عاطف الطيب .. مسيرة فنية غنية عن التعريف: شهادة في حق مخرج «البريء» و«ضد الحكومة» و«ناجي العلي»

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»:تلميذ صلاح أبو سيف المجتهد وأحد أبرز أبناء جيل الثمانينيات في السينما المصرية يعرف بعلاماته الفنية المهمة «البريء» و«الهروب» و«ضد الحكومة» و«الدنيا على جناح يمامة» و«سواق الأتوبيس» و«ليلة ساخنة».
هو لا شك عاطف الطيب الذي احتفل أصدقاؤه بيوم ميلاده في 26 كانون الأول/ديسمبر قبيل نهاية عام 2015 كنوع من الوفاء وإحياء الذكرى للمخرج الكبير الذي أثرى السينما العربية بأعمال جادة، لا يمكن أن تنسى منها «ناجي العلي» الفيلم الأميز في رحلته ومشواره.
جاء الاحتفال بيوم الميلاد متمثلا في عرض الفيلم التسجيلي الذي حمل اسمه كعنوان يليق بصاحبه، ويغني عن أي إضافات أخرى. في البداية استعرض المخرج وكاتب السيناريو محمد فريد لقطات سريعة لأهم أعمال الطيب، كتمهيد قبل الدخول في السيرة الذاتية المختصرة التي أوحت بكثير من خلفياته الشخصية والعائلية والحياتية، فمن الواقعية السينمائية والعالم الفني الخاص به إلى بداياته ومشواره وكفاحه. ارتبط المخرج الراحل الكبير بالسينما كمشاهد للأفلام يواظب على ارتياد دور العرض ويستقبل بشغف الجديد والمطروح في المواسم، وينتقي ما يناسب ذوقه ويتوافق مع فطرته، وقد ظهر ميله إلى الأفلام التراجيدية والإنسانية وبات مرتبطا بذلك النمط السينمائي المؤثر وهو المراهق الحساس المرهف ابن الستة عشرة ربيعا.
ظلت العلاقة بينه وبين السينما على هذا النحو محصورة في مجرد الفرجة والاستمتاع والتأثر، إلى أن شب عن الطوق وأراد أن يوطد علاقته بها بالدراسة الأكاديمية، ولكن ظروف الحياة الصعبة حالت دون تمكنه من ذلك، فقد اضطر لترك الدراسة والعمل في محل الألبان الذي كان يمتلكه أبوه في أحد الأحياء الراقية في القاهرة، وعليه ضاعت الفرصة ومرت السنوات، بيد أن الحلم ظل يراوده وأخذ القرار بمواصلة الدراسة الثانوية وإنجازها كمرحلة تمهيدية لدخول معهد السينما، وبالفعل نجح في تجاوز العقبات وانتظم في الدراسة، ولكنه لم يكن الطالب الفارق في المستوى والتحصيل، بل على العكس عرف بعزلته وانطوائه وصمته الطويل، وربما هذا الأمر جعل أستاذه صلاح أبو سيف يندهش من مستوى إبداعه في ما بعد، لأن شيئا من هذا التألق لم يظهر عليه.
وحسب الشهادات التي وردت في فيلم محمد فريد فإن عاطف طوال سنوات الدراسة في المعهد لم يكن لافتا ولا مبشرا بتلك العبقرية، وهو ما يمكن تفسيره بأنه كان اختزالا وتراكما لم يظهره الطالب لخجله الشديد الذي عرف عنه في تلك الفترة، إذ تربى تربية صارمة لكونه ينتمي لواحدة من عائلات الصعيد الكبرى المتمسكة بالعادات والتقاليد وكافة أشكال الانضباط.
كانت بداياته في الإخراج السينمائي كأول تجربة له فيلم «الغيرة القاتلة» وللأسف لم يلق الفيلم الاستحسان المرجو من النقاد، رغم أنه جمع بين نجوم كبار منهم نور الشريف ويحيى الفخراني ونورا، وبالقطع تأثر المخرج الناشئ تأثرا سلبيا بهذا الفتور تجاه أولى تجاربه، وبشيء من العزيمة والتحدي والرغبة في القفز على المحنة صنع فيلمه الأهم ليس في مسيرته وإنما ربما الأهم في تاريخ السينما المصرية «سواق الأتوبيس» فتحول إلى مارد خرج لتوه من القمقم ليعلن عن وجوده القوي والمفاجئ، ومن هذه اللحظة أصبح المخرج المحدود والصموت والخجول، منافسا قويا للكبار.
تحدث نور الشريف في سياق شهادته عن رفيق دربه، مؤكدا أن عاطف الطيب كان أهم اكتشافاته الفنية، وأن ثقته به لم تنشأ من فراغ، بل تولدت عبر مراحل ومحطات عمل خلالها مع المخرج يوسف شاهين، على سبيل المثال، وظهرت قدراته كمثقف وفنان واع، ولديه وجهة نظر ومن ثم ارتبط به وقدمه كمخرج شاب راهن عليه وكسب الرهان، ويرى الفنان الراحل نور الشريف أن ثمة نقلة نوعية أحدثتها أفلام الطيب في السينما المصرية، متمثلة في «ناجي العلي» و»ليلة ساخنة» و»البريء» و»الهروب» و»سواق الأتوبيس» و»قلب الليل» وكلها نوعيات تقوم فكرتها على احترام حرية الإنسان والدفاع عنها كحق مكتسب من حقوقه الأصلية والمشروعة. وهذه القضية كانت تشغل المخرج الراحل وتتمركز في بؤرة اهتمامه، فلم يكن يمارس الإخراج السينمائي ممارسة احترافية فحسب وإنما تعامل بمنهجية فكرية سياسية أخذت خطا معارضا بارزا أصبح سمة في ما بعد وشكل نمطا في أفلام الثمانينيات.
في الفيلم التسجيلي عن المخرج المهم ارتكز محمد فريد على بعض الشهادات الأخرى ليعطي ملمحا وافيا عن عاطف الطيب، شخصيته وصفاته وسماته وأفلامه وقناعاته السياسية، فأورد شهادة للمونتير أحمد متولي ذكر فيها حساسية المخرج في ما يتعلق في عملية المونتاج وفنية الحذف والتكثيف لضبط الإيقاع وتلافي الترهل والتطويل في المشاهد، موضحا أن الراحل الفنان كان دقيق الملاحظة وله خصوصية ومدركا لأبعاد كل لقطة وكل زاوية وكل جملة حوارية، غير أنه كان شديد الاهتمام بالموسيقى التصويرية تعبيرا عن اللحظة الدرامية ودلالاتها وقد اتفق على هذا شهود آخرون منهم الناقد طارق الشناوي، الذي تحدث أيضا عن خصائص سينما عاطف الطيب وملامحها بقدر كبير من الإيجابية، بوصفه امتدادا لصلاح أبو سيف مع اختلاف في أسلوبية التعبير والمعالجة والحس السياسي، وهو اختلاف تحتمه المراحل والأزمنة في كل عصر من عصور السينما في مصر وغيرها من دول العالم العربي، وعن خصوصية الصورة واللقطات كانت الآراء داعمة لفكرة التميز عند المخرج الكبير الذي اقترب رصيده من 25 فيلما اعتبرها نور الشريف الكنز الحقيقي في دنيا الإبداع وسماها «أبناء عاطف الشرعيين» فهي حصيلة فنه وفكره وخلاصة معارفه في كل الإتجاهات.
الفيلم الذي عرض كما أسلفنا بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد عاطف الطيب وحمل اسمه يمثل وثيقة غاية في الأهمية لمخرج استثنائي لم يعش طويلا، ولكنه كان واضح الأثر على مستوى اللغة والتكنيك والتناول والأفكار، فأحتل مكانة كبيرة تجاوزت عمره الفعلي الذي لم يصل إلى الخمسين عاما. لقد رحل الطيب في أوج مجده السينمائي إثر فشل عملية جراحية دقيقة أجريت له في القلب. انتهت رحلة المخرج الكبير بعد أن أغلق القوس على أوجاع المجتمع المصري بإشارات بليغة وذكية لعبت فيها السينما دور البطولة.

كمال القاضي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية