عمان –«القدس العربي»: يشغل الإرهاب اليوم حديث العالم سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، فيما يحاول الفنانون تناوله بجانبه الفني، حيث ناقش الناقد والتشكيلي محمد العامري عددا من الإبداعات الفنية لتشكيليين عرب وعالميين، جسدوا في لوحاتهم صورة الإرهاب والعنف وتوثيقه فنيا على لوحات تشكيلية وأعمال نحت تنقل الواقع المؤلم بحثا عن التغيير والمقاومة من قبل المتلقي.
الندوة التي حملت عنوان «تمظهرات العنف والإرهاب في الفنون التشكيلية»، نظمتها رابطة الكتاب الأردنيين مع مركز «تعلم واعلم» للأبحاث والدراسات في العاصمة الأردنية عمان، وأدارها أحمد ماضي، الذي تساءل عن سبب غياب أعمال أردنية في الساحة التشكيلية الأردنية تعاين الإرهاب والعنف وتنقله كصورة بصرية للمتلقي، تعبيرا عن جسامة التجربة والحدث وبشاعة العنف.
فيما بدأ العامري حديثه انطلاقا من التاريخ ومكنونات عالم الإبداع، الذي نبذ الحرب والإرهاب بشتى أنواعه، رغم وجود بعض الفنانين الذين تحمسوا لها، على اعتبار أن الحروب تطهر الأمكنة من النفاق، والذي حدث العكس تماما، حيث يؤثث المنتصر دولة للنفاق والسلطة المطلقة، فقد أعلن أندريه بريتون الذي يشكل الرأس المفكر للسريالية عن نبذه للحروب واحتقاره للحماس السخيف لها. بينما قدم فرانشيسكو دي غويا في لوحة «الإعدام رميا بالرصاص» كشفا مهما عن أعمال نابليون بونابرت في احتلاله لإسبانيا، وقام بقتل من يقف ضده، حيث شكلت اللوحة مادة فاعلة لإدانة بونابرت على مدى التاريخ، وإلى يومنا هذا واللوحة تعرض الآن في متحف دي برادو في مدريد.
وأضاف العامري «فالفنان غويا كان رافضا للاحتلال الفرنسي لوطنه ومناصرا للمقاومين والثوار، مسجلا إحساسه العالي في تلك اللوحة التي لاقت تعاطفا جماهيريا وتفاعلا منقطع النظير، إضافة إلى أن فكرة نبذ الاحتلال هي قوة غويا في التعبير عن الحالة المأساوية التي تعرض لها المقاومون، فقد ركز على مصدر الإضاءة من الأسفل ليبين الخوف المرعب في لحظة الإعدام، إضافة إلى حركة الأيدي للمعدومين».
وأوضح العامري في حديثه، أن الإرهاب والحروب بشتى أنواعهما سواء كانت أهلية، أو من قبل عدو خارجي كانت مصدرا مهما للمقاومة عبر الإبداع الإنساني، بل شاهدا على تلك المآسي التي خلفتها الحروب، فأصبحت تلك الأعمال وثائق بصرية دائمة تتحرك في وجدان الأجيال، عبر الحوار والمشاهدة والكتابة عن تلك الأعمال الخالدة. ومثالا على ذلك ذكر العامري ما فعله الفنان الإسباني بابلو بيكاسو في لوحة «الغيرنيكا» الذي يعد انتصارا للفن ضد الإرهاب وضد أفعال فرانكو تحديدا، والذي استوحاها بيكاسو من قصف مدينة غورينيكا من قبل الطائرات الألمانية والإيطالية عام 1937.
ومن بين الفنانين الذين تناولهم العامري، الفنان الروسي فاسيلي الذي اتهم بنقده للحرب، بأنه يخدم الأعداء تحديدا في لوحته «أنا طائر في السماء»، وهي عبارة عن مجموعة من الجماجم تشكل تلة هائلة من جماجم بشرية مرعبة، كنتاج لخرائب الحرب. الجماجم التي تعتليها مجموعة من الغربان السوداء والجوارح، كانت اللوحة مدوية في صراخها ضد الحرب وضد قتل الإنسان، فما كان من روسيا القيصرية إلا أن حظرت جميع رسوماته ومنعتها من النشر، حتى بعد أن اصبح مشهورا، وهذه دلالة على موقف السلطة السياسية من الموقف الناقد لسلوكياتها، فمسألة المنع والحظر على لوحات فاسيلي نوع من الإرهاب الفكري والإنساني.
وعلى صعيد الفن العربي، ناقش أعمال عدد منهم، فهناك الكثير من الفنانين الذين نبذوا الحرب بوصفها آلة للدمار والتخريب، ووقفوا ضد ما يمارس على شعوبهم من إرهاب منهم: الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط وسليمان منصور والعناني وغيرهم وكذلك الكويتي سامي محمد، والإنكليزي ماكس في لوحته «الإنكليزي القتيل» والسوري يوسف عبدلكي وأخرون كثر. موضحا بالقول «شموط قدم جملة من آثار الاحتلال الصهيوني عبر مجموعة من الأعمال الفنية، بل كرًس جل تجربته في كشف عورة الإرهاب الذي يمارسه الكيان الصهيوني على الفلسطينيين، تخصيصا في لوحته «إلى أين» وهي تبين رحلة الفلسطيني في مجهول الشتات وتركه لأرضه قسرا جراء إرهاب الاحتلال، واللوحات التي ركزت على التهجير والمقاومة. وكذلك لوحة سليمان منصور «جمل المحامل» التي أخذت مجالا كبيرا في الانتشار في ضمائر الناس، كونها تعبر عن تمسك الفلسطيني بأرضه، ووطنه حتى أثناء وجوده في الشتات. بينما يذهب السوري يوسف عبدلكي إلى نقد إرهاب السلطة السياسية، من خلال مجموعة من الأعمال بالأسود والأبيض، أعمال تحمل في تفاصيلها تراجيديا جارحة ومؤثرة في طريقة تعبيرها عن مواضيع التعذيب والسجن وظرف الإنسان الحُر في السلطات السياسية.
بينما يظهر الفنان الكويتي سامي محمد في مناخات أخرى عبر إظهار صورة الإنسان المقاوم للظلم والاضطهاد، فمعظم أشخاصه يتحركون ضمن حالة التخلص من القيود، أو الخروج من الجدران الصلدة للحصول على الحرية، فدائما نجد منحوتاته يتمظهر فيها الإنسان في وضع مأساوي محاولا عبر صراع صعب التخلص من حالة المأساة التي يمكث فيها العربي، الصراع المستمر في البحث عن فضاء إنساني جديد.
آية الخوالدة