صلاحية الامم المتحدة لحل الخلافات الحدودية العراقية ـ الكويتية

حجم الخط
0

عندما نسمع بتخاذل الحكومة العراقية في ادارة الملفات الرئيسية العالقة وما اكثرها خصوصا الخارجية منها. نرى بالنتيجة بأننا عدنا الى نفس النتائج التي اوصلنها اليها النظام الصدامي في سياسته الخارجية وان اختلفت الوسائل.
الامر لا يتعلق بتعيين سفير او عقد صفقة تجارية او المشاركة في مؤتمر دولي انما هو أمر يتعلق بأراض عراقية انتزعت بالقوة والإكراه من قبل لجنة ترسيم الحدود العراقية الكويتية التابعة للأمم المتحدة قبل عشرين عاما. ولا ينبغي ان يغتر أحد بالتسميات الكبيرة للجان دولية كثيرة كلجنة ترسيم الحدود التي اسسها مجلس الامن فهي لجنة غير شرعية من الجانب القانوني كما سنرى بغض النظر عن الجهة التي اصدرتها ووقعتها ونفذتها. لقد كانت الامم المتحدة تعلم علم اليقين بأن النظام العراقي السابق غير شرعي فلا ينبغي ولا يمكن ان يمثل الشعب العراقي خصوصا في أبرام وتصديق المعاهدات الدولية السيادية المتعلقة بالأرض والنفط والممتلكات.
لنعد بالتاريخ الى الوراء عقب استسلام النظام عام 1991 حيث كان انذاك مستعدا للتنازل عن اي شيء وكان من الممكن ان يدفع اي ثمن من ثروات العراق شرط بقائه بالسلطة. لذا فقد صفى الجو لمجلس الامن بعد ذلك التاريخ والانهيار المخزي لقوات النظام فأصدرت قرارات عديدة وأسست اربع لجان منها لجنة ترسيم الحدود بين البلدين.
ان تدخل الامم المتحدة في النزاعات الحدودية بين أعضائها كان سابقة اثارت استنكار الكثيرين. لان هذا التدخل ببساطة ليس من اختصاص هذه المنظمة الدولية ان فتح هذا الباب لها يعتبر بداية سيئة، وتدخل في امور تخص الدول المتجاورة، لان هذه الاخيرة ينبغي ان تجد حلولا لخلافاتها الحدودية، دون تدخل قسري من احد. ان هناك مبادئ وقوانين دولية متعارف عليها، كان من الضرورة استنزافها قبل ان يصار الى اتخاذ قرار بتشكيل لجنة الامم المتحدة. لذا نرى بان المعترضين كانوا من كل مكان.
اسلوب فض الخلافات الحدودية في القانون الدولي: ان تسوية الحدود الدولية، باتت تخضع لقوانين ثابتة، تتدرج للوصول الى تسوية بين البلدين المتنازعين، وتنحصر طرق حل الخلافات الحدودية في مبدأين:
1) المبدأ القضائي: ينص هذا المبدأ على الاخذ بأسلوب التحكيم الذي قررته المادة السابعة والثلاثون من اتفاقية لاهاي، حيث تختار الدولتان المتنازعتان، قضاة لتسوية النزاع وفق احترام القانون الدولي، كما وللتحكيم شروط وأصول تتبعها الدول. وإذا ما فشل التحكيم، فان النزاع يحال الى محكمة العدل الدولية، التي هي من هيئات الامم المتحدة. ولقرارات هذه المحكمة صفة الالزام لطرفي النزاع، وفقا للمادة التاسعة والخمسين من نظامها الأساسي كما وان قرارها قطعي لا يقبل استئنافا، وفق المادة الستين من نظامها.
2) المبدأ السياسي: يعتمد هذا المبدأ في حل المشاكل الحدودية، على اسلوب المفاوضات الدبلوماسية من اجل تقريب وجهات النظر بين الطرفين المتنازعين حيث يناط لطرف ثالث للقيام بمهمة المساعي الحميدة، ومن ثم تبدأ الوساطة لوضع الاسس المشتركة لإيجاد حلول محتملة بين البلدان المتنازعة. وفي مرحلة متأخرة تشكل لجان التحقيق او التوفيق، ونتائج هذه المساعي والوساطات منوط برضى الطرفين.
ينص على هذه المبادئ ميثاق الامم المتحدة، حيث تذكر الفقرة الثالثة من المادة السادسة والثلاثين، انه ينبغي على مجلس الأمن ان يحث طرفي النزاع لعرض المنازعات القانونية، على محكمة العدل الدولية، وبطبيعة الحال فان المحكمة لا تستطيع النظر في نزاع حدودي، دون اتفاق الطرفين على التقاضي امامها. ولا سبيل لتدخل مجلس الأمن حسب قواعد القانون الدولي، إلا في حالة رفض احد الطرفين المتقاضيين قبول حكم المحكمة، وامتناعه عن تطبيق الحكم. عندها يحق للطرف الثاني، الاستنجاد بمجلس الأمن حيث يخوله الميثاق، صلاحية اصدار قرار خاص بفرض تطبيق حكم المحكمة ويسجل القرار باعتبار القضاء المقرر من المحكمة هو حدود رسمية نهائية. وعند اصرار الطرف الأخر على عدم الامتثال لقرار مجلس الامن أيضا عندئذ فقط يصار الى الاجراءات المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق.
اذن ووفق القانون الدولي لا يملك الامين العام صلاحية ما لتقديم توصية الى مجلس الامن لترسيم الحدود، إلا بعد استكمال المراحل القضائية او السياسية التي نصت على اجرائها المعاهدات والمواثيق الدولية. كما ان عملية ترسيم الحدود لا يمكن ان تتم بمعزل عن طرف واحد او بمعزل عن الطرفين معا.
اما دعوى احتلال العراق لأراض كويتية، فلم يطرح هذا الامر حتى من قبل الكويت نفسها، إلا بعد ترسيم الحدود من قبل لجنة الامم المتحدة عام 1993. ولم تسجل الكويت يوما ما اية احتجاجات رسمية ضد العراق حول ترسيم الحدود، لدى جامعة الدول العربية او محكمة العدل الدولية او حتى منظمة الامم المتحدة.

الاعتراضات على القرار 833 داخل مجلس الامن: بعد ان قدمت اللجنة تقريرها الى الامين العام للأمم المتحدة، والذي رفعه بدوره الى رئيس مجلس الامن للمصادقة عليه، وذلك في جلسته المنعقدة بنيويورك في السابع والعشرين من مايو 1992، وكانت الرئاسة مناطة آنذاك بمندوب الاتحاد الروسي. في تلك الجلسة، طعن العديد من مندوبي الدول الأعضاء في شرعية اللجوء لترسيم الحدود، وفق هذا الاسلوب. وربما يكون من المفيد ان نذكر بعض الطعونات لأهميتها:
1) ركز مندوب فنزويلا على ضرورة الالتزام بميثاق الامم المتحدة، وبالخصوص المادة الثالثة والثلاثين مشككا من طرف خفي بشرعية اللجنة، ومما قاله: ‘تفهم فنزويلا ان مشروع القرار الذي يعرض على المجلس اليوم، والذي يتابع العملية التقنية لتخطيط الحدود بين البلدين ويختتمها، لا يرمي بأي حال من الأحوال الى اقامة اي سابقة تبدل المبدأ العام الوارد في المادة الثالثة والثلاثين من ميثاق الامم المتحدة، وهي المادة التي تنص على انه يجب على الاطراف المتورطة مباشرة في نزاع من النوع، الذي نناقشه اليوم، التماس حله بطريق المفاوضة، والتوصل الى اتفاق ضروري للتغلب على خلافاتهما، وبالمثل تتوقف عليها المعايير، والطريقة المستخدمة في رسم الحدود البحرية’.
2) تحفظ مندوب البرازيل على ترسيم الحدود من قبل اللجنة، واعتبر مثل هذا العمل خارجا عن صلاحيات مجلس الأمن ونصح بترك امر ترسيم الحدود للدول المعنية، حيث قال: ‘ان قرارات الترسيم لا يمكن تبريرها، إلا في ضوء الظروف الاستثنائية والفريدة التي اتخذت فيها هذه القرارات، وإنها لا ترسي سابقة لعمل المجلس في المستقبل، بشأن المسائل الاخرى المتصلة بتعيين او رسم الحدود بين الدول الاعضاء في الامم المتحدة. ان تأييد البرازيل للقرار الذي اتخذناه توا، لا يمس بتحفظات حكومة البرازيل، فيما يتعلق باختصاص مجلس الامن التابع للأمم المتحدة في الشؤون المتصلة بتعيين الحدود بين الدول الاعضاء في الامم المتحدة، او تخطيط هذه الحدود، وترى حكومة البرازيل ان المسائل المتعلقة بتعيين وتخطيط الحدود الدولية، يجب ان تسويها مباشرة الدول المعنية’.
3) اعترض ممثل الصين على شرعية اللجنة، ذلك لان مسائل الحدود ينبغي ان يتم تسويتها سلميا، بإبرام الاتفاقيات والمعاهدات بين الدول المعنية، وعبر عن ذلك بقوله: ‘فيما يتعلق بمسألة الحدود، ما برحت الصين ترى انه يجدر بالبلدان المعنية، وفقا للقانون الدولي، وميثاق الامم المتحدة، ان تتلمس الحل السلمي عن طريق ابرام اتفاقيات او معاهدات بالتفاوض والتشاور، بغية الاسهام في تحقيق السلم والاستقرار الدائمين في المناطق المعنية.
من اجل اكتمال الصورة من جميع جوانبها، لابد ان نراجع موقف القانون الدولي، والسبل الذي يتبعها لحل هذا النوع من المشاكل الحدودية.
الادانات الدولية المنددة بالترسيم الجديد: لقد انتقدت الكثير من وسائل الإعلام قرار ترسيم الحدود، لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار الجانب الجغرافي السياسي، اضافة الى الجانب التاريخي. بعد ان رأت ان الحدود، قد تزحزحت الى الشمال، واقتطعت اراض عراقية على طول الشريط الحدودي، مما يزيد من متاعب العراق حاضرا ومستقبلا.
من اوائل المنددين بنتائج التخطيط الجديد، ممثل المفوضية الاوربية، السيد جيرد نونمان في تقريره الى المفوضية الاوربية حيث قال: ‘ان لجنة الامم المتحدة لتخطيط الحدود بين العراق والكويت، قد زحزحت الحدود الى الشمال مسافة 600 متر تقريبا، لتحرم بذلك العراق من جزء من قاعدتها البحرية في ام قصر، وبالتالي التضييق من منفذها البحري على الخليج العربي، مما يسبب ذلك مشاكل اضافية الى العراق’.
ومن ردود الفعل المعترضة على الترسيم، نذكر مصر التي وقفت مع التحالف الغربي في حرب الخليج. اذ نبهت التحالف الدولي، بان الهدف كان لطرد العدوان، والعودة الى خط الحدود الذي عبرته القوات العراقية فجر الثاني من اب 1990. وفي هذا الصدد ذكرت صحيفة الحياة في عددها الصادر في الرابع والعشرين من نيسان 1992 ‘بان القاهرة اجرت اتصالات واسعة مع الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن ودول مجلس التعاون الخليجي، تناولت توصيات اللجنة الدولية المكلفة بترسيم الحدود العراقية – الكويتية، وحضت على الاسترشاد في هذه المسألة الحساسة، بمواثيق الجامعة العربية والمعاهدات والاتفاقيات الثنائية بين دولتي الكويت والعراق، وطالبت بأخذ الامر بجدية ومسؤولية لتفادي مشكلات في المستقبل. ورأت ان اجراء اية تغيرات حدودية، في هذه الظروف، من دون اتفاق بين الدولتين، سيخلق مشكلة كامنة يتحمل نتائجها العالم العربي. وان مهمة اللجنة، يجب ان تأتي في اطار احترام الحدود والسياسة، بين العراق والكويت وفقا للمواثيق والمعاهدات العربية. معتبرة توصيات اللجنة باستحداث اوضاع جديدة، وليس احترام الاوضاع القائمة، وهو الهدف الذي استند عليه التحالف الدولي’.
اما الكويت الطرف الوحيد المساند والمؤيد لترسيم الحدود الجديد، فان مطالبه قد اختلفت تماما عما كانت عليه قبل الحرب، اذ بدأنا نسمع لأول مرة، بان هناك حقوقا ضائعة اعادتها اللجنة الى الكويت، حين قال ممثل الكويت في اللجنة: ان تخطيط الحدود لعام 1992 سيكون مختلفا تماما عما كان عليه قبل 60 عاما، ثم بدأت اللهجة تتصاعد، حول حق الكويت في حقل الرميلة الجنوبي، بعد ان كان الخلاف قبل الغزو على حقل الرتقة. وظهرت ادعاءات تقول ان الكويت سبق وان اجبرت على التنازل من ام قصر وصفوان، بل حتى ان مدنا عراقية شهيرة كالفاو وأبو الخصيب، اصبحت في نظر بعض المراكز الدراسية الكويتية، مدن كانت تابعة للكويت. وهذه الادعاءات يكذبها تاريخ المنطقة القديم والحديث منه جملة وتفصيلا.

‘ كاتب من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية