفل برعايته الصحية على نفقة الوزارة، حيث سكت قلبه. جبارة من جيل الرواد في المسرح، التحق بفرقة المسرح الحديث التي أسسها منير أبو دبس، وعرف بجرأته في التجريب. غازي قهوجي بدوره رحل تاركاً أثره البالغ في سينوغرافيا العشرات من الأعمال الفنية، وهو من صمم وأخرج وهندس افتتاح كأس آسيا في لبنان سنة 2000. قهوجي أول من حاز شهادة في لبنان في فن ديكور السينوغرافيا وعلم البصريات الفنية. كتب الشعر، وكتب النص الساخر بامتياز.
زهرة مرعي