عن قيود حاضرة ووجهة جديدة

حجم الخط
6

تنهكني قيود النشر الصحافي في مصر، من القوالب الصماء لمقالات الرأي إلى الخطوط الحمراء التي كثيرا ما تفرض إرادتها تارة بالمنع وأخرى بالحذف. تنهكني رتابة الأوضاع في بلادي التي استوت على ظلم وقمع وتغييب للعقل وخليط قاتل يسيطر على الناس مكوناته هي الخوف والهيستيريا والعزوف، وبت في صراع مستمر للوصول إلى فكرة جديدة أو مدخل جديد أو معلومة جديدة لمتابعة الكتابة أملا في كشف حقيقة السلطوية الحاكمة وتشجيعا للناس على طلب التغيير السلمي. تنهكني آلام الضحايا، ينهكني العجز عن الانتصار لحقهم في الحرية والكرامة، تنهكني وجوه من أعرفهم وأسماء من لا أعرفهم؛ أما المقالات الصحافية فما عاد بها ما يخلص من الألم أو يحد من وطأة العجز.
وإلى الإنهاك الشخصي نفسيا وذهنيا، تساق الضحالة المعرفية والفكرية والسياسية للنقاش العام في مصر الذي تجرده السلطوية الحاكمة من الحقائق، وتقضي على تعدديته الممكنة بكثير الصراخ والضجيج احتفاء بالحاكم الفرد المرفوع إلى مصاف الأبطال المنقذين وتشويها لمعارضيه وتزييفا لوعي الناس، وتلحقه بأحاديث من يعادون قيم العدل والحرية والمساواة والتقدم لغة ذكورية مقيتة تمنح الحاكم وأعوانه حقا حصريا متوهما للحديث باسم «الوطنية» وتفرض على عموم المصريات والمصريين الخضوع لإرادة «الرجال أقوياء الشكيمة» وتهدد بالقمع كل مواطن يرفض التنازل عن حريته. تفعل السلطوية ويفعل خدمتها ذلك وأكثر، غير أن الأصوات الديمقراطية تتحمل هي الأخرى شقا معتبرا من مسؤولية ضحالة النقاش العام بالامتناع عن صياغة رؤى وأفكار جادة تخاطب القطاعات الشعبية المغيبة بسبب الخوف والهيستيريا والعزوف وتحفزها على استعادة الرغبة في المجتمع الحر والدولة العادلة، وأيضا بالاكتفاء بتوظيف الأدوات الحقوقية وأدوات التوثيق وأدوات التوعية العامة المتاحة لمواجهة السيل اليومي من المظالم والانتهاكات والممارسات القمعية التي تتورط بها مؤسسات وأجهزة الدولة، ومن ثم العمل على الاعتراف بالسلطوية الحاكمة كواقع لا فكاك منه وغاية المراد بشأنه هو التقليل من شروره وجبر الضرر عن ضحاياه.
لا أريد أن تفهم كلماتي على نحو خاطئ هنا. فالوقوف حقوقيا وتوعويا في مواجهة المظالم والانتهاكات ضرورة أخلاقية، وعمل مجتمعي نبيل يستدعي تضحيات ليست بالقليلة من قبل القائمين به. وكلما ابتعد المدافعون عن حقوق الإنسان والحريات والأصوات الديمقراطية عن الادعاءات الزائفة للبطولة الذاتية (فالضحايا هم دوما الأبطال الحقيقيون) وتحرروا من المعايير المزدوجة التي تنتجها الأهواء الإيديولوجية والانحيازات السياسية أو يرتبها التعاطف الإنساني مع الضحايا «الذين يتشابهون معنا» قبل «الضحايا الآخرين»، كلما تعلقت بهم وبجهودهم الآمال المشروعة للضحايا وذويهم في انتزاع ولو القليل من رفع الظلم وجبر الضرر. كما أن التراكم المستمر للمظالم والانتهاكات والاستطالة اليومية لقوائم الضحايا ليس لهما إلا أن يجعلا من العمل الحقوقي والعمل التوثيقي والعمل التوعوي استجابات لازمة لبيئة القهر المحيطة بنا.
غير أن كل هذه الأعمال الجليلة، على ضرورتها القصوى، لا تصنع بديلا مجتمعيا وسياسيا للسلطوية، ولا تمكن من حشد الناس وراء المطالبة بالحرية والعدل، ولا تسمح بالتواصل مع القطاعات الشعبية المغيبة لكي تستعيد وعيها وتقاوم خليط الخوف والهيستيريا والعزوف.
وإذا كانت كل هذه الأعمال الجليلة ليست بكافية لصناعة البديل، فإن استنزاف طاقات الأصوات الديمقراطية في السخرية من جهل وتهافت السلطوية وفي صراعات بينية عادة ما تحركها إما ادعاءات البطولة الزائفة أو نرجسية «كان لي السبق في مواجهة الظلم» والمماحكات التي تحدثها بين المدافعين عن الحقوق والحريات، هذا الاستنزاف يمثل نكوصا شاملا عن تحمل مسؤولية النضال السلمي من أجل الديمقراطية واستسلاما كاملا للسلطوية الحاكمة. والنتيجة هي التفوق الاستراتيجي للحاكم الفرد وأعوانه على مقاوميهم، والنتيجة هي الغياب التام للبديل ـ أليس بلافت للنظر أن الفترة الممتدة بين صيف 2013 واليوم لم تشهد تبلور مبادرات حقيقية للعودة إلى مسار تحول ديمقراطي، ولم تنتج بها فرديا أو جماعيا أفكار متماسكة تتعلق بإحياء السياسة التي أميتت وبالعدالة الانتقالية التي همشت؟
تحفيز الجهود الفردية والجماعية للأصوات الديمقراطية لإيقاف التفوق الاستراتيجي للحاكم الفرد ولصياغة بديل (ربما بدائل) للسلطوية سيكون الوجهة الجديدة لخواطري التي سأسجلها تباعا وبانتظام في مساحتي الأسبوعية هنا. لن أتقيد في «الخواطر» بالقوالب الصماء لمقالات الرأي. لن أتجنب عرض بعض الرؤى غير المكتملة والأفكار غير الناضجة تماما، بل سأعرضها وأطلب منكم، أعزائي القراء، التفكير معي وبعيدا عني في مدى ملاءمتها لنا وحدود فاعليتها في صناعة بديل للسلطوية الحاكمة في مصر. سأطلب منكم أيضا التأمل في حقائق فكرية ومجتمعية وسياسية أخرى في بلاد العرب وفي الترابطات بين السلطوية وبين التطرف والإرهاب والحروب الأهلية وتفكك مؤسسات الدول الوطنية، فالسياق الإقليمي واحد ويخطئ من يظن أن أيا من نظم الحكم العربية لها خصوصية تحول دون مقارنتها بنظرائها في المنطقة الجغرافية الممتدة من مملكة البحرين إلى المملكة المغربية وبينهما ممالك وجمهوريات ودول أخرى.
سآتي لكم بمقاطع من كتابات مهمة، وبنماذج واقعية للانعتاق من السلطوية من مجتمعات بعيدة عنا، وبحالات لنظم سلطوية أقل أو أكثر عنفا إذا ما قورنت بواقعنا المصري والعربي الراهن، دون خجل من استعارة الأفكار أو الخبرات. سأعود إلى تاريخ الاستبداد والسلطوية بين ظهرانينا وبعيدا عنا، لكي أستدل على عوامل السقوط وسبل المقاومة وطرائق صياغة البديل.
ما لم تتراكم أحداث داخلية أو إقليمية أو عالمية تستدعي التناول والتحليل، تلك ستكون وجهة مقالات الفترة القادمة في «القدس العربي» وذاك هو ما أرجوه منها ولها. فأعينوني.

٭ كاتب من مصر

عمرو حمزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية