يعيش العرب اليوم عصر الحنين الذهبي بامتياز، هذا أمر بات مفروغا منه، والحنين أو المرادف اليوناني (نوستالجيا) عرف منذ غابر الزمان، فكلمة نوستالجيا تتكون من مقطعين يونانيين «نوستوس» وتعني البعد عن الوطن أو الغربة، والمقطع الثاني «ألجوس» وتعني الألم، وبذلك يكون المصطلح ألم الغربة، وقد استعمل هذه الكلمة هوميروس كثيرا في ملحمة «الإلياذة» لكن المفهوم تعرض لتغير كبير من شكله المرضي المؤلم إلى نوع من الترف الثقافي على يد المدرسة الرومانسية في الشعر الأوروبي الحديث.
أما معاجم اللغة العربية فقد أشارت إلى معان مقاربة قائمة على تأثير البيئة الصحراوية في الاصطلاح، حيث تجمع معاجم مثل «القاموس المحيط» و»لسان العرب» و»العباب الزاخر» على ان الحَنِينُ هو الشَّوْقُ، وشِدَّةُ البُكاءِ، والطَّرَبُ، أو صَوْتُ الطَّرَبِ عن حُزْنٍ أو فَرَحٍ وقيل: هو صوتُ الطَّرَبِ أكان ذلك عن حُزْنٍ أَو فَرَحٍ. وأصل الكلمة وجذرها هو (حنٌ) وهو من سلوك الابل، وحَنَّت الإِبلُ: نَزَعَتْ إلى أَوْطانِها أَو أَوْلادِها، والناقةُ تَحِنُّ في إِثْرِ ولَدِها حَنِيناً مع صَوْت، وقيل: حَنِينُها نِزَاعُها بصوتٍ وبغير يصوتٍ والأَكثر أَن الحَنين بالصَّوْتِ.
ولان الشعر ديوان العرب كما قيل قديما وهو حافظة الثقافة العربية، لذلك نجد ظاهرة الحنين واضحة جلية في الشعر الجاهلي، فأول ما تفتتح به القصيدة الجاهلية هو المقدمة الطللية، وهي مقدمة كانت من قواعد الشعر الجاهلي كمدخل يجب ان يبدأ به الشاعر قصيدته، يصف فيها وقوفه على أطلال مضارب عشيرته أو عشيرة حبيبته أو مكان لقائهما والحنين إلى تلك الأيام أو الأماكن، ثم يتحول إلى باقي أغراض القصيدة بعد ذلك. ومع التغير الذي أصاب الشعر العربي إبان العصرين الأموي والعباسي بسبب تأثيرات الاحتكاك الحضاري على الثقافة العربية اختفت ظاهرة المقدمة الطللية كقاعدة، لكن موضوعة الحنين بقيت ظاهرة جلية في الكثير من موضوعات الشعر العربي القديم.
ويشير الباحثون في العلوم الاجتماعية إلى ان الحنين مكون أساسي من مكونات السلوك البشري، وله العديد من الدوافع، لكنه عندما يتحول إلى نمط حياة يسيطر على الفرد فانه يتحول إلى مؤشر مرضي يعتبره أطباء النفس بداية مرحلة مرض الاكتئاب، ومن الممكن ان يتطور إلى أمراض نفسية أخطر كالفصام، ومن أبرز أعراضه الانسحاب من الواقع والعيش في واقع مواز متخيل يصنعه المريض ليعزل نفسه عن الحياة الحقيقية اليومية.
أما علماء الاجتماع والانثروبولوجيا فان اهتمامهم ينصب على الأفراد باعتبارهم جزءا مكونا للمجموعة الاجتماعية (العائلة، القرية، المدينة، الدولة) ولذلك جاء تناولهم للنوستالجيا من جانبها الاجتماعي، حيث لاحظ الكثير من علماء الاجتماع ان المجتمعات التي كانت تملك إرثا حضاريا مميزا وتعرضت لأزمة حضارية، كثيرا ما يشيع في مجتمعها نوع مبالغ فيه من النوستالجيا، وبشكل خاص إذا وضعتها الظروف في مواجهة الآخر المتقدم، مثال ذلك ما ذكره المفكر جورج طرابيشي في كتابه «من النهضة إلى الردة» حين اسمى المرض الاجتماعي الذي نعاني منه (عقدة الجرح النرجسي) الذي أصاب الثقافة العربية بعد انتكاسها ووقوفها بوجه الغرب المتقدم في المواجهة التي حصلت مع الحملة الفرنسية على مصر 1798 وما تبعها من أحداث. لكن علماء الاجتماع يميزون المجتمعات وردة فعلها تجاه التحديات التي تواجهها، فيشيرون إلى مجتمعات تبقى تعاني من حالة النكوص وتغرق في حنينها لماضيها بينما توجد مجتمعات أخرى تستلهم من حنينها قوة وعزما يدفعانها للنهوض مجددا، مثال ذلك ما حصل في استلهام المجتمعات الأوروبية للحضارة الاغريقية وتعاطيها مع واقعها المتردي للنهوض واللحاق بالحضارة العربية المتقدمة آنذاك عبر الاستفادة من الترجمة التي نقلت علوم العرب، ومن ثم تأطيرها بمعطيات الحضارة الاغريقية لتنتج النهضة الأوروبية.
وللنوستالجيا سحرها الأخاذ على النفس، فمن منا لم يغلبه الحنين وهو يستمع إلى أغنية قديمة أو يشاهد فيلما قديما؟ والسحر متأت من محاولة الإمساك بنكهة لحظات عشناها فيما مضى واستعادة طعمها وتأثيرها علينا مرة أخرى. وقد لعبت وسائل الإعلام الحديثة على هذا الوتر في نفوس متلقيها فأفردت لهم قنوات تلفزيونية ومحطات إذاعية ومواقع الكترونية متخصصة في بث القديم من الأفلام أو الأغاني أو الصور، وأصبح هذا النمط من المواد له سوقه الرائج في الإعلام اليوم. كما أنك لو تجولت في وسائل التواصل الاجتماعي ستجد آلاف المواقع والصفحات التي تعنى بالنوستالجيا من صور إلى أفلام وأحاديث يضوع منها شذى الحنين عبر تأوهات مرتاديها الذين يعبرون عن خيبتهم بحاضرهم وحنينهم إلى ما فات من زمن جميل.
وليس للحنين زمن محدد نعود إليه، فقد تجد بعض الشباب اليوم يحنون إلى ما يعتبرونه إرثهم، مثال ذلك صفحات فيسبوك وتويتر التي تتغنى بحياة رغيدة وسعيدة ومميزة، كل شيء فيها كان جميلا ويقصدون بذلك عقدي الثمانينات والتسعينات بل حتى بداية الألفية الثالثة، وهي حقبة ما زال كبار السن يعتبرونها حاضرهم أو أمسهم القريب. ولكل حقه بالحنين إلى ما يعتبره زمنه الذهبي لكن المشكلة الأساسية تكمن في عوار النظر النوستالجي إلى الأمور، وهذه احدى أهم صفات النوستالجيا، فعندما ينظر شخص ما إلى مكان ما أو حقبة زمنية باعتبارها فترته الأبهى فانه يضيف من مخيلته الكثير على الصورة المتخيلة ولا يعنيه دقة أو مصداقية ما يتخيله، وفي الوقت نفسه يمارس نوعا من العزل أو اقصاء السلبيات التي كانت موجودة في الحقبة أو المكان الذي يحن إليه.
ان آلية التخيل المنفلتة لا تقبل حكما موضوعيا لما تتناوله في تخيلها، والمربك في الأمر ان سلوك الأشخاص تجاه المعطيات نفسها يتحول من النقيض إلى النقيض عبر حقبة زمنية لا تعتبر طويلة، مثال ذلك تعاطينا مع الغناء، فعندما يظهر نمط جديد من الغناء أو مطرب جديد، يواجه عادة بعدم الاهتمام أو الرفض أو حتى التهكم، لكنه لا يلبث ان يتحول بفعل التقادم إلى منتج فني محترم، وهذا ما نشاهده اليوم من تعامل مع نماذج من الغناء كانت مدار تهكم ورفض في السبعينات قد تحولت اليوم إلى ما يطلق عليه البعض أغاني الزمن الجميل.
كما يمكنك ان تشاهد تغزل الكتابات التي تعلق على صور من حقبة الثلاثينات أو الاربعينات في الدول العربية واصفة اياها بأوصاف تصل بها إلى تصوير مدننا وكأنها أرقى حضارة إنسانية في حينها، بينما واقع الحال يقول اننا كنا لم نزل نخطوا أولى خطواتنا للحاق بدول العالم لتكون مدننا مشابهة لما وصلته مدن العالم منذ أكثر من قرن. إذن الحل أو العلاج الذي يمكن ان يفرمل ويغربل انفلاتات النوستالجيا المتخيلة هو عملية النقد العلمي التي تحاول تناول معطيات ما مضى بمقاسه الحقيقي، لتشذب إضافات التصور المتخيل الذي يضفي غلالة سحرية تحجب حقيقة ما مضى.
وكما أشرنا إلى ان الاحساس بالحنين شعور طبيعي لدى البشر، لكن تحوله إلى تيارات فكرية سائدة اجتماعيا هو ما يمكن ان نعتبره كارثة اجتماعية، وهذا ما شهدناه في ما عرف بصحوة التيارات الإسلامية التي تحاول بمختلف اتجاهاتها ان تجر المجتمع لتضعه في قوالب تاريخ مضى عليه أكثر من ألف سنة، أو التفكير وفق نمط ما بات يعرف بـ (متلازمة العيش في المتحف) وهو مرض اجتماعي يعزل المجتمعات عن تحديات العيش في الواقع ومحاولة النهوض واللحاق بالركب العالمي والاكتفاء بنوع من الغيبوبة المبنية على اننا خير الأمم بدليل شواهد الحضارة التي نمتلكها، وعادة ما يصاحب هذه الغيبوبة الاجتماعية شيوع نمط من التفكير القائم على نظرية المؤامرة الذي يضخم الذات تضخيما مرضيا ويصور الآخر الذي يضم كل العالم وكأنه عدو متربص بنا يسعى لتدمير حضارتنا عبر كل الوسائل، حتى يصبح الفرد في هذه المجتمعات متكاسلا مهملا لانه على قناعة تامة بانه قد امتلك الحضارة وهو الأحسن والأهم دون ان يبذل جهدا، وليس عليه إلا ان ينتبه لمؤامرات الأعداء- من المتخيلين غالبا- الذين يحاولون تدميره. وما نشهده من سطوة التيارات التكفيرية وما تدعو إليه من نمط عيش قائم على النبش في ما اهمل أو شذ من فتاوى مدفونة في كتب التاريخ السجالية إلا تمثيلا حيا لمرض النوستالجيا الاجتماعي الذي تعيشه مجتمعاتنا، فما على الشاب الغر إلا ان يقرأ أمجاد أمته التي كانت تمتد من الصين إلى الاندلس وان يسعى إلى استعادة الأمجاد بقتل المختلف، وقد ذكرذلك الكثير من دعاة الفضائيات، الذين باتوا نجوم زمننا النوستالجي، والذين يشيعون في عقول الشباب ان أمة الإسلام لم تذل وتتراجع مكانتها إلا عندما تركت الغزو، ويحببون الأمر للشباب المهمش الذي يعاني سوء التعليم والخدمات وفرص العمل والحياة الكريمة، بتصورات أفيونية فيصفون له متعة الغزو وهو عائد بعدد من السبايا الحسان والعبيد الذين سيبيعهم ويصبح ثريا، أو ان يستحوذ على ممتلكات الآخر ويغتصبها منه، وبدلا من حض الشباب على التعلم والتعاطي مع تحديات العصر وعلومه الحديثة التي باتت الفيصل في تقدم الأمم، نرى المتأسلمين يشيعون أفيون النوستالجيا ليحولوا شبابنا إلى قنابل موقوتة.
ان حنينك إلى أغنية أو فيلم أو صورة من زمن تعتبره زمنك الجميل حق لا يمكن ان يسلبه منك أحد، لكن لا تدع حنينك إلى الماضي الجميل يمنعك من السعي لجعل مستقبلك أجمل.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي