اشكاليات الاصلاح والتغيير والمقاومة

حجم الخط
0

ما لم يصل النضال الشعبي من اجل اقامة انظمة ديمقراطية عصرية في البلدان العربية الى اهدافه، فسيتواصل الجدال حول جدوى المشروع التغييري اذا كان سيؤدي الى المزيد من التشوش الذهني والتداعي الايديولوجي.
لا شك ان الهدف الاساسي من الحراك الثوري الذي شهدته المنطقة العربية كان تحقيق الحريات العامة للشعوب واسقاط انظمة الاستبداد، واقامة حكم ديمقراطي يحترم حقوق الانسان ويعترف بحق الشعوب في تقرير مصائرها هذا الهدف يوازيه هدف آخر ينطلق من الشعور بالمسؤولية، وهو الدفاع عن الاوطان وتحرير الاراضي من المحتلين، وينهي ظاهرة التبعية للغرب.
وطوال الخمسين عاما الماضية كان هناك شعور بان الديمقراطية خيار لا تسمح الدول الغربية للشعوب العربية بالوصول اليه، لعلمها بامور عديدة: اولها ان الشعوب الحرة لا تقبل بالاستعمار او الاستعباد او التبعية، بل تتخذ قرارها حسب ما تقتضيه مصالحها الوطنية. ثانيها: ان الحرية تصنع الرجال الاحرار الذين يتوفرون على قيم الشجاعة والشهامة وينتفضون من اجل الحق ويدافعون عن بعضهم ويكافحون من اجل تحرير الاوطان، وهو امر لا ينسجم مع اهداف تلك الدول، ثالثها: ان المصالح الغربية في المنطقة تبلورت بشكل اوضح بعد اكتشاف النفط قبل سبعة عقود، واصبحت الدول الغربية اكثر نهما، وهندست سياساتها تجاه المنطقة على اسس عديدة من بينها ضمان الحصول على النفط بكميات واسعار مناسبة.
هذه السياسات لا يمكن تحقيقها في ظل انظمة حرة مستقلة تتخذ قراراتها بحرية، بعيداعن املاءات الغرب وشروطه. ولوحظ خلال ما يقرب من عقود سبعة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ان دول العالم العربي اصبحت محكومة بانظمة ارتبطت مصائرها بالدعم الغربي لها، فاصبحت اكثر استعدادا لتقديم ما يريده الغربيون من سياسات اقتصادية او سياسية. وحتى عندما قررت بريطانيا في 1971 الانسحاب من كل المناطق الواقعة شرقي السويس رفض عدد من حكام الخليج ذلك الانسحاب، وعرض بعضهم دفع تكاليف بقاء القوات البريطانية التي كانت يومها تقدر باكثر من اثني عشر مليون جنيه سنويا. وفي الاسبوع الماضي صرح ملك البحرين علنا في لندن قائلا للبريطانيين: من قال لكم انسحبوا؟ ولقد كتب الباحثون والمفكرون العرب والمسلمون حول اشكالية الحرية والاستعمار، واعتبر المفكر الجزائري مالك بن نبي ان هناك نزعة لدى الشعوب الاسلامية للاستكانة للاجنبي اسماها ‘القابلية للاستعمار’.
