مقاربة تحليلية لثلاثة مشاريع صاغت الوعي الحضاري للإنسان: كتاب «خواء الذات والأدمغة المستعمرة» للألماني مراد هوفمان

حجم الخط
0

في كتاب مراد هوفمان «خواء الذات والأدمغة المستعمرة» مقاربة تحليلية لثلاثة مشاريع حضارية ما زالت تصوغ الوعي الحضاري للإنسان، فضلاً عن شيوع نسق التنازع في ما بينها على مشروعية الطرح، من حيث قدرة كل مشروع على وضع تصورات نموذجية.
مؤلف الكتاب هو مراد هوفمان السفير الألماني الأسبق، والخبير في الحلف الأطلنطي، والناشط الحقوقي الذي تحول إلى الإسلام. يهدف كتاب هوفمان إلى اختزال الخلاص الكوني عبر تبني المشروع الإسلامي بوصفه النموذج الأمثل للخروج من الأزمة الأخلاقية التي تعاني منها البشرية، ولكن قبل كل ذلك ينبغي تقويض مركزية الخطاب الغربي ممثلاً بأهم مشروعين فكريين، ونعني الشيوعية، والرأسمالية، وما يتبعها من أنساق الحداثة، وما بعدها.
تتأسس مقولة الكتاب بشكل جوهري على نقد العقول المستعمرة المنبهرة بالتفوق الغربي، على الرغم من هشاشة هذه الاتجاهات، وفشلها في تحقيق خلاص أخلاقي، بما يتضمنه ذلك من أبعاد إنسانية. فالعقول المستعمَرة ما زالت تؤمن بأن الخروج من أزماتها الحضارية لن يتحقق إلا عبر اتباع هذين النموذجين. ومع أن طرح هوفمان يبدو مستعاداً، غير أن الإشكالية تكمن في أن كلاً من القيم والفعل والخطاب والممارسة، ما زالت قائمة في وعي نخب بعض مثقفي المستعمرات السابقة، أو على مستوى الحكومات، وهو ما يكنى عنه بالأدمغة المستعمرة.
الكتاب يتكون من ثلاثة محاور اتسمت بمستوى مباشر من التحليل، فالمركب المنهجي قريب الصلة بالإطار التقليدي، فضلاً عن شيوع الرسالة الفكرية للكتاب حيث طغت هذه المنهجية في كثير من الدراسات التي وضعت من قبل العديد من المفكرين، ولا سيما من الاتجاه الإسلامي الداعي إلى تبني المشروع الإسلامي الحضاري، بيد أن الكتاب ينتقد بعض هذه الاجتهادات الفكرية، متأملاً الحيثيات التي حالت دون تحقيق ما يتوقع من هذا المشروع، نظراً لافتقاده لبعض المبادئ الأساسية، وأبرزها قيم التوفيق بين العلم والإيمان.
يشي الفصل الأول بمقصدية منجزة تتضح من عنوان الفصل «زيف الشيوعية»، وهذا يتحقق عبر نقض القيم المركزية، أو تلك الأسس التي نهضت عليها الفكرة الشيوعية برمتها، بدءاً من المادية الجدلية التي حملت جذور فنائها معها، فاكتمال المجتمع الشيوعي، وتحققه، لا ينفي تعرضه لمبدأ التغير الذي يعدّ أحد أهم مبادئ الجدلية ذاتها، وهذا ما ينسحب على المادية التاريخية التي تنصّ على أن وسائل الإنتاج هي التي تصوغ التاريخ وتحدده، غير أن ثمة الكثير مما تم تجاهله، ومن ذلك بعض العوامل الأخرى كالأفكار والموارد والمناخ والسكان. ولعل هوفمان أراد من هذا الفصل الكشف عن الادعاءات الزائفة التي صاغت الوعي الغربي منتيهاً إلى نتيجة مفادها، أن الشيوعية غير قادرة على صوغ مشروع إنساني متكامل، يتسم بالتعادلية والمنطقية، ناهيك عن افتقاده للمبادئ الإنسانية.
في الفصل الثاني استكمال للنهج السابق، ولكن عبر الانقضاض على المكون الثاني للفكر الغربي ونعني الرأسمالية الغربية، فلا عجب أن ينعت هذا الفصل بزيف الحداثة بوصفها الفكرة الأشد التباساً وغموضاً، علاوة على أنها أشد خطراً، وتأثيراً لكونها أحدثت تحولات عميقة في بنية المجتمع البشري. غير أن عوامل ضعف المشروع، وفناءه يتأتى – من وجهة نظر هوفمان- من اتكائه على ثنائية سبق للمشروع الشيوعي أن عانى منها، ونعني التمركز الخطابي القائم على تصورين هما: الإلحاد والمادية. ومما يلاحظ أن يتتبع هوفمان مراحل إقصاء النسق الربوبي في الفكر الغربي، بالإضافة إلى الإشكالية والهنات التي شابت المؤسسة الكنسية ومسلكها، ولهذا كان لا بد للغرب من تقديم العقل على النسق الغيبي، وما تبع ذلك من تداعيات نشأت بصدور كتاب «نقد العقل المحض» لإيمانويل كانط الذي شكك بقدرة العقل على تقديم معرفة حسية تتصل بما وراء الأشياء إلا من منظور سياقي الزمن والمكان إلى حد ما.
يمضي هوفمان معرجاً على مساهمات المفكرين الغربيين في تعميق الفكر الحداثي القائم على الإلحاد، ومنهم فيورباخ ونيتشه وفرويد وإنجلز وداروين وغيرهم، ليتوصل في النهاية إلى أن أهم عواقب هذا النهج تعميق الفردية، علاوة على الإعلاء من شأن مذهب الهدونية أو «عبادة اللذة». وعلى الرغم من ذلك، فإن الإلحاد لم يتمكن من أوروبا والغرب بالمطلق، إذ ما زال ثمة تذبذب بين هذين النهجين، ولا سيما بعد عودة أنساق الأفلاطونية الحديثة عند بعض العلماء والمفكرين كالفيزيائيين الجدد، الذين آمن بعضهم بوحدة الوجود المثالي ذي الطابع الروحي، ولكن هوفمان لا يفتأ يمضي في تتبع الانهيار الغربي حضارياً وفكرياً وأخلاقياً، وعلى أكثر من مستوى كالتعليم والتقنية، والجنس والعمل والأسرة، والإدمان التقني والعدوان على الحياة والبيئة، ما أحدث خراباً وخروجاً عن أفق الإنساني نتيجة هيمنة الفكر المادي الذي لم يتمكن من صون كرامة الإنسان، فضلاً عن فشله في خلق حدود واقعية لنسق عقلاني متوازن.
يُعنى الفصل الثالث بالمشروع الإسلامي ومكوناته الفكرية، حيث يرى الباحث فيه خلاصاً فكرياً وروحياً بهدف تجاوز الأزمة الأخلاقية والحضارية التي تسبب بها التصوران الوضعيان اللذان جاءا من لدن الغرب. فلا جرم أن يشرع هوفمان في بيان بعض الأسس التي ينهض عليها هذا المشروع، ومنها ما يتصل بمركزية الإيمان، مع الإشارات إلى قيمة وجود فلسفة غير ميتافيزيقية، وجدت قديماً لدى الفيلسوف المسلم أبي الحسن الأشعري (935م) الذي سبق الفيلسوف الغربي إيمانويل كانط في الإشارة لعجز العقل عن إدراك المعرفة الكاملة. فالأشعري أبطل ما جاء به المعتزلة، ولا سيما في ما يتعلق بمحاولة الفهم، والكيف والعلة، والتشبيه، وهو أيضا من خلّص الإسلام من التخمينات الفلسفية الهلنستية، ليأتي في ما بعد الغزالي، وغيره من الأشاعرة لتأكيد عجز العقل عن إثبات صحة الفروض الأساسية للعلم، وبذلك يتوصل هوفمان إلى أن الفلاسفة المسلمين سبقوا فلاسفة الغرب كدافيد هيوم، وكارل بوير في التوصل لحقيقة عجز العقل عن إثبات صحة الفروض الأساسية للعلم.
وتبقى مدارات بحث هوفمان في مسارات عجز العقل، مع التأكيد على أهمية الحاجة المطلقة للقوى التي تتصل بوجود الخالق، كما الحاجة للنبوة، وأهمية الرسالة. الكتاب معني بشكل جوهري بتتبع وتأكيد وجود نسق يوفق بين العلم والإيمان في الفكر الإسلامي، مع قدرة كل منهما على رفد التصورات الكلية، نافياً ما يمكن أن يُتهم به الإسلام من موقف سلبي تجاه العلم؛ ولهذا يأتي هوفمان بأكثر من (750) آية تحضّ على دراسة الطبيعة، والتأمل في الكون، كما الدعوة لاستخدام العقل، فالإسلام هو الدين الوحيد الذي لا ينطوي على أي قيم تناقض العلم، بل إن التناقض متحقق في الثقافات الأخرى، ولاسيما الوضعية من حيث سعيها إلى تقديم المظاهر العلمية الزائفة للدين، أو تقديم المظاهر الدينية الزائفة للعلم.
وإذا كان هوفمان قد أتى على كشف أنساق الاختلال في المشروعين: الشيوعي والغربي الحداثي في كافة مجالات الحياة ومسالكها، فإنه يمضي في ما بعد إلى نسق تقويمي بغية توضيح مدى توافق الإسلام مع القدرات البنائية الأخرى للفكر البشري على مستوى الممارسة، والإنشاء اللغوي، وهنا يسوق المثال تلو المثال على بطلان النظريات التي تحيل كل شيء إلى اختزالات فيزيائية، فثمة دوما هامش من الخطأ في العلم، ولهذا لا بد أن يبقى العلم في أطر القيم الروحية والدينية بهدف تحقيق التوزان. يعيد هوفمان قراءة كل ما يمكن أن يؤدي إلى فهم خاطئ للإسلام، نافياً في الآن ذاته أي تعارض وتناقض بين الإسلام، وبعض المقولات العلمية الكبرى عبر الإحالة إلى قضايا تتصل بالقرآن والعلم والكونية، والذرة والسببية، والكيمياء العضوية كما العلوم الاجتماعية والأخلاق والاقتصاد والأسرة، وغير ذلك.
وختاماً، يبقى هذا الكتاب محاولة من المفكر الألماني للتوصل إلى نسق من الفكر الإسلامي، ولكن بمفهومه المجدد والواقعي، بالتجاور مع تثمين العقل، وعدم إبطال دوره بالكلية، مع الحرص على عدم الحيف بمركزية القيم الروحية للوجود. ومع أن ثمة بعض القضايا التي تحتاج إلى مراجعة من حيث آلية العمل والتوفيق في تشكل الخطاب والممارسة، وتحديدا في مواجهة الصوغ الكلي للعالم عبر المنظور الغربي الذي ما زال قادراً على تحديد خطى البشرية في مساراته، ولكن ثمة عدداً من الأسئلة التي تتصل بالوجهة التي ربما تقود إلى فناء الإنسان ودماره، والأهم من كل ذلك التبعية التي ما زالت كامنة في الأدمغة المستعمرة، التي تعاني من كسل مزمن، وعدم قدرة على تفعيل أي قيمة فكرية تتخذ من تصورات معمقة على مستوى الإيمان والعقل، خاصة في سياقات المجتمع، وظروفه الراهنة.

«خواء الذات والأدمغة المستعمرة» مراد هوفمان ـ ترجمة عادل المعلم ونشأت جعفر ـ ط2، مكتبة الشروق الدولية ـ القاهرة 2011

كاتب فلسطيني – أردني

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية