القاهرة ـ «القدس العربي» كمال القاضي: في كتابة مختلفة عن ذلك الإغراق المفتعل في الحداثة، وظاهرة الركاكة الشعرية، يبدو ديوان الشاعر أحمد سامي خاطر «كل الجهات أنا.. يا إلهي»، كأنه عزف منفرد بعيد عن نشاز الحركة الثقافية بضجيجها وإزعاجها وتداعياتها الفجة، فالشاعر الذي تربى على شعر محمود درويش والبياتي وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي، حصن نفسه من أدران التيارات المتصارعة على الساحة وعكف على صياغة إبداع رائق ومتميز يخاطب الوجدان والعقل، ويؤمن بالمكون الطبيعي للقصيدة، بلا ادعاء أو تصرف يخل بالمعاني، ويغيب الموضوع بصور ومجازات ومحسنات بديعية تجافي الجمال والإبداع.
«كل الجهات أنا.. يا إلهي»، عنوان يحمل استفهام الشاعر وحيرته من تلك الوحدة التي يشعر معها أنه يقف بين مفترق الطرق كأنه معبر لكل المسافات وناصية لكل الجهات المؤدية إلى لا شيء. العنوان ليس تشاؤميا ولكنه فلسفي إلى حد ما، يعرج على الغرائب والمفارقات في عالم تفتقد فيه البوصلة فلا يجد سبيلا للوصول. وعلى ضوء ثقافته يغزل سامي خاطر خيوط قصائده على منوال البحث والتحري عن هوية الإنسان في عالمه الآدمي وسر حيرته وما يعتصم به، إذ يقول في قصيدة «دع الليل واهبط بنا هادئين من يسأل الآن عن سبب ليحط البشير بصدري راجا ويوقظني ويموت.. ومن أين يندلع الشمعدان وفي أي ركن ستزعم أن الملاك سيهبط في حينه أم ستأتي فرادى إليك العرائس واحدة تلو أخرى وأن تشد الخيوط فترقص أحزاننا في جريدة هذا الصباح دع الليل كل الكلام صباح وحلق بنا في طواف الجراح».
القصيدة تشي بارتباط شرطي بين الليل كباعث على التأمل وأحزان الإنسان التي يجترها في لحظات سهره وسهاده، وأيضا يبرز في القصيدة معنى مقارب يخلق العلاقة الأخرى بين الاعتراف الذي يراودنا أحيانا بغية التحرر من مكنونات صدورنا وعذاباتنا اليومية، وليس هذا فحسب وإنما يلمح أحمد سامي خاطر إلى ما يفرزه الليل من هموم وأوجاع وما تنشره صحف الصباح كأنه ترجمة لما يحدث.
وفي السياق الإبداعي الجميل ذاته يعلن الشاعر عن قلقه إزاء دورة الحياة وما تحدثه من صدمات في قصيدة بعنوان «من تحول الأشياء أرتجف» فيكتب: «فهدد.. أقر أنني بحاجة لأجنحة تحط بي على شجر أنيس ـ ليس كالشجر ينام ـ رافعا أذنابه لليل والمطر ـ يفتح العيون باتساع رغبة ملقاة تحت غلة البلاد ـ ويرسم انفلات نسمة تضم في الطريق سبع سنبلات ـ أرى خلالها انبلاج الشمس والقمر بدون أن أرسو على مصاب مؤلم أو ضلع منكسر.
هنا نلحظ إحساسا بعدم الأمان وخوفا مركبا من الظواهر الطبيعية وتقلباتها المفاجئة، كما نلحظ أيضا الرغبة في التحول إلى طائر يحلق في أعالي السموات بعيدا عن كوكب الأرض الذي صار مصدر خطر داهم يهدد بالهلاك، وهي نزعة تعبر عن الهروب ورفض العالم المادي بكل قسوته وانبثاقاته المعادية لفطرة البشر المسالمة كطيور وديعة تأبي أن تكون ضحية.
وبتلخيص مكثف لحيرته وتوتره تتأكد رومانسية خاطر ونوازعه المثالية في قصيدة بعنوان «حسبتني تركت أعماقي مضاءة» حيث يقول: «هناك أشياء تموت واقفة ـ وأشياء تموت آسفة ـ وأشياء تموت بين .. بين!» إنما حتمية الربط بين الموت كمآل أخير وبين كل الأشياء، إذ لا وجود لملاذ من الموت غير الموت نفسه، وهو إقرار بحقيقة كونية أزلية لا شك فيها ولا فرار منها وهذه دلالة الإيمان الراسخ لدى صاحب القصائد الذي لا يكابر ويسلم بما هو مقدر سلفا، وهو هنا لا يعاند فطرته وإنما يتسق مع رومانسيته وطبيعته النازعة إلى الخير والجمال والمثالية.
«كل الجهات أنا.. يا إلهي» ليس الديوان الأول لمحمد سامي خاطر، ولكنه أحد إبداعاته المتميزة في الشعر والرواية والمسرح، فقد صدرت له عدة دواوين منها «نقوش المعبد الأخير ـ بقط العجوز الذي بحواري ـ السطوح الملساء ـ أحزان الماريونيت». وفي المسرح «بستان الشيخ الضرير». وعلى مستوى الرواية «براء الخاطري ـ وجس المالح». وهو تنويع على ثلاثة صنوف إبداعية مهمة، تتراوح فيها الخيالات والأمزجة وتبرز اللغة الخاصة كوسيط بلاغي خاص يتمم حالة التواصل ويلعب فيها دورا رئيسيا، وربما يكون ذلك عضدا للشاعر والكاتب والأديب الذي تناط به مهمة ثقافية كقيادي في وظيفة رسمية ذات صلة وطيدة بالتكوين الثقافي لدى الفرد والمجموع.