أجمعُ الطائرات مع الذباب في علبٍ صغيرة، كلّما أمسكتُ بجناح ذبابة، تحاولُ الهرب، أحصرها على جدار غرفتي لأسمع صوت الانفجار الخفيف في جسدها، ولاستمتع برؤية لون دمها الداكن على أطراف أظافري.
اتمددُ على التراب، الشمس أقسى من القصف في صيف الرقة، أراقبُ اللهب الذي يصعد من الأرض، وأتظاهر بالموت، عسى أن يتجمع الذباب على وجهي، مثلما يفعل مع أغلب القتلى الذين شاهدتهم في حارتنا… لا يأتي.
أبحثُ عن كلّ الحشرات الطائرة لأقتلها، أحبُّ القتل.
أرمي الذباب في علبة شفافة عند نافذتي، وأتركه ليجفّ ببطء على أشعة الشمس. أنزلُ إلى الحارة، وأتجوّلُ حول حاوية القمامة الخضراء، أنصب الكمائن، وأعود إلى البيت بعلبة مليئة بالذباب الحي. تأتي الطائرات إلى مدينتي، أتمدّد تحت السرير، أراقب العلب الكثيرة عند النافذة، لا أحبُ أن تقتل الطائرات ذبابي. تبتعدُ الطائرة، وأبدأ بالقتل. أنامُ، وفي الكابوس أرى جسدي أضخم من البنايات، أمسك بالطائرات العالية، وأرميها في علبة الذباب. خبأت في غرفتي علباً كثيرة، أفكّر بصناعة تاجٍ من الذباب المقتول، أوزّعُ التيجان على الناس في المدينة، لنتقاسم حكم هذا العالم السافل. سأتوقف عن صيد الذباب، عسى أن يتوقف القصف.
أتمدّد على الزفت، أغمضُ عينيّ، وانتظر الدّود ليتحرّك على جلدي، لا يفعل… أغمرُ نصف جسدي بالأحجار والتراب. تعلّمت هذا من القتلى الذين نجدهم صدفة تحت الأنقاض. لكنه لا يفعل. لابد أن يعثر الناس عليّ صدفة تحت التراب ليتحرك الدود على جلدي. أنا فاشل في صيد الدود.
يسقطُ البرميل من السماء، أرى الدخان من بعيد. أندم على إيقاف الحرب على الذباب، لن أرحمه مجدداً، أصعد إلى غرفتي، أصبُّ الصمغ في علبةٍ كبيرة، وأنحت تاجاً لنفسي. أعودُ إلى البيت، أقلّد صوت الطائرات ليخاف جيراننا، لكن لا يصدقني أحد، يعرفون الفروق جيداً بين أصوات طيارات الأسد وروسيا وأمريكا.
أنام، وفي الكابوس، أبحث عن الناس، كما أبحث عن الذباب في الحارة. أقلّد صوت الذباب، وأثبّت التاج على رأسي… أركضُ في الحارة وأرفع صوتي لتخاف الطائرات.
كاتب سوري
عامر مطر