فأيهما المطلوب تحقيقه قبل الآخر، وما امكان ذلك: الديمقراطية التي تتيح للشعوب الاسلامية النهوض والاستقلال وتحرير الاراضي؟ ام التحرر من الاحتلال وانهاء التبعية والاستعمار؟ قد يكون الجدال حول هاتين المسألتين عبثا لا يجدي شيئا، ولكنه يطرح بشكل جاد عندما تضيق الامور على المناضلين على اي من الجبهتين: الديمقراطية والتحريرية. فبعد حرب 1967 طرح الدكتور جورج حبش مقولته الشهيرة ‘ان تحرير فلسطين يبدأ من عمان وبقية العواصم العربية’، وذلك بعد ان رأى ان تلك الانظمة تعوق عمل المقاومة ضد ‘اسرائيل’ وتمنعها من الانطلاق من اراضيها. وطوال العقود الاربعة الماضية كانت الانظمة العربية تطرح القضية الفلسطينية لتبرير عدم انفتاحها على شعوبها ومصادرتها الحريات العامة واستبدادها. وذهبت حكومة مصر السادات لتبرير التداعي الاقتصادي وغياب التنمية والتطور بانها ناجمة عن حالة الحب مع الكيان الاسرائيلي، ووعد السادات شعبه بالنماء والانتعاش الاقتصادي بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. أيا كان الامر فكثيرا ما يطرح الصراع مع العدو مبررا للقمع السلطوي. ويمكن القول بقدر من الصدقية ان مقاومة العدو الاسرائيلي ورفض التطبيع معه انما تنطلق من قوى المعارضة ومن الشعوب. ولذلك يخشى الغربيون ان يؤدي قيام انظمة ديمقراطية في الدول العربية الى تعمق حالة المقاومة للاحتلال الاسرائيلي، ولذلك حدث التحالف غير المقدس بين انظمة الغرب والحكومات العربية والكيان الاسرائيلي، ضد حدوث تغيير جوهري في النظام السياسي العربي لكي لا تتعمق ظاهرة الرفض الشعبي للكيان الاسرائيلي وتزداد قوة. وطوال الفترة الماضية كانت حساسية قوى المعارضة العربية تجاه الغرب عميقة جدا، وكانت الولايات المتحدة الامريكية تمثل لدى المعارضات خصوصا الاسلامية منها، رمز الامبريالية والاستعمار والتعدي على حقوق الآخرين. وبرغم محاولات الانظمة العربية احداث فجوة كبيرة بين ايران والرأي العام العربي، فقد تطابق الموقفان (الرسمي الايراني، والشعبي العربي) ازاء ‘الشيطان الاكبر’. فتوحد الموقف العربي ضد استدعاء القوات الاجنبية لشن حرب ضد القوات العراقية التي اجتاحت الكويت في 1990. وفي ذروة الرفض العربي بدا ان الامبراطورية الاعلامية السعودية التي تأسست في 1975 وانفقت الملايين عليها، قد فشلت في اداء مهمتها تماما. فمن شرق العالم العربي الى غربه ومن شماله الى جنوبه، كان الرأي العام ضد الاستعانة بالقوات الاجنبية، وخرجت المظاهرات في الشمال الافريقي وفي عواصم اخرى للمطالبة بعدم التدخل العسكري الاجنبي ضد العراق، ولم تستفد السعودية من اعلامها آنذاك شيئا. فكأن امة العرب والمسلمين كانت لديها مناعة شديدة ضد التحالف مع الغرب او التطبيع مع الاحتلال. وتعمقت تلك القناعة بعد ما حدث في الجزائر في 1992. فقد الغى العسكر نتائج الانتخابات البرلمانية التي فازت بها جبهة الانقاذ، ودخلت البلاد في إثر ذلك في نفق مظلم ادى لقتل اكثر من 150 الفا على مدى العقد اللاحق. الرأي العام العربي قادر على استيعاب حقيقة الموقف الغربي الذي لم يحرك ساكنا ضد الغاء التجربة الديمقراطية في الجزائر، ويعرف تماما ان الانظمة القمعية انما تستمد قوتها من الدعم الغربي على كافة الصعدان. كما تدرك ان ما ينتاب المناضلين في سبيل الحرية من الانظمة يحظى بدعم علني او ضمني من القوى الغربية المتحالفة مع انظمة القمع والمعادية لقوى التغيير والحرية.
هذا الوعي الجماهيري العربي يمر اليوم بمخاطر كبيرة، اهمها السعي الحثيث للتطبيع مع القوى التي استهدفته منذ عقود وتحالفت مع المستبدين والطغاة بهدف القضاء عليه والغائه من المعادلة السياسية. ويوما بعد آخر تتضح ملامح هذا التغير في القيم والمباديء والمعايير. فاذا بالاصوات التي نددت قبل 22 عاما وقبل عشرة اعوام بالتدخل العسكري الامريكي ضد العراق تستجدي الولايات المتحدة للتدخل في هذا البلد او ذاك دفاعا عن ‘الحرية والديمقراطية.’ واذا بانظمة استبدادية عريقة ترفع راية التغيير الديمقراطي وتتصدى ضد انظمة حكم اخرى لا تتجاوزها في الظلم والاستبداد والسلطة المطلقة. انه مشهد مقلوب يعكس مدى ما وصلت اليه الامة من ‘استعمار’ من الجهات نفسها التي طالما اعتبرتها عدوا لدودا للحرية والانسانية والديمقراطية وحقوق الانسان. فما الذي جرى؟ وما الذي حول الحاكم الغربي الذي استخدم أشد الاسلحة فتكا في حروبه ضد المسلمين في افغانستان والعراق واليمن والصومال، الى صديق يستجدى عطفه ويطلب منه التدخل عسكريا في بلدان العرب والمسلمين؟ متى وقف الغربيون مع مطالب الشعوب باقامة انظمة ديمقراطية بديلة لحكام الاستبداد والجور؟ قد يكون غريبا ان يطالب من رفع قبضته ضد التدخل الامريكي في العراق وافغانستان من واشنطن التدخل، ولكن الاغرب ان يأتي استجداء هذا التدخل من علماء دين كبار او مفكرين واعلاميين حسبوا انفسهم يوما على المعسكر المعادي للامبريالية والاستعمار والاحتلال.
وربما الامر الاغرب ان تطرح مقولات تطالب بالتخلي عن تحرير الاراضي المحتلة او تأجيلها حتى يتم تغيير الانظمة الاستبدادية الفاسدة الجاثمة على صدور الجماهير المقهورة وفق مقولة جورج حبش التي تخلى عنها لاحقا وواصل النضال من اجل تحرير شعبه من الاحتلال. هذا الاحتلال واحد من اهم اسباب بقاء الاستبداد، فما دام موجودا فستكون معايير امريكا ازاء اي من الانظمة مدى استعداده للاعتراف بالكيان الاسرائيلي والتطبيع معه. ان مسألة ‘التغيير’ مرتبطة بـ ‘التحرير’ بشكل عضوي، فالخياران يسيران جنبا الى جنب، ويصعب تقديم اي منهما على الآخر او تأخيره. فمتى ما توفرت فرصة التغيير في اي من البلدان، بدون استجداء ذلك التغيير من الغربيين، فمن غير الممكن تأجيلها، وعندما يتطلب الامر موقفا ضد الاحتلال فلا يمكن تأخير ذلك بذريعة انتظار التغيير اولا.
صحيح ان الاستبداد من اهم معوقات التحرير ولكنه مرتبط جوهريا ببقاء الاحتلال. ومن الخطأ الاستراتيجي تهميش مشروع التحرير او التخلي عنه بدعوى ضرورة التفرغ لمشروع التحرير. وهناك امثلة على هذا التداخل من جهة وعلى عمق قضية فلسطين في الضمير العربي ـ الاسلامي من جهة اخرى. فعندما اعتدت قوات الاحتلال الاسرائيلية على مصنع عسكري سوري قبل بضعة اعوام، اعلن الاخوان المسلمون في سورية في بيان رسمي تجميد انشطتهم المعارضة حتى تنتهي المعركة بين النظام الذي يعملون لتغييره والكيان الاسرائيلي. فالاولويات تفرض نفسها من خلال وعي الجماهير، ولا يمكن مطالبة شعب ما بالتخلي عن حقه الشرعي في اصلاح اوضاعه او تحرير ارضه اذا كان تحت الاحتلال. يضاف الى ذلك ان الاحتلال الاجنبي يختلف عن الاستبداد، ولذلك فقواعده مختلفة عن تلك التي يتطلبها الاصلاح السياسي. كما ان الاصلاح السياسي يختلف من بلد لآخر. ويمكن القول بان اغلب الانظمة الاستبدادية تستعصي على الاصلاح وتستدعي التغيير. كما يمكن القول ان الانظمة التوارثية أقلها استعدادا لتطوير سياساتها بما ينتاب مع مبادىء المشاركة والتعددية والتداول على السلطة. فهي تعتقد ان الحكم حق إلهي لها لا يحق لاحد مشاركتها فيه. والمناضلون هم الذين يسعون لاصلاح شأن بلدانهم واقامة انظمة سياسية منفتحة بمشاركة شعوبها، وفي الوقت نفسه يشاطرون الامة همومها ونضالها لتحرير الاوطان، خصوصا فلسطين.
ان ما تمر به امة العرب والمسلمين هذه الايام يمكن اعتباره ‘ردة سياسية وايديولوجية’. فقد غابت النخب المثقفة عن المسرحين الفكري والسياسي، وتخلت عن دورها في التوجيه، بل ربما قام بعضها بالتقعيد الفكري للانسحاب من ساحة الصراع مع العدو الاسرائيلي الذي يحتل ارض فلسطين بدعوى التصدي لانظمة القمع.
وتخلت هذه النخب عن دورها في تشكيل رأي عام نضالي، استقلالي تقدمي، يضع قضايا الحرية والتحرير في اولوياته، ويقف بوجه محاولات التمزيق وفق خطوط المذهب والطائفة والعرق. الامر الذي يعمق الشعور بالاحباط، بعد هذا العمر النضالي المديد من قبل شرفاء الامة ان ينجح المتطرفون في تشكيل رأي عام يسخف نضالات اجيال متعاقبة هدفت لتحرير الامة من الاستبداد والاحتلال. ومما يبعث على الغيظ كذلك ان تختلط الاولويات وتتراجع المبادىء والقيم، ويعلو صوت المنفعة على كل صوت، ويتنكر البعض للمشروع التحرري النهضوي الوحدوي الذي تربت اجيال وفق مقتضياته. ان ‘الديمقراطية’ التي تشترى بالتخلي عن مكافحة الاحتلال، و’الحرية’ التي لا تتحقق الا بمسايرة المشروع الانكلو – امريكي الساعي لتكريس الوجود الصهيوني في ارض المعراج، كل ذلك انما هو ردة خطيرة عن ثوابت العمل الاسلامي والسياسي، في ساعة غفلة وحاجة وتعتيم. فالتغيير المطلوب يتجاوز مقولات اصلاح الانظمة التي تأسست على الفساد عقودا، ويرتبط بشكل أوثق بمشروع التحرير من الاحتلال اولا ومن الاستبداد وانماط الحكم غير الديمقراطي ثانيا. كما ان من أكبر ما تصاب به الامة انتشار حالة استمراء الاستعمار والاحتلال والقدرة على التعايش مع هذه الظواهر بعيدا عن القيم والاسس والثوابت. فمن الصعب تصور مناضل مخضرم يصافح بكفيه المسؤولين عن الاحتلال والتخلف والرجعية، ويقلل من خطر الاحتلال نفسه والتغريب والامركة. ان الاساس ان يكون التغيير الديمقراطي مدخلا لعصر جديد من التحرر والاستقلال وتفعيل ارادة الشعوب. فاذا تحول الربيع العربي الى ربيع امريكي في المنطقة فستكون دماء شهداء الثورات العربية قد بيعت باثمان بخسة، وسيكون الباب مفتوحا على مصراعيه للتطبيع مع المحتلين والتغريب السياسي والفكري، وتمييع المبادىء والمواقف والتخلي عن الثوابت، وما أسوأه من مصير.

‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية