نسارع إلى القول إن نقد الوضع العربي الحديث والراهن، لا يعني استمراء جلد الذات العربية أو التنكّر لإنجازات مهمة قدمها العرب، بقدر ما أننا نقوم بالنقد من وحي اللحظة العالمية بكل زخمها وتداعياتها على كل العالم، بما في ذلك العرب أنفسهم، الذين فضلوا في غالبيتهم لغة الصراع والمواجهة مع الغرب.
وفضّلت أقليتهم لغة الصراع ومواجهة النظام الحاكم من الداخل أو من الخارج، فضلا عن الفضاء الديمقراطي والحرية المتوفرة في الغرب، كأفضل سبيل إلى رؤية سليمة وصحيحة للوضع العربي العام، كما أن أفضل الدراسات والبحوث التحليلية للوضع العربي في صلته بالتاريخ المعاصر، هي تلك التي تصدر في الغرب، بعد أن التحق بمؤسساته ومخابره العلمية ومراكز بحوثه الآلاف من الباحثين والمثقفين والكتاب والعلماء العرب.
الحقيقة التي ينتهي إليها التحليل لتاريخ العالم العربي الحديث، أن النشأة الأولى لكياناته الجديدة لم تكن وفق أصول وقواعد تقتضيها الحياة الدولية المعاصرة. فقد تنكرت الدولة العربية في تكوينها الأول إلى مبدأ الإرادة الحرة للشعب، والتُمِسَت السلطة كوسيلة وغاية في الوقت ذاته وأغلق من ثم باب المناوبة والتعاقب على الحكم بشكل ديمقراطي. كانت لحظة ما بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة ستينياتها لحظة تكوين وتشكيل الدول العربية الحديثة، التي أعطت الانطباع بوجود عالم عربي ينتمي إلى خصائص جغرافية محددة وإلى تاريخ خاص. إن الدول العربية التي جاءت على أعقاب حركات وطنية واجهت بها الاستعمار ثم استقلت عنه.. لم تُشْرك الشعوب في تقرير مصير الدولة الآيلة إلى أن تكون عضوا في المجتمع الدولي، وفاعلا في حياة المجتمع والأمة على السواء. فإذا كانت الشعوب قد شاركت في دحر الاستعمار، إلا أنها لم تساهم في عقد تكوين الدولة العربية الناشئة، فقد غابت إرادة الأفراد التي يجب أن تعبر عن إرادة الجماعة المُؤَسِّسة للسلطة السياسية الجديدة. عند استقراء التاريخ العربي السياسي الحديث والمعاصر نجد أن الخاصية المشتركة لأنظمة الحكم العربي هي «السلطوية»، أي نظام حكم طاغ، استبدادي، عسكري، أمني. والسلطوية جاءت من الإفراط في الحكم الأمني والعسكري، الذي يفترض دائما الخطر الداخلي ويلحقه بالقوى الأجنبية، كأفضل سبيل إلى الاستمرار في الحكم والبقاء فيه.
وهذه الطريقة في الحكم هي التي كرست حالة عدم الأمن وغياب دائم للاستقرار السياسي والاجتماعي معاً، لاذت به السلطة إلى إقرار العمل بنظام حالة الطوارئ طوال مدة الاستقلال تقريبا، والذي أجَّل في نهاية المطاف لحظة الشعور بالأمن العام والاستقرار الدائم، لا بل إلى إدارة العنف واللأمن وعدم الاستقرار كحالة طبيعية للدولة والمجتمع.
إن التحليل السياسي للدولة العربية الحديثة، بناء على ما آخر ما وصلت إليه اليوم، يؤكد من جملة ما يؤكد، أنها لم تشكل شخصية اعتبارية تتأتى وتتحصل من حاصل مجموع إرادات وحريات الأشخاص الطبيعيين، بل الغالب في نمط الدولة أنها تابعة للفرد الحاكم، سواء على خلفية العائلة التي ينتمي اليها أو بناءً على الحزب الذي أسسه وصار أداته في الحكم. وقد أدى افتقار النظام العربي للشخصية الاعتبارية إلى عدم الحكم والاحتكام إلى المؤسسات العمومية من جهة وعدم شعور الفرد بأنه مواطن في دولته. وجود مؤسسات عمومية ومواطن حر هما أهم ما تقوم عليه الدولة الحديثة التي تؤمن الوضع وتستقر عليه.
إن الحالة التي لازمت وتَبِعت غياب الشخصية الاعتبارية للدولة العربية هي أنها توسلت ترسانة من الإجراءات الأمنية والعسكرية ومجموعة متلاحقة من القوانين الاستثنائية والتدابير الخاصة، من أجل إدارة المجتمع وتدبير مؤسسات الدولة، أضفى في نهاية الأمر الصفة السلطوية على نظام الحكم. وما الثورات القائمة اليوم في أكثر من بلد عربي إلا العنوان الكبير والأخير للنظام العربي السلطوي.
ولمزيد من التوضيح، نقول لقد صرنا ندرك ونعرف أن لحظة انتقال إرادة الأفراد إلى الحكام وممثلي السلطة تنشأ بموجب ذلك النواة الحيوية، على رأي الفيلسوف ميشال فوكو، التي تمد الدولة بالطاقة السياسية المغذية لشخصيتها الاعتبارية.. لكن، تجربة الدولة العربية الحديثة، لم تمر بهذا الاعتبار واعتورها منذ البداية فقدان النواة الصلبة التي توفر الأمن والاستقرار للجميع.
وما تبع غياب الشخصية الاعتبارية للدولة العربية الحديثة هو الذي سوف يفسر الإخفاق الدائم للسياسة العربية حيال الاتحاد أو الوحدة بين كياناته التي آلت إلى التشكل عقب الحرب العالمية الثانية. وقد كان لغياب هذا المطلب دوره السلبي في استعصاء إمكانية التنمية الشاملة والاستقرار على نظام ديمقراطي وحالة من الأمن العام. وبمعنى آخر فقد استقر الوعي العربي على وطن عربي أو عالم عربي.. لكن واقع الحال يؤكد حالة من التشظي والتشتت والصراع والنزاع المتواصل بين البلدان العربية، أو بين أنظمتها وشعوبها وأحزاب المعارضة ومجتمعاتها المدنية .. وكل هذه التداعيات السلبية تُعلق، في نهاية المطاف، على عالم عربي غير موجود من الناحية الفعلية، ومن مضاعفات هذا الوضع أنه أعفى كل الدول العربية من مسؤولية حالة التردي والإخفاق، بل شجّع البعض على محاولة اغتصاب المبادرة من أجل تنصيب نفسه وصيا على العالم العربي: مصر، سوريا، العراق، ليبيا، المملكة السعودية ..
وبناء على ما تقدّم، يعرّف العالم العربي بأنه تلك الرقعة الجغرافية التي لم تتوقف فيها الحروب والثورات والانقلابات، كما أنه تلك المنطقة من العالم الذي لم تحسم فيه مسائل الدين، اللغة، والديمقراطية والحكم.
في تاريخ العالم العربي الحديث والمعاصر قد تتوقف حرب في جهة، لكن سرعان ما تظهر في جهة أخرى، وأن كل ما تظهر في بلد عربي واحد الا وتحسب على العالم العربي ككل، ومن هنا فإن خاصيته اللعينة أنه يتلقى أوزار وأعباء كل البلدان العربية وتلازمه عند التحديد والتعريف ورسم الملامح. وعليه، وذلك هو قدر العالم العربي، أنه كيان لا يتحدد بإرادته، بقدر ما يتحدد بفعل دوله وإرادة نظمه السياسية في صلتها بالدول الكبرى التي تتحكم في منطقة الشرق الأوسط.
٭ كاتب وباحث جزائري
د. نورالدين ثنيو