بات من الواضح تماما أن الأزمة التي اندلعت بين إيران والمملكة العربية السعودية على خلفية إعدام الشيخ نمر باقر النمر، ليست لها صلة مباشرة بإعدام النمر ولا بحقوق الإنسان في السعودية، ولا حتى بالصراع الطائفي المتصاعد أو المراد له أن يتصاعد في المنطقة بين الشيعة والسنة، فهذه الأزمة هي واحدة من سلسلة أزمات تأتي إنعكاساً، أو إمتداداً لصراع النفوذ المزمن بين البلدين، مهما كانت تسمياته ومبرراته الظاهرة.
وحتى مع وجود فقرة في دستور الجمهورية الإسلامية تبيح فيها إيران لنفسها تقديم الدعم لـ»المستضعفين» وما يسمى حركات التحرر في العالم، بما جعلها تنشئ منذ بداية سقوط نظام الشاه العام 1979 فيلق القدس التابع للحرس الثوري، فان الحرب التي خرجت من إطار كونها حربا باردة بين طهران والرياض، هي مجرد صراع نفوذ لفرض رؤية محددة للصراعات الجارية في المنطقة خصوصاً الأزمة السورية.
فالشيخ النمر لم يكن على وفاق تام مع مدرسة ولاية الفقيه بالقراءة الإيرانية الرسمية، رغم أنه استخدم في خطابه «ولاية الفقيه» في إطار التحدي السياسي المعارض، ولكن إيران الرسمية سعت إلى رفع «قميصه» لتواجه دفاع السعودية عن «السنَّة» في سوريا والعراق ولبنان واليمن.
ولابد لفهم ما يجري من تصرفات إيرانية أن نشير إلى أن إيران فيها معتدلون ومتشددون وبينهما غلاة وإصلاحيون وليبراليون إسلاميون وعلمانيون وصامتون، كلهم ندد بإعدام الشيخ النمر لغاية في نفسه، إلا أن المتشديين ومنهم الغلاة أرادوا كعادتهم والبلاد تقف على حافة الانتخابات التشريعية وانتخابات مجلس الخبراء، استغلال إعدام النمر لتحقيق مآربهم في معارضة الاتفاق النووي، وسياسة الرئيس حسن روحاني في الاعتدال والانفتاح على العالم الخارجي، وإزالة التوتر في علاقة إيران الإقليمية والدولية.
وليس كما يظن البعض أن في إيران لعبة تبادل أدوار، يتقاسم فيها اللعب المتشددون والمعتدلون وخلفهم التيار الاصلاحي المقموع، كما برز ظاهريا في واقعة الاعتداء على البعثتين السعوديتين: السفارة في طهران والقنصلية في مشهد، بل هو صراع حقيقي تطيح فيه رؤوس، ويُعدم فيه شبان، ويساء فيه إلى رئيس سابق مثل محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني، ويعتقل فيه أقطاب نافذون في عهد الإمام الخميني الراحل أبرزهم ميرحسين موسوي (وزوجته زهراء رهنورد) ومهدي كروبي. إنه صراع بين من يعتقد انه وريث خط الإمام الخميني الراحل ونهجه، ومن ينظر إليه كمتسلق على جدار الثورة والنظام.
وتنعكس مفردات هذا الصراع على جميع مفاصل الدولة وتعاطيها في الداخل والخارج، ولعل العلاقات مع الغرب خصوصا الولايات المتحدة، ومع العرب والخليج تحديدا والسعودية بشكل أخص، هي من أبرز مفردات هذا الصراع.
صحيح أن الرئيس المعتدل حسن روحاني استطاع تحييد أبرز مفاصل المتشددين الرافضين للاتفاق النووي وتحديداً الحرس الثوري، ونجح في كسب تأييد الولي الفقيه آية الله سيد علي خامنئي، لكنه أخفق ولا يزال في تخطي العصي التي يضعها بطريقة احترافية دقيقة خصومه (وهم كثر) في عجلة حكومته لاحراجها دوليا ولافشال برامجها داخلياً.. وكأنك يابوزيد ماغزيت!.
ويرى محللون إيرانيون في حادث الاعتداء على السفارة السعودية وقنصليتها في مشهد، انه من الواضح منذ الوهلة الأولى أن من فعل ذلك لم يكن يستهدف السعودية أو يحتج على إعدام الشيخ المعارض نمر باقر النمر، بل كان يحتج على الإتفاق النووي. حيث تم التخطيط لذلك بإحكام لكي يدمر كل المساعي الدبلوماسية التي جاهدت حكومة حسن روحاني المعتدلة والنجاحات التي حققتها بعد عامين ونصف من المباحثات مع المجتمع الدولي حول برنامجها النووي. ويرى معظم المحللين الإيرانيين أنه لم يكن لأي مخلوق أن يخطط أفضل من هذا.
بل ويذهب البعض في إيران إلى القول إن «الاعتداء الدبلوماسي» يشير إلى أن من خطط له كان مصرا أن يرسل رسالة للمجتمع الدولي وللعالم مفادها أن «لا تنخدعوا من الإبتسامات التي ترونها على وجه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ووقار زملائه عباس عراقجي ومجيد تختروانجي ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي؛ لم يتغير شيء بعد والقدرات التي نحتاجها لا تزال في أيدينا».
ويقول محللون إن هؤلاء كأنهم مصرون على أن يؤكدوا ما سعى أعداء إيران الإسلامية في إظهار هذا البلد ونظامه بصورة مغلوطة. والمثير في هذا الموضوع، أن المقربين من حكومة روحاني يقولون إنهم سعوا وبشكل دائم لكي يقنعوا العالم بأن لا يصدق الدعايات المغرضة التي تسعى لخلق أجواء من التخويف من إيران و»الإيرانوفوبيا» ونقول للعالم تعالوا وانظروا للحقائق كما هي وليس من وسائل الإعلام الغربية والصهيونية.
إلا أنه بعد «الاعتداء الدبلوماسي» بات الأمر صعبا جدا ـ كما يقولون ـ على المرء أن يصدقه بعد ما شاهد مدى دقة المخطط الذي استهدف السفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد وتقديم هدية ثمينة للخصوم بهذه الفعلة المشينة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: «هل كان كل ما حدث ردة فعل طبيعية على إعدام المعارض السعودي الشيخ نمر النمر أم أنه كان يسعى لتقويض جهود الدبلوماسية الإيرانية خلال العامين والنصف لوزير الخارجية ظريف وزملائه الذين نجحوا في التوصل للإتفاق النووي مع مجموعة خمسة زائد واحد؟
من الواضح مدى الضرر الذي لحق مصالح إيران القومية بُعيد الهجوم الذي تعرضت له السفارة والقنصلية السعودية في إيران بشكل باتت تراود المرء وساوس وتساؤلات حول ما إذا كان السعوديون أنفسهم هم من خططوا لهذا كله من أجل الإضرار بمكانة إيران وصورتها في العالم وما توصلت له المباحثات النووية مع المجتمع الدولي.
ويقول مقرب من روحاني «بتنا نتساءل هل السعوديون يصرون على تخويف العالم من إيران، وهل هم من خطط بالفعل لكي يظهروا للعالم وجها آخر لروحاني، ويقولون الم تروا أن نتنياهو والجمهوريين المحافظين في أمريكا واللوبي السعودي كانوا يقولون الحقيقة وانتم لم تصدقوهم؟ وأن أوباما وجون كيري خدعوا بإبتسامات روحاني؟»!.
ويتساءل «إن لم يكن كذلك فكيف لمن يحمل مشاعر ثورية أن لا يدرك بأن القيام بإحراق البعثة الدبلوماسية السعودية قلب الطاولة على الإيرانيين وبدل أن تدان السعودية إتجهت أصابع الإتهام كلها نحو إيران؟»!.
ويستمر المقرب من روحاني يطرح الأسئلة الصعبة على المتشددين وغلاة المحافظين: «كيف لا يدرك هؤلاء بأن ما قاموا به نشر على وكالات الأنباء والقنوات الإخبارية العالمية وغطى على قضية إعدام الشيخ النمر؟».
ويشير إلى أن خبر إحراق البعثات الدبلوماسية السعودية تصدر وإكتسح عناوين جميع وكالات الأنباء العالمية، ويؤكد المقرب من الرئيس حسن روحاني من جهته أنه لا يمكن تبرير هذا الهجوم بأي شكل من الأشكال لأن من خطط له لم يتوقع الثمن الذي ستدفعه إيران في هذه القضية، فالسعودية التي رأت في الموضوع فرصة ذهبية لتبرير قطع علاقاتها الدبلوماسية والتجارية بشكل كامل مع إيران. وتلتها دول أخرى مثل البحرين والسودان وجيبوتي ودول أخرى سحبت سفراءها من البلاد وخفضت مستوى تمثيلها الدبلوماسي.
كما أن بعض الدول الإسلامية وإن لم يكن أغلبها إستنكر ما تعرضت لها البعثات الدبلوماسية في إيران. واللافت أن بعض الدول التي كانت تعتبر حتى وقت قريب حليفة إيران مثل الصين وروسيا أدانت إحراق السفارة السعودية.
قد لا يبدو من الوهلة الأولى بأن من خطط لكذا هجمات على البعثات الدبلوماسية قد فكر يوما ما بتبعات هكذا تصرفات فها هم من يرددون مقولة «الأولوية للمصالح القومية» لكنهم سبق وقاموا بنفس التصرف من قبل فقبل خمس سنوات اقتحموا السفارة البريطانية في طهران.
وظهر جليا بعد إقتحام السفارة البريطانية أن إيران خسرت الكثير وتضررت مصالح الكثير من الإيرانيين في الداخل والخارج بسبب ما حدث.
وتكرر مع سفارة أخرى، مع أنه لم يكن له أي فائدة تذكر فحسب، بل كانت نتيجته الإضرار بالمصالح القومية الإيرانية وسكت الكثير من المسؤولين أمام هذا التصرف الأرعن وغير الأخلاقي، بحيث باتوا يشعرون بالعجز في إبداء رأيهم وأصبحوا في حيرة من أمرهم، ولم يبرروا ولم يستنكروا ما حدث، وهذا ما جعل من خطط ومن هاجم السفارة يتشجع ويثبت على مواقفه.
وإذ لم يتمكن النظام من حسم هذا الأمر مستقبلا ومنع القوى الخفية التي تقود هذه العمليات في الداخل، فهذا يعني بأنهم سيسمحون بتكرار المزيد من هذه الهجمات في المستقبل، وهي هجمات تضر بالمصالح الإيرانية أولاً ولا تلحق أذى يذكر بالسعودية.
وكان لافتا تصريح هو الأول من نوعه لولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وقوله إن اندلاع حرب بين السعودية وإيران سيكون بداية لكارثة كبيرة في المنطقة «ولن نسمح بحدوث شيء كهذا» بانتظار ما يمكن أن تثمر عليه هذه الجولة من الصدام الدبلوماسي بين طهران والرياض على «التسوية السياسية» المقترحة للأزمة في سوريا، وبالتالي على أزمات البحرين واليمن والعراق… ولبنان.
نجاح محمد علي