الفنانون العرب في حيرة من أمرهم. تتوزع حيرتهم بين ضحك وبكاء. يبلغ تجهمهم الغاضب حد السخرية مما انتهت إليه أحوالهم وأحوال الفن. هناك فوضى عارمة في سوق الفن العربي (العروض واللقاءات الفنية أيضا).
فوضى ترعاها المزادات العالمية من جهة ومن جهة أخرى تتبناها أسواق الفن الموسمية التي يديرها (خبراء) أجانب من نوع (آرت دبي) و(آرت أبو ظبي) و(آرت بيروت). لسان حال الفنانين يقول ‘إن هناك ما يُخطط في الخفاء ليتجلى علنا من خلال ترويج تلك المؤسسات للفن الضعيف والردئ والساذج والقبيح’ او ما صار الفنانون يطلقون عليه بكل وضوح تسمية (اللافن)، كونه يفتقر إلى الحد الأدنى من المهارة والخيال، وهما شرطا كل فن. هناك نوع من الاستخفاف بعقول وحواس وذائقة الناس الجمالية هو ما ينعكس من خلال الابتزاز الذي يمارسه (قيمو) تلك النشاطات من أجل فرض نوع من النتاج الفني، هو النوع الذي لا علاقة له بالفن، على الأقل بما ينتجه الفنانون العرب في العصر الراهن (وفي العالم أيضا. لمَ لا؟). في المقابل فان محاولة تغييب الفنان العربي الحقيقي عن المشهد الثقافي صارت بمثابة اجراء منظم وصارم ومبدئي لم تعد المؤسسات الكبرى ترغب في اخفائه.
ولكن هل هناك فعلا مسافة تفصل الفن عن اللافن؟ ألا يمكن أن يكون الفنانون العرب الحائرون والذين صاروا يهيمون على وجوههم مطرودين من أسواق الفن على خطأ في تصنيفهم؟ سيكون علينا أن نواجه العقدة التي تنطوي عليها نظرية المؤامرة التي يعتقد الكثيرون أنها مجرد وهم هو من اختراعات العقول المريضة. لو أخذنا على سبيل المثال مؤسسة غاليري ساتشكي في لندن، وهي إحدى المؤسسات الكبرى الراعية لعدد من الفنانين العرب، نموذجا لاسلوب الانتقاء والتبني والعرض، لما فاتتنا ملاحظة المستوى الهزيل والضعيف للإعمال التي تضعها تلك المؤسسة قيد التداول البصري. في عموم نشاطها، ما من شيء تعرضه تلك المؤسسة (إلا في ما ندر) يوحي بقوة الفن، في ادائه وتأثيره وقدرته على التغيير وصنع عالم جميل مجاور لعالمنا. ولكن هل يجرؤ أحد على توجيه نقد مضاد لتلك المؤسسة التي تعتبر اليوم واحدة من أهم واجهات فنون ما بعد الحداثة؟ أشك في ذلك.
أين يكمن السر؟ في المال بالتأكيد. وهو السر الذي يدعم سلوك المزادات الفنية وأسواق الفن المجاورة. وكما أرى فان استخفاف الفنانين العرب بتلك القوة الكاسحة قد يبعدنا عن جوهر القضية المصيرية التي نحن في صددها. هذه المؤسسة ليست مجرد واجهة، بل هو أيضا مجس يتم من خلاله التقاط نوع بعينه من الفنانين من مختلف انحاء العالم. ذلك المجس لا يعمل بطريقة عشوائية أو كيفما أتفق. هناك مقومات وشروط ينبغي توفرها في العمل الفني والفنان اللذين يتم تبنيهما ومن ثم اطلاقهما. لقد ذهل الكثير من المهتمين بشوؤن الفن حين بيعت لوحة لأحد الرسامين العراقيين الشباب (مقيم في أمريكا) بمبلغ قريب من المليون دولار. طبعا لم يتساءل أحد يومها عن حصة ذلك الرسام من ذلك المليون. من وجهة نظري كانت تلك الحصة بضعة الاف لا أكثر. أين ذهبت البقية؟ طبعا إلى جيوب المستثمرين في فن لا نفع منه وفنان هو تحت السيطرة. سيكون كذلك إلى أن يتم استبداله بآخر. هي مؤامرة إذن؟ لا تصدقوا أوهامي.
صارت لوحة ذلك الفنان شهيرة، لا لأهميتها بل بسبب المبلغ الذي رصد من أجلها وصار صانعها نجما، لا لموهبته بل بسبب ما أعتقده الآخرون قدرة على الاقناع من خلال الحيلة. أعتقد أن ذلك التوصيف انما ينطوي على خطأ. فذلك الفنان لم يكن إلا برغيا في الماكنة التي تدير الأموال حول العالم، من غير أن تخفي رغبتها في اعادة تعريف الفن بما يتلائم مع مصالحها المالية في سياق معادلة تبدو لمن يتأملها أول مرة مبهمة وغير قابلة للتصديق: فن ضعيف تقابله أموال خيالية. وكما هو معروف فإن المؤسسات الراعية لنشاط من هذا النوع لا تفتقر إلى السند الإعلامي الذي يسبقها ليطبل لكل ما تفعل مروجا فكرة الفن البديل. كان لافتا أن بينالي الشارقة واسواق الفن في دبي وأبوظبي لا تدعو لحضور فعالياتها إلا الصحفيين من غير ذوي الاختصاص. علينا أن نصدق أن هذا السلوك لم يكن حكرا على الاسواق والنشاطات الفنية في العالم العربي وحده، بل يشمل نشاط أسواق الفن في مختلف انحاء العالم. هناك قوة اعلامية مدربة تكون جاهزة للاستعمال في أية لحظة للدفاع أو حتى للهجوم إن تطلب الأمر. لقد اختفى الناقد الفني المستقل. لم يعد مؤرخ الفن ضروريا. الفنانون الذين تتبناهم القاعات الكبرى لا يحضرون إلى أسواق الفن إلا مغلفين بالسليفان. إنهم ممنوعون من الكلام. هناك من يتكلم نيابة عنهم: مدراء القاعات ومسؤولو الدعاية.
لو تأملنا الجملة الأخيرة جيدا لأدركنا أنها لا تصلح قياسا إلا لمن هو مستجد من الفنانين. ما من فنان حقيقي يقبل في أن يكون موقع زراية وابتذال باعبتاره ملصقا للترويج لعرض يؤديه سواه. ما من فنان حقيقي يقبل في أن يكون تابعا لصاحب غاليري أوسمسار في مزاد. ما من فنان حقيقي يقبل أن يصمت حين يتعلق الأمر بعمله الفني. أخيرا يمكنني أن أقول أنه ما من فنان حقيقي يمكنه أن يقبل أن يكون جسرا تنتقل من خلاله الأموال من ضفة إلى أخرى. هنا أصل إلى مبتغاي في التوضيح الذي صار مبسطا أكثر مما يجب. أعتقد أننا نقف ازاء تمثيلية، ممثلوها يكسبون أقل الأجور، غير أنهم يربحون سمعة. لا يهمهم في ذلك أن تلك السمعة قد تكون سيئة. لقد اصارت أسماؤهم حاضرة في اللقاءات، في الرؤوس، في أجندة بعض قاعات العرض العربية. ألم تقم دارة الفنون في عمان (الاردن) معرضا احتفاليا بأحدهم قبل سنوات؟ كان ذلك الفنان بالنسبة لها فنانا مكرسا عالميا. لقد سبق له أن مثل فنلندا في بينالي فينسيا. هل نصدقك أم نصدق بينالي فينسيا؟
الكذبة تمشي بقدمين مسكوكتين بالذهب. لا أحد يسأل مَن أين أتى الذهب وإلى أين ذهب؟ في المشهد نرى الفنان المستخدم وحده حاملا خطيئته، فخورا بها، مبتهجا بما حققه، بخطوته التي صار الكثيرون يحسدونه عليها. ينتقل ذلك الفنان بخفة بين نيويورك ودبي، ولكنه لا يذهب إلى طوكيو مثلا. لمَ لا يفعل ذلك وهو الفنان العالمي المشهود له بالحضور في المزادات؟ لقد وضعته معامل المؤسسة اياها في علبة صالحة للتصدير إلى العالم العربي وحده. إلى دبي وإلى كل مكان عربي يسعى إلى أن يحذو حذو دبي من أجل أن يستعرض قدرته على الرضوخ لقوة المال. ألايمكن أن نصف الفنانين العرب الحقيقيين بالمساكين وهم يواجهون تحديا لا أخلاقي من هذا النوع، هو أقوى من كل خبراتهم. وكما أرى فان الفن في الوطن العربي هالك لا محالة في طوفان من التجارب الجديدة التي تغدق عليها المؤسسات الدولية بالمنح وسواها من وسائل الدعم المادية.
‘فكرْ بطريقتي’ يقول مدراء القاعات وقيمو أسواق الفن.
هذا هو الثمن الذي يدفعه فنانو الأسواق والمزادات.
سيقال أنها مجرد تكهنات. لا بأس. هي تكهنات لا تخونها الوقائع.
شاعر وناقد من العراق