غريقة بحيرة موريه» لجبران دويهي… فائض ماء وموت وحب

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي» : أن يجلس كاتب وأديب وسط باقة أصدقاء، زملاء ونقادا، مصغياً إلى ما فاضت به قريحتهم النقدية وكذلك العاطفية عنه ليس بالأمر السهل، خاصة مع كاتب من طينة أنطوان دويهي فيه خفر مغروس به من طبيعة وبيئة.
لكن هذا ما فعله به محبون عدّة بإيعاز وتنسيق من الحركة الثقافية في أنطلياس. ولأن روايته «غريقة بحيرة موريه» فازت بالجائز التي شحذت وزارة الثقافة اللبنانية همتها لمنحها لروائي لبناني، ولأول مرة في تاريخ جمهورية لبنان، كان اللقاء وبحضور وزير الثقافة روني عريجي. وهكذا اقفل العام الثقافي لسنة 2015 في دير مار الياس انطلياس على احتضان فاق طاقة أنطوان دويهي في امتصاص هذا الحب الكبير، فوصل إلى ختامه وبه حال إرباك واضح، وامتنان أكيد.
«بحيرة للعقل في جدب عربي (…) رواية فكرية بامتياز»، هذا ما انطلق به الشاعر والناقد والكاتب موريس النجار. أسهب النجار جداً في عالم الرواية التي كان الجمع بصدد الاستماع إلى تحليل لها، وبوصوله إلى الروائي الإنسان الكامن في الدويهي وجده يأنف صخب العيش والاختلاط المضني. وبحسبه للدويهي قبلته الخاصة به هي «النفس البشرية يستكشف مجاهلها».
في رواية ما بعد الحرب الأهلية في لبنان قال الشاعر والصحافي والناقد محمد علي فرحات قارئاً بأنها «نأت عن النحت اللغوي الذي كان مرضاً يحكم الرواية… الرواية الحالية اقتربت من التسجيل الفونوغرافي ولغة الشارع». مع أنطوان الدويهي تبلور «توازن اللغة بعد ركاكة كبيرة.. الضرورة ملحة للحد من شهوة الركاكة». في ما خصّ «غريقة بحيرة موريه» وجد فرحات أنها رواية محكومة بالحب والموت واختلاف الثقافات، وفيها ظهرت الأمكنة الشرقية والغربية بأبهى حللها الطبيعية». في «غريقة بحيرة موريه» توحدت جهات العالم في الموت، حيث أفضله الموت غرقاً، وشكّل الماء حياة وموتاً معاً. في المحصلّة الأهم عن تلك الرواية عبر بحث فرحات في سطورها أنها «لقاء شرق وغرب سائر إلى مأساوية الانقطاع… إنه مقطع من حكاية عالمنا التي يكتبها الدويهي».
وبما أن الرواية عالم من الاجتماع والسياسة والاقتصاد والإنسانية، أولاً ملحم شاوول الدكتور في علم الاجتماع والعميد السابق لمعهد العلوم الاجتماعية قرأ في كتابات الدويهي، خاصة الرواية التي هي موضع تشريح واحتفاء «قطعاً من حياته، يقدمها من خلال نص أنيق محتشم… نصه يفكك شبكة عنكبوتية من العلاقات… نص فيه شاعرية مياه… رطب يتفاعل مع أشكال مائية متنوعة… ثنائية المياه الحاضنة والمياه القاتلة تعيش في روايتك». وبالتركيز على رمزية الماء في رواية «غريقة بحيرة موريه» فهي برأي شاوول «تنبع من الصورة الأبدية لأصل الحياة أي الماء… أيها الانسان أذكرك بأنك من الماء وإلى الماء تعود».
لغة انطوان الدويهي الروائية وإنسانيته جمعتهما الفة وود. في هذا الجانب أبحر الأستاذ الجامعي والكاتب والمترجم شوقي الريس مستخلصاً أنه «الترهب والتصومع في الكتابة من حيث كونها أرفع مراتب التحرر.. والسيادة الوحيدة المتبقية لنا. والحرص الدائب في النأي عن طاووسية السرد التي نادراً ما ينجو منها كاتب. والإحجام عن تعذيب الكلمة، والاكتفاء بإعمال الإزميل في رخامها بقدر ما تجيز اللغة.» وفي توصيف أكثر دقة لكتب الدويهي بدءاً من «الحالة» وصولاً إلى «غريقة بحيرة موريه» قال الريس «يتبدّى لنا كيف يُسيّر أنطوان الدويهي أحلامه على دروب أدبه، ويحرص ببساطة مدهشة على تكثيف الظلال التي بها يصون ذاته المنتصرة دوماً وهي تعلن الانكسار أمام تشويه وافتقار الإنسان».
وكما قال شوقي الريس كان فعلاً انطوان الدويهي «مندهشاً» مما قيل فيه. راوده بعض من خجل واحمرار وجه كسبه من هواء مسقطه اهدن. شكَر واعترف بأنه سمع ما توقعه وما لم يتوقعه. سارداً مسلمة أن «النص لا يعود ملك الكاتب بمجرد خروجه من يده. كل قارئ يملكه على طريقته ومن خلال خياله وحياته وتجربته». وهكذا كانت نهاية هذه المكاشفة الأدبية بحضور المعني بها ولاشك هو عمل محبب ضمناً ومحرج شكلاً.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية