التوتر السعودي ـ الإيراني بين الحسابات المحلية والتحيزات الأمريكية

حجم الخط
0

عندما يقول الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد في مقابلة له مع مجلة «إيكونوميست» (9/1/2016) إن بلاده لم تقدم وجهة نظرها بشكل جيد للإدارة الأمريكية وأنها تتفهم ما تقوم بعمله أمريكا، في وقت دعا فيه الولايات المتحدة التصرف باعتبارها الدولة العظمى الأولى في العالم، عندها يمكننا فهم الطريقة التي تعاملت فيها الأقلام الغربية مع الأزمة الأخيرة بين المملكة العربية السعودية وإيران.
ففي يوم السبت 2 كانون الثاني/يناير 2016 أعلنت وزارة الداخلية السعودية عن تنفيذ سلسلة من الإعدامات في أماكن مختلفة من البلاد بحق 47 أدينوا بعمليات إرهابية وقتل الأبرياء واستهداف المؤسسات العامة. ومن بين هؤلاء منظرين للقاعدة وناشطين فيها صدرت عليهم أحكام منذ فترة. ولكن إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر هو الذي فجر الأزمة بين البلدين وأدى لسلسلة من التظاهرات التي قادت للهجوم على سفارة الرياض في طهران وقنصليتها في مشهد. وتدافعت الأحداث سريعا وأعلنت السعودية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الإسلامية واستدعت دبلوماسييها هناك وأمرت الطاقم الدبلوماسي الإيراني بمغادرة السعودية. وتبعت دول عربية أخرى الخطوة السعودية حيث قطع بعضها العلاقات فيما اكتفت أخرى باستدعاء السفير أو تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إيران. ولم تتوقف منذ يوم السبت التحليلات للأزمة التي تناولتها أقلام المعلقين وافتتاحيات الصحف بالنقد والتحليل والذي كان في معظمه شجبا للعمل «البربري» (كما في نيويورك تايمز وواشنطن بوست) ودعوة لواشنطن شجب العمل السعودي باعتباره يثير الحزازات الطائفية في المنطقة. ولم تجد السعودية من يدافع عن وجهة نظرها التي أكد عليها وزير الخارجية عادل الجبير عندما قال إن النمر لم يعدم بسبب انتمائه الطائفي ولكن لارتكابه جرائم. وهو ما بدا في كلام الأمير محمد بن سلمان عندما قال إن محاكمة النمر وغيره تمت بطريقة علنية واتخذت فيها إجراءات قانونية واضحة ونشرت نتائج التحقيق للرأي العام. واستغرب من الموقف الإيراني قائلا «ما العلاقة بينها وبين مواطن سعودي أدين بجريمة وقرار صدر عن محكمة سعودية، وما هي علاقة هذا بإيران؟ وإذا أثبتت شيئا فهي تظهر رغبة إيران بمد تأثيرها على دول المنطقة ضدنا». وأكد أن قطع العلاقات معها لم تكن سوى محاولة من بلاده للتخفيف من حدة التصعيد الذي بدأته الجمهورية الإسلامية. مؤكدا أن الأمور لن تسير نحو المواجهة التي لو حدثت ستكون كارثية على المنطقة. وهذه النظرة التي لن ترضي سوى الرأي العام السعودي لم تلق اهتماما من المعلقين الغربيين الذين اعتبروا حملة الإعدامات السعودية إشارة عن ضعف السعودية وتعبيرا عن مشاكل تعاني منها: عجز في الميزانية، وتراجع أسعار النفط وفشل في الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد وغياب الحسم الواضح في اليمن. فيما رأى آخرون أن السعودية حاولت ضرب وإفشال المساعي الأمريكية لوقف الطموحات النووية الإيرانية وتطبيق مبادئ الإتفاق الذي وقعته إيران مع مجموعة خمسة+ واحد في تموز/يوليو 2015 وقالوا إن الإعدامات تعكس قلق العائلة حول مسألة الخلافة رغم التغييرات التي أحدثها الملك سلمان قبل عام على شكل ولاية الحكم في البلاد وسلم الدفة للجيل الجديد. وهناك من رأى في الإعدامات رسالة موجهة للمعارضين في الداخل وتحذيرهم من أي محاولة للعبث بأمن البلاد. وهؤلاء من المحرضين من أبناء الطائفة الشيعية المرتبطبن بإيران والمتعاطفين مع القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية. وثارت في المحصلة أسئلة حول توقيت الإعدامات وسوء تقدير المؤسسة السعودية وقيادتها الشابة التي أرادت أن تظهر بمظهر القوي والحازم حسب تصريحات ويليام باتي، السفير البريطاني السابق في السعودية. ويمكن للقارئ للقرار والأزمة الناجمة عنه أن يرى أن كل هذه الأمور لعبت دورا مهما في القرار السعودي وإعدام النمر تحديدا، فالتحديات الخارجية والداخلية لعبت دورا مهما في التصرف السعودي. وكانت المملكة قد توقعت رد فعل إيراني صاخب وربما لم يكن يصل لحد قطع العلاقات. لكن القوى المتشددة في إيران والتي لم تكن راضية عن تحركات الرئيس حسن روحاني والنخبة الأنكلوفونية حوله والتقارب التام مع الغرب انتهزت الفرصة في محاولة منها لإفشال الإتفاق النووي (الغارديان- 3/1/2016). فهناك حديث يدور منذ الصيف الماضي حول تحركات للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي تهدف للحد من التقارب التام مع الولايات المتحدة.
تصرفات
ومن أجل موضعة ما جرى ورد الفعل علينا ان نأخذ بعين الإعتبار أن التنافس بين الدولتين ليس جديدا ومشكلة السعودية ليست مع الإتفاق النووي بقدر ما هي مع التصرفات الإيرانية. وكان هذا واضحا في تصريحات الجبير الذي طالب إيران بالتصرف كدولة طبيعية وليس كثورة. ومن هنا فالتوتر السعودي ـ الإيراني سيترك آثاره على كل الملفات التي تواجه المنطقة من اليمن إلى سوريا ومواجهة الجهاديين في الرقة والموصل إلى الإتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران.

موقف أوباما

وكل هذه ملفات تمس الولايات المتحدة وعلاقتها الملتبسة مع المنطقة العربية خاصة في ظل محاولات باراك أوباما التحول عنها إلى آسيا. وعليه فالإعدام لم يكن موجها فقط لإيران بل وللولايات المتحدة حسب باتريك كلاوسون من معهد واشنطن الذي كتب إن الإعدامات موجهة لأمريكا كما هي لإيران وهي دعوة لممارسة أمريكا الضغط على إيران وتدخلاتها الإقليمية. وقال «إذا استمرت الإدارة الأمريكية في الضغط على المملكة العربية السعودية بشأن مسألة إعدام النمر وغيرها من القضايا، بينما لا تقوم بالكثير بدورها لمواجهة الاستفزازات الإيرانية، لن يؤدي ذلك سوى إلى تعزيز مخاوف الرياض من أن الولايات المتحدة ترى في طهران حليفاً رئيسياً محتملاً لها في المنطقة» (4/1/2016). وفي السياق نفسه حذر سايمون هندرسون مدير برنامج الطاقة ودول الخليج في المعهد ذاته بأن الإعدامات ستقوض الجهود الأمريكية ضد تنظيم الدولة وإفشال التقارب مع إيران ودعا قائلا «يجب على واشنطن أن تتحرك بسرعة لنزع فتيل التوتر في منطقة الخليج. إن ردع الشغب الإيراني بصورة أكثر علنية وبقوة أكبر يجب أن يطمئن السعودية حول ما تقدمه واشنطن ضد تنظيم الدولة الإسلامية والتحدي الذي تمثله إيران – حتى لو لم يتم خلط هذا الدعم في بعض الأحيان مع الانتقادات»(4/1/2016). وفي الوقت نفسه قلل معلقون من إمكانية نجاح السعودية التشويش على الإتفاق النووي لأن الإدارة الأمريكية حزمت أمرها وقررت المضي في مشروعها. وهو ما ورد في تحليل كتبه دان دي لوتش في «فورين بوليسي» (5/1/2016) واعتبر الإعدام «المحاولة السعودية الأخيرة للقضاء على الإتفاق النووي» وأكد أنها فاشلة لا محالة «لأن إدارة أوباما تتعامل مع الإتفاق النووي باعتباره مهما للمصالح الأمريكية وإرث أوباما أهم من الإبقاء على التحالف الطويل مع السعودية». وهذا ما يفسر الموقف الأمريكي المتردد من الأزمة، فرغم دعوة الإدارة الطرفين للتخفيف من حدة التصعيد واتصالات وزير الخارجية جون كيري مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف إلا أن الكثير من المعلقين رأوا في الموقف الأمريكي ميلا نحو إيران ضد السعودية، وهذا واضح في تحليل أعده كل من جوش روغين وإيلي بليك في موقع بلومبيرغ (4/1/2016) وحللا فيه التصريحات الصادرة عن البيت الأبيض ووزارة الخارجية ونقلا فيه عن مسؤولين قولهم إن إيران تتمتع بنفوذ مهم داخل الإدارة وقال آرون ديفيد ميللر من مركز وودرو ويلسون للباحثين إن «الإيرانيين يحملون إرث أوباما بأيديهم». ولكن الإرث ليس مرتبطا بالضرورة بالإتفاق وحده بل وبالفراغ الذي تركته إدارة أوباما في العراق وسوريا حيث سمحت لإيران والسعودية تأكيد حزمهما وحسمهما فيهما.

فراغ أمريكي

وفي هذا السياق أبرزت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» (5/1/2016) ونقلت عن جيمس فيليبس من «هيرتيج فاونديشين» (مؤسسة التراث) في واشنطن قوله إن النزاع السعودي ـ الإيراني يجري في ظل تراجع أمريكي عن المنطقة وهو ما يراه المحلل الآخر هندرسون تطورا خطيرا في علاقة المتنافسين الإقليميين بشكل يهدد مصالح أمريكا. ويرى هندرسون أن التوتر هو نتيجة لقرار واشنطن الإنسحاب من المنطقة. ويرى ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست» إن الإعدامات هي تعبير عن شعور بعدم الأمان من السعودية التي تواجه تطرفين اثنين على حدودها: شيعي وسني ومخاوف داخلية حول طبيعة الإصلاحات التي يتحدث عنها الأمير محمد بن سلمان وهي جيدة في حد ذاتها لكنها قد تجد معارضة من الأمراء الكبار. وهو إن نقل عن بعض المراقبين قولهم إن إعدام النمر كان خطأ رغم رؤية بعض المراقبين إنه كان غطاء لإعدام البقية السنة. وبالسياق نفسه يرى أن الهجوم على سفارة السعودية كان مدفوعا من الحكومة. لكنه يرى أن حالة عدم الأمان هي التي دفعت السعوديين لمغامرات ضد إيران في اليمن وكانت وراء تحركاتها منذ 40 عاما. و»السعوديون بحاجة لتطمين واشنطن لهم أن واشنطن وراءهم وهم بحاجة لبناء مجتمع واثق من نفسه لمواجهة التطرف في الداخل والخارج».

التصرف الإيراني

ولاحظ نوح فيلدمان كيف وقفت الولايات المتحدة مع إيران بل وذهب نائب مدير «سي آي إيه» السابق مايكل موريل بعيدا في ثنائه على الطريقة التي تعاملت فيها طهران مع الهجوم على السفارة السعودية. وكتب فيلدمان في «بلومبيرغ» (4/1/2016) أن إيران لعبت لعبة ذكية عندما شجبت الإعدام وأثارت مشاعر الرأي العام ومن ثم سمحت للمتظاهرين بالهجوم على السفارة السعودية وبعد ذلك أوقفت التظاهرات واعتقلت عددا من المتظاهرين وأصدرت بيانا أبعدت نفسها عن المسؤولية. ويرى فيلدمان أن موقف الولايات المتحدة يعكس تقاربا في المصالح بين واشنطن وطهران في عدد من الملفات مثل العراق ومحاربة تنظيم الدولة. وبالمستوى نفسه هناك تقارب في المصالح والمواقف بين أمريكا والسعودية فيما يتعلق بالموقف من بشار الأسد والتقليل من قوة حزب الله في إيران وتحقيق الإستقرار في مصر. ومع ذلك يظل تلاقي المصالح أقل أهمية من التحالف القديم القائم على الصداقة والذي تغير الآن وهو ما أثار عصبية السعوديين حسب الكاتب.

ضغط شعبي

وعلينا هنا أن لا نفرط في التحليل ونتجاوز البعد المحلي في الإعدامات. فالقيادة السعودية الجديدة حسب «إيكونوميست» (9/1/2016) ترى أن وضع إيران في مكانها يقتضي حزما في الداخل والخارج. ولهذا السبب رصدت صحيفة «نيويورك تايمز» (6/1/2016) دعما سعوديا شعبيا للإعدامات التي رأوا فيها «تطبيق العدالة في حق شخص كان ينظر إليه كخائن خطير في بلد يحس فيها الجميع أن إيران تحاصرهم». بل وذهب بعض السعوديين إلى أبعد من هذا عندما اقترحوا أن إعدام النمر سحب البساط من تحت تنظيم الدولة وأكد دور السعودية في الدفاع عن السنة ضد التحدي الشيعي. ونقل عن عبدالعزيز القاسم، المعارض السابق قوله إن الناس كانوا ينتظرون تلك الإعدامات و»أيدها معظم السنة والشيعة. لأن النمر كان ينظر إليه المتحدث باسم النظام الإيراني مثل حسن نصر الله..كان رجلا يحاول الاستيلاء على الدولة هنا». ورغم النظرة التعميمية هذه إلا أن عددا من المعلقين أشاروا للضغوط التي كانت ستقع على الحكومة السعودية لو لم تعدم النمر في الوقت الذي أعدمت فيه 43 سنيا متهمين بالإرهاب. وتكشف الشهادات عن دعم واسع للعملية داخل السعودية وهو ما دفع البروفيسور برنارد هيكل أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة برنستون للقول «إنها ضربة معلم على المستوى المحلي ما لم تخرج عن إطار السيطرة مع الإيرانيين». ونقل إيان بلاك في صحيفة «الغارديان» (4/1/2016) أن الملك سلمان وقع على قرار الإعدامات استجابة للضغوط الشعبية والتصرف بحزم. ونقل عن جون جنكنز السفير البريطاني السابق في الرياض قوله إن الرسالة من الإعدامات كانت «نحن السعوديون لن يؤثر علينا أحد ونرفض التدخلات الإيرانية. وسنقف في وجه من نعتقد أنه عميل لإيران في داخل بلدنا وكل من يدعو لتفكيك المملكة». وهو ما يؤكد واقعا جديدا في حرب الإرادات بين المتنافسين الإقليميين. وعلى العموم فالمشكلة بين إيران والسعودية أبعد من تفسيرها كنزاع طائفي بدون فصلها عما يجري في المنطقة من أزمات هي في معظمها نتاج للقرارات الأمريكية اليوم وأمس.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية