«بي كا كا»… جيش يضم آلاف المقاتلين المدججين بالسلاح يحارب للانفصال عن تركيا

حجم الخط
8

إسطنبول ـ «القدس العربي»: على مدى قرابة 40 عاماً من الصراع لم يتمكن الجيش التركي المصنف على أنه عاشر أقوى جيش في العالم من القضاء على مسلحي حزب العمال الكردستاني التركي «بي كا كا» الذي كبد الجيش والشرطة التركية عشرات آلاف القتلى والجرحى، وخسر عشرات الآلاف من مقاتليه بهدف تحقيق مسعاه الذي بدأ بالانفصال عن تركيا وتقلص للمطالبة بإقامة حكم فدرالي في المناطق ذات الأغلبية الكردية بالبلاد.
الحزب الذي تأسس عام 1978 كمجموعات مسلحة صغيرة، تحول اليوم إلى ما يشبه جيش منظم يضم آلاف المقاتلين ولديه علاقات مع بعض الدول، ومصادر دخل مادي تتركز في أغلبها من عمليات التجارة المهربة، ويخوض منذ أشهر حرب شوارع مفتوحة مع الجيش التركي خلفت آلاف القتلى والجرحى من الجانبين.

التوجه والتأسيس

حزب العمال الكردستاني «بي كا كا» هو حزب سياسي كردي يساري التوجه. تحول بعد تأسيسه إلى أهم تنظيم سياسي يقود عملا مسلحا يحظى بتعاطف الكثير من أكراد تركيا، تأسس في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 1978 بطريقة سرية على يد مجموعة من الطلاب الماركسيين غير المؤثرين في الساحة السياسية الكردية، بينهم عبد الله أوجلان الذي اختير رئيسا للحزب، لكنّ عدد عناصر الحزب تجاوز في التسعينيات عشرة آلاف مقاتل.
يتبنى الحزب التوجه الماركسي اللينيني، ومن أهدافه الجوهرية التي أعلن عنها في البداية «إنشاء دولة كردستان الكبرى المستقلة»، ولكن رغم توجهه اليساري فإنه لم يحصل على تمويل من المنظومة الاشتراكية، بل اعتمد في تمويل عملياته وإعداد مقاتليه على مصادره الخاصة. وتتهمه الأوساط التركية بأن تمويله مشبوه وغير شرعي من قبل بعض الدول وتجارة التهريب.
وتدرج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا الحزب على لائحة المنظمات «الإرهابية». بينما يرى الحزب أن السبب الوحيد لوضع اسمه على قائمة المنظمات «الإرهابية» هو المصالح الاقتصادية والسياسية لتركيا مع الدول الغربية.
وللحزب فروع في كلاً من سوريا والعراق وإيران حيث يحمل بعضهم السلاح ويهدفون جميعاً لإقامة مناطق حكم ذاتي على أمل تحقيق الدولة المستقلة عندما تسمح الظروف الدولية بذلك، ونجح الفرع السوري للحزب (pyd) في إقامة 3 مناطق حكم إداري (كانتونات) في الحسكة وكوباني وعفرين وهي مناطق ذات أغلبية كردية في سوريا.

40 ألف قتيل

شهدت فترة الثمانينات والتسعينات ذروة العمل العسكري لحزب العمال الكردستاني الذي شن هجمات مكثفة ضد قوات الجيش والشرطة التركية انطلاقاً من مواقعه الخلفية التي تتمركز في جبال شمال العراق، حيث تقدر أوساط تركية مجموع من قتلهم الحزب بقرابة 40 ألف شخص بين مدني وعسكري.
وشملت عمليات الحزب الكردي مدنيين أكراد اتهمهم بالتعاون مع الحكومة، كما نفذ هجمات ضد مصالح للحكومة التركية في الخارج وسائحين أجانب، وخلال تلك الفترة، اتهم الجيش التركي بتدمير آلاف القرى الكردية وتهجير العديد من الأسر.
وبعد وقت طويل من عمليات التعقب والملاحقة، اعتقلت السلطات التركية زعيم الحزب عبد الله أوجلان عندما كان متجها إلى مطار العاصمة الكينية نيروبي في 15 فبراير/شباط 1999، بعد 15 سنة من العمل العسكري المسلح، لإدانته بـ»خيانة البلاد». وحكم عليه بالإعدام في يونيو/حزيران من السنة نفسها، ثم خفف الحكم من الإعدام إلى السجن المؤبد الذي ما زال يقضيه في أحد السجون بجزيرة أميرالي القريبة من إسطنبول.
لا توجد إحصائيات دقيقة توضح عدد مسلحي الحزب، لكن بعض الجهات تقدر أعدادهم بـ 6 آلاف مقاتل يتوزعون داخل الأراضي التركي وفي مواقع الحزب شمالي العراق، في حين قدرت وسائل إعلام تركية في آخر إحصائية لها منتسبي الحزب من المسلحين بقرابة 2500 داخل البلاد، وقرابة 9 آلاف خارج البلاد.
ويجند الحزب أغلب مقاتليه من المناطق ذات الأغلبية الكردية في جنوب شرقي تركيا, ويجند عناصر كردية مقيمة في أوروبا من خلال شبكات متخصصة وفقا لتقرير أعده جهاز الشرطة الأوروبي (يوروبول)، وتعتبر محافظات جنوب شرقي تركيا على غرار ديار بكر ملاذات لمقاتلي حزب العمال، وهم يقاتلون تحت لواء «قوات الدفاع الشعبي»، الجناح العسكري للحزب.
وتشارك المرأة الكردية بقوة في العمل العسكري داخل «العمال الكردستاني», وتعود مشاركتها تلك إلى فترة التسعينيات حيث انضمت العديد من الكرديات إلى القتال، وتذكر تقارير أن تسعة منهن نفذن عمليات “انتحارية” بينما أحبطت القوات التركية ثماني محاولات لتنفيذ عمليات مماثلة.

المفاوضات وعملية السلام

جرت مفاوضات سرية بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية في العاصمة النرويجية أوسلو عام 2010، لكنها لم تسفر عن نتائج.
وفي صيف 2012 تصاعد القتال بين الجانبين واعتقلت الحكومة التركية العديد من الناشطين الأكراد، وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه جرت جولة جديدة من المفاوضات بين الحكومة التركية والحزب.
وفي 2013 جرت مفاوضات جديدة بين أوجلان وبين مسؤولين في الاستخبارات التركية. وفي مارس/آذار 2013 أعلن حزب العمال الكردستاني رسميا وقفا لإطلاق النار مع تركيا، وذلك في أعقاب الدعوة التي وجهها عبد الله أوجلان لإنهاء النزاع المسلح الذي استمر عقودا.
ودعا أوجلان من سجنه الحزب إلى وقف القتال والانسحاب من تركيا. وقال في رسالة تليت في ديار بكر بجنوبي شرقي البلاد «اليوم بداية عهد جديد، يجب أن تعلو فيه السياسة على السلاح»، مضيفا «الآن وصلنا إلى مرحلة يتعين فيها على العناصر المسلحة أن تنسحب إلى خارج حدود تركيا».

انهيار وقف إطلاق النار

هذه الهدنة لم تصمد طويلاً، وعقب تفجير نفذه تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في مدينة سوروج في يونيو/تموز من العام الماضي، استأنف حزب العمال الكردستاني هجماته ضد قوات الجيش والشرطة التركية بعد اتهامه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالمسؤولية عن الهجوم.
وبشكل متسارع تصاعدت الاشتباكات التي تحولت إلى ما يشبه حرب الشوارع في العديد من المدن في جنوب وشرق البلاد ووصلت إلى ذروتها في الأسابيع الأخيرة، حيث تقدر الجهات الرسمية التركية عدد القتلى من مسلحي الحزب في الاشتباكات والغارات التي تنفذها الطائرات الحربية على مواقعهم في شمال العراق بقرابة ثلاثة آلاف مسلح، بينما أدت هجمات الحزب إلى مقتل قرابة 200 من أفراد الجيش والشرطة وإصابة المئات.
ويقول الجيش التركي إنه يخوض حرباً مفتوحة ضد الحزب تهدف إلى القضاء عليه بشكل تام من خلال تدمير مواقعهم في شمال العراق، وتفجير الخنادق التي حفرها المسلحون، حيث قتل خلال الشهر الأخيرة قرابة 250 من المسلحين في الاشتباكات التي تركزت في مدن جيزي ونصيبين وشرناق وسيلوبي.

دعم دولي وتحرك روسي

تتهم الحكومة التركية بشكل غير مباشر العديد من الدول بتقديم دعم مالي وعسكري لمسلحي الحزب، فقبل سنوات اتهم مسؤولون أتراك إسرائيل بتقديم دعم للحزب، واستنكرت الحكومة التركية قيام ضباط إسرائيليين بتدريب عناصر من حزب العمال الكردستاني، وكشفت تركيا وجود مكاتب ومقرات للموساد الإسرائيلي بشمال العراق.
وتاريخياً تتهم تركيا النظام السوري وإيران بتقديم دعم غير مباشر للمسلحين الأكراد، ومع تصاعد الأزمة الأخيرة مع روسيا عبرت أوساط رسمية عن خشيتها من استغلال موسكو الحزب في خلق مزيد من الضغط على الحكومة التركية من خلال دعمه «العمال الكردستاني» بالأسلحة.
وأثارت زيارة صلاح الدين ديميرطاش زعيم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي الأخيرة إلى موسكو قبل أسابيع جدلا كبيرا في الإعلام التركي، وأشارت صحيفة «بوغون التركية» إلى أن السبب الرئيس من زيارة ديمرطاش ليس لحل الأزمة بين البلدين، وإنما لطلب صواريخ مضادة للدبابات من طراز «AT-14» لتقديمها إلى تنظيم «بي كي كي».

محاكمة رموز الأكراد السياسية

حزب الشعوب الديمقراطي تمكن لأول مرة من إدخال الأكراد إلى البرلمان كحزب سياسي بعدما فاز في الانتخابات البرلمانية الأخيرة العام الماضي، لكن أردوغان والحكومة التركية تتهم الحزب بأنه الواجهة السياسي لمسلحي حزب العمال الكردستاني، وتسعى لمحاكمة رموزه.
وبعد يوم واحد فقط من توعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عدد من الزعماء الأكراد الذين طالبوا بالحكم الذاتي بـ«دفع الثمن»، بدأ البرلمان التركي، الاثنين، إجراءات عملية لمناقشة رفع الحصانة البرلمانية عنهم، تمهيداً لمحاكمتهم، في خطوة ستزيد من حدة الاحتقان السياسي في البلاد في ظل استمرار العمليات العسكرية واشتباكات «حرب الشوارع» بين الجيش التركي ومسلحي حزب العمال الكردستاني.
وسائل إعلام تركية مقربة من الحكومة قالت، الأحد، إن البرلمان التركي سيشكل لجنة لمناقشة إمكانية رفع الحصانة النيابية عن زعيم أبرز حزب موال للأكراد وإحدى القياديات بتهمة ارتكاب «جريمة دستورية» بعدما تحدثا عن حكم ذاتي للمناطق الكردية.

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية