طهران ستحاول استغلال إعدام النمر لتعزيز قاعدتها الشعبية في العراق ولبنان واليمن

حجم الخط
0

لندن- «القدس العربي»: يقرأ المراقبون في التوتر الجديد بين السعودية وإيران على خلفية إعدام الرياض مجموعة من الأشخاص قالت إنهم متورطون في أعمال أضرت بأمن البلاد ومنهم رجل ديني شيعي على أنها مرحلة من التصعيد في ملفات أخرى خاصة الملف السوري واليمني والعراقي. فالحرب بين البلدين والتي اتسمت حتى الآن بالحرب الكلامية والتي شنتها المرجعيات الشيعية بدءا من المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي وانتهاء بوكلاء طهران في العراق واليمن ولبنان مرشحة للتوسع في الأيام المقبلة خاصة بعد قرار وزير الخارجية السعودي عادل الجبير قطع العلاقات مع إيران عقب مهاجمة متظاهرين إيرانيين احتجوا على مقتل الشيخ نمر باقر النمر، وهو سعودي من المنطقة الشرقية التي تقطنها غالبية شيعية لسفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد حيث تم حرق اجزاء منها والعبث بممتلكاتها.
وأعطت الرياض مهلة 48 ساعة للدبلوماسيين الإيرانيين لمغادرة السعودية. وترى مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية أن التوتر في العلاقات السعودية – الإيرانية جاءت في لحظة حساسة من محاولات المجتمع الدولي لتعزيز الجهود الدبلوماسية لوقف الحرب الأهلية السورية. وكان ستيفان دي ميستورا المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا قد زار السعودية يوم أمس في محاولات لتعبيد الطريق أمام عقد المفاوضات بين ممثلي الحكومة السورية والمعارضة لنظام بشار الأسد. ويخشى الدبلوماسيون الغربيون من أن يؤدي التصدع في العلاقات بين البلدين إلى تسميم الأجواء ويدمر النقاشات قبل أن تبدأ. ونقلت المجلة عن دبلوماسي في الأمم المتحدة قوله «لن يكون المزاج جيدا».

جهد دي ميستورا

وإثر التوتر السعودي – الإيراني ستتخذ الجماعات السورية المعارضة التي يلقى معظمها دعما من الرياض موقفا نقديا واضحا من الإيرانيين والروس، رعاة النظام السوري. وفي المقابل قد تتشدد كل من إيران وروسيا في تقبل جماعات معارضة للمشاركة في حوارات جنيف خاصة أن النظام الروسي يعتبر كل الجماعات التي تعارض النظام السوري «إرهابية». ويقول الدبلوماسي «أعتقد أن الكثير يتوقف مرة أخرى على الولايات المتحدة وروسيا إن كانتا ترغبان في إنقاذ هذا في الوقت الذي سنحافظ على العملية السلمية حية». ويحاول من جانبه دي ميستورا التوصل لأرضية مشتركة بين القوى الكبرى حول جماعات المعارضة التي يجب أن تشارك في محادثات جنيف.
ودفعت روسيا لمنع عدد من الجماعات المشاركة في النقاشات وصنفتها بالإرهابية وقاربت بينها وبين تنظيمي الدولة الإسلامية وجبهة النصرة المرتبطة بتنظيم القاعدة. وكانت فردريكا مورغيني مسؤولة السياسات الخارجية في الاتحاد الأوروبي قد دعت للهدء وقالت لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن العداء بين الرياض وطهران يهدد بإفشال الدبلوماسية حول سوريا. وقالت في بيان لها «يعمل المجتمع الدولي واللاعبون الإقليميون الرئيسيون معا وبنشاط لدعم حل سياسي للازمة في سوريا ويجب أن لا تتأثر بعدم الاستقرار الجديد».
واعتبر وزير خارجية السويد السابق كارل بيلدت في تغريدة له أن قرار السعودية قطع علاقاتها مع إيران يعتبر «تحركاً سيئاً» وسيفاقم التوتر في المنطقة. وكانت منظمات حقوق إنسان غربية قد ناشدت الحكومة السعودية بعدم تطبيق حكم الإعدام بالنمر الذي كان من أشد الناقدين للحكومة السعودية. ولم تعبر الحكومة الأمريكية عن مظاهر قلقها من تنفيذ حكم الإعدام علناً وأبقتها في الدوائر الخاصة. وبخلاف النمر فمعظم من أعدموا هم من المعارضين الجهاديين السنة فيما قالت بعض منظمات حقوق الإنسان إن من بين هؤلاء معارضين سياسيين. وهاجمت منظمة أمنستي إنترناشونال الحكومة السعودية. وقالت إنها تريد «تصفية حسابات وسحق المعارضة». وفي بيان لوزارة الخارجية بعد إعلان تنفيذ أحكام الإعدام عبرت فيه عن قلقها من تأثير الإعدامات على التوتر السني- الشيعي ومخاطر مفاقمته «في وقت يجب أن ينخفض». ويرى دبلوماسيون غربيون أن إعدام النمر قد يعزز من موقف المتشددين في البلدين وسيغذي النزاعات المتصاعدة في العراق وسوريا واليمن.

عقبة

واعترف مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية أن النقاش الحاد بين السعودية وإيران يعتبر عقبة أخرى على طريق الحل للازمة السورية. وقال إن «التوتر الذي حصل نتيجة لهذه الإعدامات ليس مساعدا على تجاوز بعض التوترات الطائفية المتعلقة بسوريا». ولكنه أضاف أن كل طرف يحاول التقدم للأمام. وستجدد الولايات المتحدة دعوتها لضبط النفس ولكن العلاقات بين الدولتين الحليفتين تميزت خلال الأعوام السابقة بالتوتر والشك خاصة في رد السعودية على التقارب الأمريكي مع إيران ومحاولات الرئيس باراك أوباما فتح علاقات ومحادثات مع الجمهورية الإسلامية.
ولم تنجح الولايات المتحدة في إقناع السعودية بوقف حملتها في اليمن التي لم تحقق بعد أهدافها لطرد المتمردين الحوثيين من العاصمة صنعاء وإعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي. ويقول المحللون ومسؤولون أمريكيون سابقون إن قطع السعودية علاقاتها مع إيران يعكس قلقها من التهديد الذي تمثله الجمهورية الإسلامية على المنطقة ومصالح المملكة فيها، إضافة لمخاوف نابعة من تراجع أسعار النفط وطول الحملة في اليمن والتهديدات الإرهابية المتعددة وقضايا تتعلق بمسائل الحكم والخلافة كما يقول بروس ريدل، العميل السابق في الاستخبارات الامريكية – سي آي إيه- ولهذا تأتي الإعدامات رسالة موجهة لكل من يفكر في التمرد على الدولة.

السوريون خاسرون

ويكتب بالروح نفسها سايمون تيسدال في صحيفة «الغارديان» أن التوتر في العلاقات السعودية – الإيرانية يجعل من السوريين الخاسر الأكبر. وأضاف أن طهران في محاولتها لزيادة الضغوط الدعائية ضد الحكومة السعودية قد تقوم بزيادة الدعم العسكري للمتمردين الحوثيين في اليمن. وما يثير المخاوف أكثر هو الوضع في سوريا، فالتصعيد الإيراني بسبب إعدام النمر قد يؤدي لتخريب الجهود الدبلوماسية الدولية والتي قامت على تعزيز التعاون السعودي – الإيراني في الملف السوري.
ويرى الكاتب أنه في حالة نجاح الجناح المتشدد في المؤسسة الإيرانية بتصوير إعدام النمر كتصعيد سعودي يجب الانتقام منه فستنهار كل الآمال لتحقيق السلام في سوريا وإنهاء تنظيم الدولة الإسلامية. وأشار الكاتب إلى الطريقة التي أدارت فيها المؤسسة الإيرانية حملتها الهجومية على الرياض حيث قال إن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي كان كالعادة محدداً في شجبه للسعودية على إعدام نمر النمر عندما قال إن القتل سيترك آثاراً واضحة وخطيرة على النظام السعودي وفي وقت قريب، مع أن خامنئي لم يشر إلى المشاكل هذه.
ويفسر تيسدال الآثار القريبة بمحاور التنافس الدائر بين البلدين في عدد من المحاور التي تتراوح من اليمن وسوريا إلى لبنان ويقوم كل منهما بدعم كتلة سياسية وعسكرية في كل بلد وكلاهما يخاف من المخاطر الخارجية التي تؤثر على استقرارهما. وتساءل الكاتب عما يمكن للزعيم الروحي الإيراني عمله للتأثير على السعودية. ويرى أن النظام الإيراني سيزيد من هجمته الدعائية ضد السعودية التي عادة ما توصف بأنها نظام غير شرعي، وبهذه الطريقة سيعزز من قاعدته الشعبية بين شيعة العراق وشيعة لبنان.
ويقول تيسدال إن الحملة الدعائية إن قرنت بتهريب أسلحة للشيعة في المنطقة الشرقية وفي البحرين ستؤدي لتظاهرات واضطرابات. وفي العراق قد تتطور الدعاية إلى عنف جديد ضد السنة. ويرى الكاتب أن إيران ستحاول الظهور والتأكيد على أنها الطرف الذي يملك الأخلاقية فوق السعودية ولهذا ستتهم الغرب الداعم للرياض بالمعايير المزدوجة. وقد تحاول إيران اللعب على وتر الخلافات داخل العائلة السعودية. كما أشار الكاتب لخطوة أخرى تعمل من خلالها على تأجيج الحرب على السعودية وهي إغراق السوق العالمي بالنفط الرخيص وهو ما سيؤثر سلبا على السعودية التي تعاني عجزا في الميزانية بسبب تراجع أسعار النفط العالمي.

