أعمال نحتية تحتفي بالحياة وأصحابها

حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي» محمد عبد الرحيم: أقيم مؤخراً في القاعة المستديرة في نقابة الفنانين التشكيليين، في دار الأوبرا المصرية، معرض للنحت، تحت عنوان «المزلقان» للفنان محمود بشندي.
ويأتي المعرض في مُجمله ليحتفي بالشخوص التي جسدها الفنان وهي في لحظة الفعل والعمل في مهن مختلفة. التمجيد هنا لأصحاب هذه المهن التي لا يلتفت إليها الكثيرون، الذين نطالعهم في الطريق، ونتعامل معهم بالفعل، لكن من دون أن نتجاوز حد ما يقومون به. وربما كان يجب التوقف قليلاً لمطالعة ملامحهم والنظر إلى تفاصيل ما يفعلون، هذا بدوره ما استدعى الفنان أن يُطلق على معرضه هذا الاسم (المزلقان) هذه الرافعة الحديدية ذات إشارة الضوء الأحمر، التي تستوجب التوقف من الجميع لانتظار مرور القطار. هنا يصبح التوقف إجبارياً حفاظاً على الحياة. وهنا يجب التوقف أمام هذه الشخصيات حتى يتم الاقتراب منها إنسانياً، من دون ضياع معالمها في مجرد ما تقوم به من عمل. نطالع ماسح الأحذية الصغير، عامل البناء، بائع البطاطا، بائع الذرة المشوي، عامل إطارات السيارات، وغيرهم. الحفاظ على الحياة هنا، أو بمعنى أصح محاولة الإحساس بها لا يتم إلا بالتوقف أمام هؤلاء، لجدارتهم وقدرتهم على إنتاج صيغة جديرة بالحياة وكيفية معيشتها، من دون فكرة التأسي لطبيعة هذه الأعمال وأصحابها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يخرج الأمر عن مجرد الحِس الفلكلوري، بل فقط الاندهاش بهؤلاء ومحاولة رؤيتهم بطريقة أخرى في الحقيقة.

الطبيعة الإنسانية لأصحاب هذه المهن

حاول الفنان من خلال هذه المنحوتات أن يحوّل ويزحزح مفهومنا ولو قليلاً عن وجهة النظر الاعتيادية لهم من خلال مهنتهم، الأمر هنا يصبح بمثابة التحوّل من نظرة التشيؤ هذه إلى نظرة إنسانية أدق وأعمق. فأنت حينما تتعامل معهم تجرّدهم من الكثير من صفاتهم الإنسانية، ولا تنظر فقط إليهم إلا من خلال ما يقدمونه من أفعال. هذا التجريد المعنوي ينفيه الفنان تماماً، ويُصر في كل عمل من أعماله الفنية أن يجسد الطابع الإنساني لهؤلاء، ويجعلنا نتعرّف عليهم أكثر، ونقترب من ملامحهم كمخلوقات في لحظة فعل أو عمل. هنا أيضاً تبدو المُشاركة بيننا وبينهم، ويتحوّل فعلهم إلى أفعال قد نقوم بها في لحظة، ويرانا الآخرون كذلك، مجرّد فعل يحجب شخصياتنا. ليصل الأمر بالتوقف أمام أنفسنا وكأننا نطالعنا في مرآة. ربما تعبُر بعضنا لحظة التأسي سريعاً لمثل هذا الاكتشاف، وهذا ما يحاول عبوره الفنان، من خلال حالة الاحتفاء بشخوصه، ومن دون التلويح بحالة من الاستغراق في رومانتيكية باهتة، تنتقص من الحالة التي يؤكد على تجسيدها، سواء من خلال تفاصيل الشخصيات من ملابس وأكسسوارات، أو من خلال التكوين الجسدي، وحالة الحركة الدائمة التي نجح إلى حد كبير في الاحتفاظ بها، أو القبض عليها، وكأننا أمام لقطة من لقطات الفوتوغرافيا.

الحركة والتكوين الجسدي

كما أسلفنا تبدو كل منحوتة تحمل قدراً كبيراً من الحياة، من خلال التجسيد في حالة حركة دائمة لصاحب المهنة، كما أن ذلك يمتد من خلال الذاكرة البصرية للمُتلقي، الذي بالتأكيد طالع هؤلاء من قبل في الكثير من الأماكن والأوقات، وهنا كان لخيال المُتلقي أن يستكمل الحركة ويحافظ على استمرارها طوال مُطالعته للعمل الفني. من ناحية أخرى جاء التكوين الجسدي للشخصيات في حالة وحدة مُتكاملة مع الفعل وأدواته، بمعنى أن تكنيك العمل الفني لم يفصل بين الشخص وما يســــتخدمه، لم يكن نحتاً يعتمد الفراغات بين الأجسام، بل الشكل بالكامل عبارة عن كتلة واحدة، وهو ما يوضح حِرفية الفنان في نهجه هـــــذا الأسلوب التقني، والإيحاء من خلاله في الوقت نفســــه بقدر كبــــير من الحركة، إضــافة إلى عدم الفصل ما بين صاحب المهنة ــ أياً كانت ــ وما يعتمد عليه في ذلك… عربة بطاطا، أدوات خلط الإسمنت، الحــــذاء والفرشاة، الذرة وأدوات الشواء، وكل هذه التفاصيل. كذلك لم تكــن المنحوتات من الضخــــامة على سبــــيل المثال لفرض شيء من القوة على المُتلقـــــي، لكن تفاصيلها تفرض ذلك إلى حدٍ كبير، هذه التفاصيل التي تأتي في بساطة أقرب إلى العفوية ــ عفوية مدروسة بالطبع ــ لتوحي بالصدق الفني، الذي استطاع الفنان أن يحققه بشكل كبير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية