دستور ثالث لبوتفليقة

من المفروض أن أي تعديل دستوري في أي بلد يشكل حدثاً تاريخيا جديراً بالاحتفاء لأنه يصيغ واقع ومستقبل أمة ويرسم توجهاتها الجديدة. في الجزائر العكس هو الصحيح، التعديل الدستوري أصبح «اللاحدث» لأن المجتمع كله في حالة استقالة من السياسة فاقد الإيمان بها والثقة في من يمارسها.
لكن السبب الأهم لـ»اللاحدث» أن كل رئيس أوجد لنفسه دستوراً قيس على مقاسه ووفقا لظروفه. إلا عبد العزيز بوتفليقة شذ عن هذه القاعدة وأُحيط بثلاثة دساتير: واحد وصل به إلى الحكم، وآخر استمر به في الحكم، وثالث سيخرج به من الحكم بعد استنفاد كل أوراقه الصحية والسياسية والدستورية.
لذا يفقد أي تعديل دستوري في الجزائر حيويته وأهميته طالما أن أي مجموعة حاكمة أو رئيس يستطيع أن يعيد صياغة الدستور بسهولة شديدة وفق أهوائه وأهدافه ومصالح من معه في الحكم.
الأمانة تحتم القول إن الأحداث فرضت نفسها على الرؤساء الجزائريين أمثال الشاذلي بن جديد واليمين زروال، وفرضت عليهم تعديل الدستور بشكل يتماشى والظروف حينها، لكن بوتفليقة فرض نفسه على الأحداث وعدّل الدستور بشكل فجّ ليبقى في الحكم أطول فترة ممكنة ويضع نفسه فوق القانون والمحاسبة السياسية والدستورية (من سخرية القدر أن الرئيس العسكري، الجنرال اليمين زروال، عدّل الدستور في 1996 ليحدد عدد الفترات الرئاسية في اثنتين فقط، بينما عدّله الرئيس المدني، بوتفليقة، في 2008 ليفتح عدد الفترات بشكل يبقيه رئيسا إلى الأبد!).
التعديل الجديد الذي سيوجِد لبوتفليقة دستوراً ثالثا، جار على قدم وساق ويثير الكثير من الجدل في صالونات السياسة والإعلام بالجزائر، ليس لكونه حدثاً بارزا سيغيّر حاضر ومستقبل البلاد، بل لأنه الثالث في أقل من عشرين سنة والثاني في عهد الرئيس بوتفليقة.
عدا هذا، التعديل في حد ذاته يثير الريبة ولا يبعث على الاطمئنان. هناك أكثر من سبب للتشاؤم، أبرزها أن التعديل المزعوم صيغ على يد نظام حكم بارع في الفشل وازداد براعة منذ تسلم بوتفليقة الرئاسة قبل 17 عاماً. وكذلك جرى إعداده في غرف مغلقة على يد زمرة من الرجال غير معروفة ولا يمكن الوثوق بها على الرغم من ادعاء رجال الحكم ووسائل إعلامه أن «المعارضة» والشخصيات الوطنية ساهمت في إثراء نص المسودة وتقديم اقتراحات. إضافة إلى اعتزام عرضه للمصادقة على برلمان بائس، غير تمثيلي، مطعون في شرعيته، معروف بشلله وذهب بعيداً في ولائه وطاعته للجهاز التنفيذي، وبالخصوص لأهواء الرئيس، على حساب الشعب الذي يزعم أنه انتخبه.
يشتهر النظام الجزائري بأنه يجمع بين العجز وعدم الرغبة في التغيير حفاظا على طبيعته الغامضة وعلى وجوده. كما يشتهر بقدرته الخارقة على شراء الوقت والمراهنة على الزمن فانتصر في أغلب التحديات التي فُرضت عليه، أو لم ينهزم فيها، ما جعله يحافظ على جوهره (الحقيقي) الستاليني العقيم وظاهره (المضلل) الديمقراطي المتنوع المنفتح. في كل معارك الزمن انتصر النظام ونُكبت الجزائر (انتصار الاثنين غير ممكن وغير وارد) لأن النظام يجيد إضاعة الوقت وتفويت الفرص في كل القرارات المصيرية.
في شهر نيسان (إبريل) 2011، في ذروة أحداث الربيع العربي، وفي جو من الفزع والإرباك أعلن الرئيس بوتفليقة عن «إصلاحات» سياسية وتعديل دستوري للتجاوب مع تطلعات الجزائريين، خصوصا الشباب منهم.
كانت تلك مجرد مناورة أخرى لتجاوز الورطة والإفلات من تأثيرات أحداث الربيع العربي. والدليل أن خمسة أعوام مرت أثبت خلالها نظام الحكم أنه وفيّ لواحدة من ركائز استمراره وهي المماطلة والتأخير والعمل على ربح الوقت، فلم يرَ الجزائريون في السنوات الخمس شيئا جاداً أو جديراً بالاهتمام. أسوأ من ذلك: ما أن مرت أحداث الربيع العربي حتى عاد نظام الحكم في الجزائر إلى أساليبه البالية والعقيمة في إدارة شؤون البلاد والسير بها من وضع سيىء إلى آخر أسوأ.
تأتي التعديلات المقترحة اليوم لتوحي بديمقراطية وهمية على أنقاض خراب دستوري وسياسي تخلفه سنوات حكم بوتفليقة. وتأتي وسط فراغ سياسي وفكري مقصود أصاب المجتمع بتصحر وإفلاس خطيرين. وتأتي لتضمن لبوتفليقة ولمن معه خروجاً آمنا من الحكم (اليوم أو لاحقاً). فتعديل المادة 74 بحيث تحدد عدد الفترات الرئاسية في واحدة قابلة للتجديد مرة واحدة، ظاهره ديمقراطي، لكن جوهره مناورة أخرى. بهذا التعديل يكون بوتفليقة قد ضمن أنه سيبقى رئيسا للجزائر والجزائريين إلى غاية 2029 إن طال عمره، لأن المادة المذكورة تدخل حيز التنفيذ في الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة في 2019. ولأن المادة المذكورة تجبُّ ما قبلها، سيبدأ بوتفليقة، دستورياً، من الصفر، لكن عمليا سيبدأ وتحت يده دولة كاملة بأجهزتها وإمكاناتها منبطحة له وفي خدمته.
وإلى سنة 2029 يستطيع بوتفليقة أو ورثته المس بالدستور مرة (أو مرات) أخرى من خلال تعديل جديد يتضمن ما يمنع المحاسبة والمساءلة ويضمن للجميع خروجاً آمنا يحفظ لهم ثرواتهم ومصالحهم ويدخلهم في قاموس عظماء الجزائر.
*
٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية