نجيب محفوظ والشكل الروائي

حجم الخط
0

 

وإذا سلمنا بأن الشكل يتكرر بصورة أو أخرى في كل روايات هذه المرحلة بداية من «اللص والكلاب»، وانتهاء بـ»ميرامار» ترتب على هذا التسليم، بالضرورة، أكثر من نتيجة؛ فالشكل هنا لم يعد مجرد ضرورة فنية عابرة تخدم مادة عابرة، ولا هو وسيلة تعبيرية حديثة يساير بها الكاتب الوسائل التعبيرية الحديثة، بل هو شيء أكثر حيوية، وأكثر أهمية بالنسبة للكاتب، فهو ليس بشكل، ولكنه الشكل الذي يجسد دراميا رؤية الكاتب للحقيقة في المرحلة التي نحن بصددها، وهو ليس بمجرد إطار، ولكنه الإطار الذي يصالح بين أطراف الصراع العميق الذي تنطوي عليه هذه الرؤية. وقد صرح نجيب محفوظ أكثر من مرة بأن شخصية كمال في «الثلاثية» إنما هي التصوير الفني لشخصيته في الواقع؛ وأنا أعتقد أن الأعمال الفنية للكاتب يكمل بعضها البعض وتلقي الضوء على بعضها البعض، وإن كنت لا أميل عادة إلى تفسير أعمال الكاتب بالرجوع إلى تاريخ حياته، وإلى التطورات النفسية العميقة التي يمر بها خلال هذه الحياة.
وقد جسدت «أولاد حارتنا» رؤية كمال للحقيقة من حيث المحتوى أو المضمون، وإن لم توفق في تجسيد هذه الرؤية تجسيدا فنيا يتوفر له الشكل الذي يحتوي هذه الرؤية ويعكسها ويكشف ويعلق على طبيعتها. ولذلك فـ»أولاد حارتنا» تمنحنا بصورتها الخام المزيد من البصيرة بالتناقضات التي تنطوي عليها رؤية الكاتب للحقيقة ولست في مجال التعرض لرؤية الكاتب للحقيقة في اكتمالها في «أولاد حارتنا»، ولكني سأكتفي هنا بالإشارة إشارة عابرة إلى بعض التناقضات الرئيسية التي تنطوي عليها هذه الرؤية. فرفض الجبلاوي يقوم جنبا إلى جنب مع تشوق عميق إلى التوصل للجبلاوي. وأهل حارتنا لا يكفون يستنزلون اللعنات على الجبلاوي، ولا يكفون في ذات الوقت عن الاستغاثة به لنجدتهم، وهم يقتلون الجبلاوي في أنفسهم ويسعون إلى إحيائه، والندم يعتريهم لأنهم قتلوه وهم لا يكتفون بمقاضاته الحساب، بل يسعون بعد قتله أن يكونوه. والقتل وفقًا لهم هو الوجه الآخر من وجوه الخلق. والتناقضات الموجودة بصورة فرعية عند كمال في الثلاثية، تصبح الأساس الرئيسي الذي ينبني عليه الحدث الروائي في «أولاد حارتنا» وإن لم تلق الشكل الذي يمنحها التجسيم الدرامي كما قلت. والتناقضات هنا تحمل إلى مدى أوسع، ولكنها لا تبلغ آخر مداها المنطقي إلا في المرحلة التي تبدأ مع «اللص والكلاب» فمواجهة الاختلال في الكون يؤدي بالضرورة إلى التساؤل عن ماهية هذا الكون وعن ماهية القيم التي تتحكم فيه. وتنصيب الإنسان نفسه ندا للقوى التي تتحكم في الكون يؤدي بالضرورة إلى تضخم عالمه الذاتي، وبالتالي إلى اهتزاز الحقيقة الموضوعية ثم إلى التشكك أصلا في يقينية الحقيقة الموضوعية.. وهذا ما سنلقاه في المرحلة التي تبدأ مع «اللص والكلاب».
وسنلقى فيما نلقى في روايات هذه المرحلة أطراف الصراع العميق التي تنطوي عليها رؤية الكاتب للحقيقة. الصراع بين العلم والغيبيات، بين العقائد المكتسبة والموروثة، بين العنصر الاجتماعي والميتافيزيقي، بين الحقيقة الحتمية العلمية كعامل يتحكم في المجتمع، وبين القدرية كعامل يجسد الخلل في الكون والمجتمع، بين العقل والحدس، بين العلم والفن، بين المنهج العقلاني والمنهج الحدسي، بين تصور كل هذه العناصر كنقائض وبين تصورها كأشباه، بين تقبل كل هذه العناصر كحقائق موضوعية، وبين التشكك أصلا فيما تواضعنا على تسميته بالحقيقة الموضوعية، بين العالم الخارجي للإنسان وعالمه الداخلي، بين الواقع من ناحية، والحلم والوهم من ناحية أخرى، بين تقبل الحياة ورفضها، بين الإقبال والإحجام، بين الفكر والفعل، بين الإرادة وتنفيذ الإرادة، بين الرغبة في الانتماء والعزوف عن الانتماء، بين التشوق إلى إيجاد معنى للحياة، سواء أكان هذا المعنى ينبع من أساس اجتماعي أو ميتافيزيقي، وبين اليأس من إيجاد معنى للحياة، ينبع من التشكك أحيانا في ماهية الوجود ذاته وسنلقى في روايات هذه المرحلة أطراف الصراع هذه وقد التقت أخيرا بالأسلوب الذي يجسدها دراميا، وبالبناء الذي يجسدها دراميا، وبالشكل الذي يصالح بين النقائض التي تنطوي عليها. فالأسلوب الذي استحدثه نجيب محفوظ مع «اللص والكلاب» يحطم الفاصل بين الحقيقة الداخلية للشخصية وبين الحقيقة الخارجية لها، بين الوهم وبين الواقع، بين الحلم والحقيقة الموضوعية، بين حقيقة الشخصية وحقيقة غيرها من الشخصيات، في تفاوت يختلف من رواية إلى أخرى، وجانب منها يغلب الآخر أو يعادله، يصالح بين طرفي التناقض في رؤية الكاتب، لا في رؤية الشخصية الرئيسية، ويحسم الصراع الذي تنطوي عليه رؤية الكاتب، لا رؤية الشخصية، فصراع الشخصية لا يحسم أبدا في روايات هذه المرحلة إلا بالموت.
والبناء الروائي الذي استحدثه نجيب محفوظ في «اللص والكلاب» يتشكل في شكل رحلة من رواية إلى أخرى، ولكنه يقوم دائما على نفس الأسس، نفس الإطار الواسع الذي يعادل حقيقة الشخصية الرئيسية، بحقيقة أو حقائق تشابه حقيقة الشخصية أو تناقضها، مستخلصا أكثر من وجه لنفس الحقيقة، ومصالحا للتناقضات الأساسية التي تتحكم في رؤية الكاتب للحقيقة. ونحن نلتقي بالبناء الروائي الذي يستوعب ماهو أكثر من رؤية الشخصية للحقيقة، حدسية كانت أو علمية، أو مبنية على التمزق بين الحدس والعلم كما هو غالبا، ويستوعب ما هو أكثر من مسعى الشخصية اجتماعيا كان أم ميتافيزيقيا ناجحا كان أم فاشلا، وهو في أغلب الأمر فاشل، ويستوعب ما هو أكثر من اكتشافات الشخصية وهي تصطدم بالتغيرات الأساسية في المجتمع وبالاختلال الأساسي في المجتمع والكون. وهو يستوعب أكثر من كل هذا، حين يقيم ويعادل حقائق الشخصية بحقائق مناقضة لحقائق الشخصية، مصالحا بين النقائض، موحيا بأنها أشباه أحيانا، ومبرزا للأوجه المتعددة للحقيقة الواحدة.
وأنا أكتب هذا الكلام ورحلة نجيب محفوظ قد اكتملت في هذا الاتجاه أو كادت، وهو قد تخفف ما بين «اللص والكلاب» و»ميرامار» عن الكثير، والإطار الروائي الذي اتسع له طيلة هذه الرحلة قد بدأ يضيق. وهو يبحث الآن جادّا عن إطار جديد، تفرضه رؤية للأشياء قد تغيرت في مسار الرحلة وتجددت، ورؤية للأشياء عانت اهتزازا عنيفا مع أحداث يونيو سنة 1967.
مجلة «الهلال»، شباط (فبراير) 1970

الأبواب والسجون

لم يكن حدثاً مألوفاً أن يحتفل محرّك البحث العالمي الشهير، غوغل، بالذكرى الثانية والتسعين لميلاد الروائية والكاتبة والناشطة النسوية المصرية (1923 ـ 1996)؛ خاصة وأن سنة الاحتفال، 2015، لم تكن تصادف أي يوبيل معتاد، فضّي أو ذهبي، يقترن عادة باحتفاءات كهذه. وقد اختار غوغل رسماً يُظهر الزيات وهي تحمل ورقة كُتبت عليها مفردة «ليلى»، اسم البطلة في رواية «الباب المفتوح»، 1960؛ أشهر أعمال الكاتبة، والذي تحوّل إلى فيلم سينمائي شهير أخرجه بركات، وفيه تولّت فاتن حمامة تمثيل شخصية ليلى.
وبهذا فإنّ مبادرة غوغل كانت، كما بدا واضحاً،  تتوخى تكريم الروائية والعمل في آن معاً، أو تذكّر بأنّ الرواية كانت أيضاً بمثابة سيرة، أو سجلّ على نحو ما، لمختلف النضالات التحررية التي خاضتها المرأة المصرية، وكانت الزيات في غمارها رائدة وقائدة. ومنذ مرحلة الدراسة الإعدادية، ثمّ الثانوية والجامعية، شاركت الزيات في أنشطة الاحتجاج ضد الاحتلال البريطاني، وفساد الحياة السياسية؛ وأسهمت، من موقع يساري واضح، في التشكيلات النقابية الطلابية والنسوية؛ فكان طبيعياً، بالتالي أن تُسجن، مرّتين: 1949، بتهمة الانتماء إلى تنظيم شيوعي محظور؛ و1981، خلال حملات الاعتقال التي شنتها أجهزة أنور السادات ضدّ اليسار المصري.
وإلى جانب روايتها الشهيرة، «الباب المفتوح»، نشرت الزيات رواية ثانية، «صاحب البيت»؛ كما كتبت القصة القصيرة، فأصدرت مجموعتين: «الشيخوخة وقصص أخرى»، و»الرجل الذي عرف تهمته»؛ وأصدرت سيرة ذاتية بعنوان «حملة تفتيش: أوراق شخصية»، ومسرحية «بيع وشرا». في النقد الأدبي، الذي مارسته بنشاط، خاصة خلال إشرافها على الملحق الثقافي لمجلة «الطليعة»؛ نشرت الزيات الأعمال التالية: «نجيب محفوظ: الصورة والمثال»، و»من صور المرأة في الروايات والقصص العربية»، و»أضواء: مقالات نقدية»، و»فورد مادوكس فورد والحداثة».
«فهمت على مر السنين، فهمت أنها ببلوغها دخلت سجناً ذا حدود مرسومة، وعلى باب السجن وقف أبوها وأخوها وأمها، والحياة مؤلمة بالنسبة للسجان والسجينة، السجان الذي لا ينام الليل خشية أن ينطلق السجين، خشية أن يخرج على الحدود، والحدود محفورة حفرها الناس ووعوها وأقاموا من أنفسهم حراساً عليها»؛ هكذا تهجس ليلى، في «الباب المفتوح»، عند البرهة الأولى التي أعقبت اكتشافها للبلوغ، وإدراكها أن هذا السجن الأول، البيولوجي والاجتماعي، سيفتح الدروب إلى سجون أخرى كثيرة.

لطيفة الزيات

اشترك في قائمتنا البريدية