أحببت أن يكون (الأمن والأمان) محور هذه الحلقة التي نبدأ بها العام الجديد 2016 وما أحوج بلداننا إلى الأمن والأمان، اللذين بينهما ترابط يوصلهما إلى الإيمان المحقق لهما والناتج عنهما، لفظا ومعنى، في الوقت نفسه.
وإذا لم تصدقني فتعال معي إلى لغتنا العربية:
هذه اللغة قديمة جدا، لا يُعرف بدقة متى نشأت رغم كثرة النظريات. ونراها معمرة عمر الإنسان نفسه فأصواتها واضحة العلاقة بأصوات الطبيعة، أي إنها نشأت منذ أن كان الإنسان على تماسّ مباشر مع تلك الطبيعة.
ونتيجة ذلك أو بسببه نلاحظ في العربية الجذر اللغوي (أ م ن) الذي يشتق منه الأمن والأمان والإيمان والأمانة.. وغيرها، ومع قليل من التطور فيه يظهر لفظ (الأمة) و(آمّين) و(الإمام) و(الاطمئنان) وما هو قريب من ذلك.
نرى أن هذه المصطلحات تعود إلى لفظة (الأم) التي من غريب شأنها أنّ أكثر لغات الأرض المعروفة عالميا قديما وحديثا تتضمن صوت الميم في الكلمة الدالة على الأم. ففي اليونانية Μητέρα)) وفي اللاتينية (mater) والفرنسية (MERE) والإنكيزية (Mother) وفي الألمانية (Mutter) وفي الإسبانية (Madre) وفي الأردية والفارسية (مادر) وفي العبرية (אמא) ايما.. وهكذا.
ولفظة (أُم) في اللغة العربية تتكون من حرف الميم، أمّا الهمزة التي قبلها فهي صوت يساعد على النطق بالحرف الساكن الذي هو (مْ). أما بقية حروف اللفظة في اللغات الأخرى فمن تطورات اللغات عبر العصور.
الأم لفظة دالة على التلازم والترابط، ومنهما تتكون الأمّة، على ما هو واضح في اللفظ. وكذلك في المعنى فلا أمّة بلا ذلك التلازم والترابط بين أفرادها. ومنها الأمن، وكم يشعر الطفل بالأمن وهو في أحضان أمه!
ونجد علاقة لغوية قويّة بين (الأمّة) و(الأمان)، علاقة موضوعيّة، وعلاقة لفظيّة أيضا. أمّا العلاقة الموضوعيّة فإن مفهوم الأمّة لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بتوفّر الأمن والأمان والاطمئنان. أما العلاقة اللفظيّة فالاشتراك في الحروف المكوّنة لكلّ من المصطَلَحَين.
الأمن يلتقي مع الإيمان والاطمئنان، ونستطيع أن نقرّر أنّ خيمة الإيمان تُظلّ المؤمنين على اختلاف مستوى إيمانهم، مع ضرورة التمييز بين مؤمن صادق بإيمانه، وآخر يُبطن البغضاء والعداء، ويُظهر التّقى والإيمان تجارة بهما وإساءة للناس. وهذا الصنف الأخير ينال جزاءه وَفقا للقانون إن ذهبت به مشاعره إلى إلحاق الأذى بالآخرين، أو النّيل من كرامتهم وأمنهم واطمئنانهم. ومهما نقّبنا في كتب السيرة والتاريخ فلن نجد حادثة واحدة جديرة بالثقة تذكر أنّ الأنبياء ارتضوا السلوك المؤدي إلى إلحاق الأذى بالناس والعدوان عليهم، بل إن القرآن اعتبر ردّ الإساءة إساءة لا حسنة، ثم أمر بالتسامح «وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مثلُها فمن عفا وأصلح فأجرُه على الله إنّه لا يحبّ الظالمين» (الشورى 40).
وثمة لفظة أخرى هي (الاطمئنان) التي حار فيها الأقدمون من علماء اللغة والمفسرين فقد رأى بعضهم أنّها من الجذر اللغوي (طمأن) ورأى آخرون أنها من (طأمن). وكل من هذين الرأيين بحاجة إلى حوار.
نرى أن اللفظة من الجذر (أمن) ثم احتاج الناس إلى التعبير عن ناتج هذا الأمن فكان الاطمئنان، ولا اطمئنان بلا أمن يتفيأ الناس ظلاله. وفي اللغة نظائر عديدة لهذا الأسلوب في الاشتقاق، جريا على القاعدة اللغوية المعروفة (كل زيادة في اللفظ تتبعها زيادة في المعنَى) والأمثلة كثيرة كالذي سبق ذكره في حلقة سابقة عن (الهيمنة والسيطرة).
ولننظر في لفظة (آمّين) بمعنَى قاصدين، فهي جامعة بين الأمّ (بفتح الهمزة) بمعنَى القصد، والأمن، بل هي مركبة منهما. ولك أن تعرف أنها موجودة في جميع اللغات المعروفة باللفظ نفسه تقريبا. فأما (القصد) فلا نظن أحدا يقصد مكانا أو شيئا إلا إذا كان يشعر بالأمن به. واكتسبت اللفظة معنى (استجب) في الدعاء، لأن قائليها يقصدون أن يستجيب الله لهم.
فقل: آمين… فعسى أن يستجيب لنا ويجمع شملنا.
باحث عراقي ـ لندن
هادي حسن حمودي