حروب الوكالة

وتعلق صحيفة «نيويورك تايمز» على أن الخطوة المفاجئة تأتي في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة والدول الأخرى إنهاء الحروب الأهلية في اليمن وسوريا وتخفيف حدة التوتر الطائفي في العراق ولبنان والبحرين. وركزت الصحيفة على تعليقات محللين قالوا إن الخلافات بين البلدين ستؤدي لمفاقمة التوتر الطائفي واستثمار متزايد في الحرب بالوكالة الدائرة بين البلدين. ويعلق مايكل ستيفنز من المعهد الملكي للخدمات المتحدة قائلا «هذا تصعيد مثير للقلق» و «سيترك تداعيات ضخمة على سكان المنطقة، ويعني التوتر بين الطرفين استمرار حالة عدم الإستقرار في عموم المنطقة».
ويقول المسؤولون الأمريكيون إن الخلافات بين البلدين لا تحمل أخباراً جيدة لجهود السلام الدولية والتي تتطلب تقديم الطرفين تنازلات. ولهذا طالبت الحكومة بحوار متبادل بدلاً من المواجهة. وقام وزير الخارجية جون كيري من منزله في إيداهو بمهاتفة وزير الخارجية الإيراني ظريف. ويحتفظ كلا المسؤولين بعلاقة صداقة جيدة تطورت أثناء المفاوضات حول الملف الإيراني الإيراني. ولم يكشف المسؤولون الأمريكيون عن طبيعة ما دار في المكالمة وكانت على ما يبدو محاولة من كيري لحض الإيرانيين على تجنب التصعيد من خلال الانتقام. ومع ذلك تقول الصحيفة إن التعايش بين البلدين وصل لأدنى درجاته حيث أعطى الربيع العربي وحرب العراق في السنوات الأخيرة كلا منهما طريقا لمتابعة مصالحه ومد نفوذه.
وتحددت مواقفهما المتعارضة. ففي البحرين أرسلت السعودية قوات ردع الخليج لدعم الحكومة هناك ضد التظاهرات المطالبة بالتغيير. وفي سوريا مولت إيران نظام الأسد فيما دعمت السعودية الجماعات المعارضة له. وزاد من مظاهر التوتر مخاوف السعودية من استثمار إيران للإتفاق النووي مع القوى الدولية لتعزيز نفوذها في المنطقة. كما هاجمت إيران السعودية للطريقة التي تعاملت فيها مع حادث تدافع منى أثناء الحج والذي قتل فيه أكثر من 500 حاج إيراني. وتشير الصحيفة إلى التوتر الجديد على خلفية إعدام النمر الذي طالب بالإطاحة بالحكم السعودي وكان مرشدا روحيا للمتظاهرين في المناطق الشرقية.

خطوط طائفية

وتلاحظ الصحيفة أن رد الفعل في المنطقة جاء بناء على الخطوط الطائفية. فمن ناحية شجب قادة الشيعة الإعدام ومن ناحية أخرى أثنى حلفاء السعودية على عمليات الإعدام كدليل على حزم السعودية وتصميمها على محاربة الإرهاب. وتنقل الصحيفة عن عباس كاظم، الباحث في الشؤون الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز «لا يثق كل من البلدين ببعضهما البعض ويتعامل مع كل مناسبة لزيادة التوتر».
ورغم أن البلدين يترددان بضرب بعضهما البعض مباشرة إلا أنه يخشى من زيادة كل منهما استثماره في الحروب الأخرى «وسيحاول كل من البلدين جهده لتقوية وكلائهم ونشاطاتهم وهو ما سيؤدي لمشاكل جديدة». وسيؤثر هذا سلبا على محادثات السلام التي بذل فيها كيري جهدا كبيرا لإنعاشها وكان من المقرر أن تبدأ قريبا. ونقلت الصحيفة عن مسؤول بارز في إدارة أوباما «نحن قلقون من أن تؤدي هذه لإفشال العملية» وأضاف «من الباكر جدا الحديث عن أثرها».
واعتقد المسؤولون السعوديون أن الجهود التي بذلها كيري محكوم عليها بالفشل من البداية وذلك قبل هجوم الإيرانيين على السفارة السعودية في طهران. ولكن الأخيرة تحركت بسرعة حسب مايكل موريل، نائب مدير سي آي إيه السابق «تحرك الإيرانيون بمسؤولية في هذه الحالة». وحضرت الشرطة بسرعة وقامت بعدة اعتقالات. ورغم كل هذا يعقد المسؤولون تصعيدا في حروب الوكالة بين البلدين في اليمن وسوريا. وقد تجد إيران دفعة في الأسابيع المقبلة عندما تتفاوض مع الولايات المتحدة لرفض العقوبات المرتبطة بـ 100 مليار دولار مجمدة. ويناقش النقاد إن هذه ستعطي إيران مالا جديدا لدعم النظام السوري وحلفائها الآخرين في المنطقة.
يذكر أن معظم الدول العربية شجبت الهجوم على السفارة السعودية من الجامعة العربية إلى الأردن وقطر والبحرين واليمن والكويت فيما استدعت الإمارات السفير الإيراني في أبوظبي واحتجت على تدخل إيران في شؤون السعودية الداخلية. وأعلنت البحرين عن قطع علاقاتها مع طهران. وقالت الإمارات إنها ستخفض مستوى العلاقات مع إيران لمستوى العلاقات التجارية.

هجوم

وفي هذا السياق اتسمت التغطيات الصحافية البريطانية بالهجوم على السعودية. وطالب عدد من مسؤولي المحافظين والليبراليين الديمقراطيين حكومة ديفيد كاميرون بالكشف عن دور بريطانيا في تولي السعودية منصب رئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وحذرت صحيفة «التايمز» من مخاطر التوتر بين البلدين على العلاقات الطائفية ودعت الملك سلمان للعودة إلى مسار الإصلاح وتخفيف التوتر الطائفي.
وأكدت على دور بريطاني لمساعدة السعودية والحفاظ على الاستقرار. وأكدت أن الثورة في السعودية ستؤدي إلى عدم استقرار البلاد وزيادة أسعار النفط وعليه «فمن مصلحتنا وكذلك من مصلحة الملك سلمان البحث عن بديل». والنبرة نفسها برزت في افتتاحية صحيفة «إندبندنت» التي حذرت من مخاطر تدهور استقرار السعودية التي لن يستفيد منها سوى تنظيم الدولة والقاعدة.
وفي تعليق لصحيفة «الغارديان» قالت إن كلاً من السعودية وإيران تضيعان مصادرهما على سياسة خارجية حازمة لا حظ لها من النجاح. وعندما يخرجان من هذه الأزمة فمن المأمول إظهارهما حسا للمستقبل. وقالت إن المتشددين في إيران الرافضين للاتفاق النووي ويحاولون إفشاله ولهذا انتهزوا الفرصة لدفع حكومة بلدهما نحو اتخاذ سياسات أكثر تشددا.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية