ككرة اللهب المتدحرجة يبدو التوتر السعودي الإيراني هذه الأيام، فمنذ إعدام الشيخ السعودي المعارض نمر باقر النمر ضمن مجموعة فاقت الأربعين والأمور تزداد سوءا وتصعيدا. ذهب المحللون والرأي العام العربي والإسلامي في الموضوع مذاهب شتى طغت على أغلبها الحماسة المفرطة لهذا الطرف أو ذاك، ولم يكن ذلك في مجمله بمعزل عن الاستقطاب الحاد الذي تعيشه المنطقة منذ فترة في ملفات عديدة أبرزها سوريا واليمن والعراق ولبنان مع طغيان لغة طائفية هنا وهناك.
في خضم ذلك، كان لافتا للانتباه حقا ما اتسمت به التصريحات الإعلامية لعائلة النمر، من رصانة حاولت من خلالها النأي بنفسها عن هذا الجدل الحاد المتنامي بين السعودية وايران. كل هذه التصريحات جاءت على لسان محمد النمر شقيق الشيخ المعدوم سواء لوسائل إعلام إيرانية أو عربية متعددة. مثلا: عن تهديدات طهران لبلاده بأنها ستدفع ثمنا باهظا لإعدامها الشيخ قال إن «هذه مشاكل سياسية بين إيران والسعودية لا دخل لنا فيها بأي شكل من الأشكال وينبغي على الدولتين أن تعالجا مشاكلهما السياسية فيما بينهما»، مردفا أن «هذا الموضوع كان موضوعا داخليا وكان بالإمكان معالجته داخليا مراعاة لمشاعر الناس لأن الشيخ النمر كان شخصية معروفة على مستوى العالم الإسلامي وله مريدون وحضور في كل من لبنان والعراق وإيران والهند وباكستان وأفريقيا وأمريكا، وبالتالي كنا نتمنى ألا يحصل ما حصل لأن فيه استفزازا وكسرا لخواطر هؤلاء الناس ومشاعرهم» مشيرا إلى أنه «طوال الأشهر الماضية كان هناك تواصل مستمر مع الحكومة السعودية بكل الوسائل المُتاحة على أمل أن تكون هناك معالجة سلمية وسياسية لهذا الموضوع لكن هذه الجهود لم تأت بنتيجة».
وعندما تحدث محمد النمر عن المساعي لاسترداد جثمان أخيه لدفنه في مسقط رأسه أكد على «رفض العائلة تدخل أي طرف خارجي في هذا الموضوع». قال ذلك لقناة «العالم» الإيرانية رغم اعترافه أنه «حتى هذه اللحظة لم نتلق جوابا إيجابيا من الحكومة للأسف الشديد» مشيرا إلى أن العائلة تحدثت مع «بعض الجهات الحكومية في المملكة التي قد يكون لها تأثير أو لها كلمة مسموعة لدى الجهات المعنية ولكن لحد الآن لم نتلق أي جواب صريح وواضح في هذا الموضوع الهام جدا بالنسبة لنا، وسنواصل جهودنا ومطالبنا مع حكومة بلادنا حتى يستجيبوا ونأمل منهم أن يستجيبوا».
وحتى عندما سألته نفس القناة عما إذا كان لدى العائلة أي نية للجوء إلى جهات حقوقية خارجية في حال عدم تسليم الجثمان، أجاب بالنفي وأضاف أنه «حتى قبل أن يعدم الشيخ لم نر أن نستعين أو نطالب أي جهات خارجية بالتدخل لإطلاق سراحه، وفي هذا الموضوع أيضا لا نحبذ تدخل أي جهة خارجية، ونأمل أن تستجيب الحكومة لطلبنا، وحتى في حال عدم الاستجابة لن نقبل بتدخل أحد من الخارج».
كان لافتا كذلك في تصريحات شقيق النمر دعوته أنصار أخيه والمتعاطفين معه سواء كانوا من السعودية أو خارجها أن تكون ردات فعلهم على ما حدث في الإطار السلمي وعدم الانجرار وراء أي أعمال عنف غير مشروعة وغير مقبولة في المجتمع، قائلا إن «للشيخ مكانة كبيرة في الشارع القطيفي وغيره من العالم الإسلامي وأطلب ألا تتجاوز ردات الفعل الاحتجاج السلمي ولا ينبغي أن يشيطن أحد أهل القطيف والعوامية وأي منطقة ويجر الناس إلى أعمال عنفية»، وأضاف أن «ملف الشيخ النمر ارتفع من الأرض إلى السماء وهو بين يدي رب العالمين وهو القاضي أمام العالم». ونفى النمر وجود أي خطة لدى العائلة للتقدم إلى الجهات الدولية للاحتجاج على إعدام الشيخ النمر قائلا إن «منهجنا منذ البداية كان معالجة الموضوع داخل بلادنا ومع حكومتنا ولكن للأسف لم نتمكن من ذلك وفشلنا فشلا ذريعا».
ليس من الوارد الآن الدخول في تفاصيل القضية وما إذا كان الشيخ النمر إرهابيا استحق ما أنزل به أو رجل دين متسامح وسلمي فحديث كهذا يطول ويستلزم اطلاعا بعيدا عن الارتجال والمواقف المسبقة، لكن من المهم القول إن أجواء التعبئة الحالية ليست سهلة التحمل إنسانيا من قبل من كان معنيا مباشرة وعائليا بما حدث. لقد تعاملت طهران مع ما جرى وكأن الإعدام طال مواطنا إيرانيا من رعاياها في حين بدا من تصريحات عائلة النمر، إلى حد الآن على الأقل، الحرص على إرجاعها إلى الشأن الداخلي السعودي رغم المرارة التي صبغت هذه التصريحات لكن كظم الغيظ كان جليا فيها بلا شك. وقد يكون من المناسب بالنسبة إلى السلطات السعودية التجاوب مع هذه اللهجة، بما تراه مناسبا، لنزع أي محاولات توظيف خارجي متصاعد لما جرى لاعتبارات قد لا تكون لها في الغالب علاقة بالقضية أصلا.
٭ كاتب وإعلامي تونسي
محمد كريشان