المثلية في السينما العالمية… محاولات في محك التطبيع

الرباط – «القدس العربي»: يقول الكاتب الإيرلندي جورج برنار شاو (1950/1856) مع الكثير من الإزدراء والقليل من المنطق أن «الزواج هو مصيدة طبيعية»، نسميه اليوم: فخ الحب، لمطالب المثليين الذين يصرون على تجسيده واقعا معاشا وينتقل من الأدب إلى شاشة السينما إلى جمهور أوسع
في هذا السياق أنتج فيلمان خلال سنة 2015، هما: فيلم «كارول» للمخرج الانكليزي توود هاينيس، المشارك في مهرجان «كان» (2015)، وفيلم «الحب غريب» للمخرج الأمريكي إيرا ساتش

«الحب غريب» : المعنى أن تكون مثليا!

حصد هذا الفيلم الكثير من الجوائز العالمية، لا تهم الجوائز لمناقشة مضامين هذا الفيلم الذي يسعى المخرج من خلاله للتطبيع مع المثلية بنوع من السلاسة ودون أن يقحم نفسه مدافعا ويترك الخيار للمتفرج. تقنية جميلة تنم عما راكمه المخرج في مساره السينمائي منذ تسعينيات القرن الماضي.
في البداية يجب ابداء ملاحظة أساسية بالنسبة للمتلقي العربي الذي يخلق هوة عميقة بينه وبين هذه النوعية من الأفلام التي لا تلقى الترحيب الكامل والحفاوة المنشودة لما تحمله هذه السينما والتي تقدمها السينمات الغربية في أشكال مختلفة وما تحفل به من تابوهات ومقدس تجعل رد فعل أطراف داخل المجتمع العربي حادة وتتسم بالعنف وبالأحكام المسبقة والخشية.
منذ بداية الفيلم هل يكمله حتى اللقطة الأخيرة أم لا؟ وما هي تواليات الحكي وخطورتها؟ وهل هناك مفاجأة من العيار الثقيل؟ كل هذه الأسئلة تتراكم وتسري وأنت تدشن المشاهد الأولى للفيلم.
يعي المخرج خطورة ما يفعل وما المحظور الذي دخله، لذلك يرسل رسائل تطمين سريعة، سواء كان إنسانا غربيا أو عربيا في رسم معالم الفيلم بكامله دون أن يصل إلى النقطة التي تفيض الكأس وهذا ذكاء من المخرج لأنه هو من كتب قصة الفيلم.
يحكي الفيلم عن مثليين هما «جورج» و»بين» تصل علاقتهما إلى أفول نهايتها بعد أربعين عاما من التعايش والتساكن دون أن يتدخل فيها الآخرون مادامت طي الكتمان والسر ويقدمها المخرج بنوع من التعاطف، يعيشان معا، سعيدين بحبهما دون أن يتدخل فيهما أحد. وحينما تقر ولاية نيويورك تطبيق قانون الزواج للمثليين في سنة 2011، يجد الرجلان فرصة سانحة لتطبيقها بنوع من المدنية والحضارة!
حين يبدأ خبر الزواج يسري بين الأوساط كلهيب في الحطام وعقدهما العزم على الزواج، تبدأ المشاكل في التناسل ويلوح أفق مظلم يطبق على العلاقة بكل ما فيها. يتلقى «جورج» الخبر غير السار من طرف الكاهن بأمر من الأسقف أنه لايمكن أن يستمر في العمل في الكنيسة الكاثوليكية كموسيقي، لأنه يمس بسمعتها كمؤسسة دينية تنأى بنفسها عن هذه المتاهات القاتلة.
في تأزم الأوضاع المالية للرجلين، يضطر كل واحد منهما بعد أربعين عاما من «الإجتماع»/ «العلاقة» في الإفتراق والرحيل من منزل عش الزوجية، وكل واحد منهما يحمل ذكرياته السعيدة وعليه أن يعتمد على الأخرين ويتعايش مع الأوضاع المستجدة، فهما في عقدهما الرابع ولهما تجربتهما الحياتية والعمرية: من الآن فصاعدا يأخذ الفيلم جسداً ويتطور ويقترح ميلودراما «أنيقة» لكن بطريقة متوازنة.
ينتقل «بين» إلى بروكلين ليعيش مع حفيده إليوت وباقي أفراد الأسرة، الابن المراهق والمشاكس والذي لايكف عن طرح الأسئلة والزوجة التي تقبل الأمر على مضض استقبال رجل مثلي في منزلها، ويدرك جيدا حقيقة مقولة «لايفرح الحب في اللا عدالة ولكن يفرح مع الحقيقة»، ويترجمها في مكالمة هاتفية لعاشقه «حينما تعيش وسط الناس تعرف أكثر مما يجب». وعليه يجب أن يتعايش مع المعطيات والأوضاع التي وجد نفسه فيها وأن يكون ودوداً ولطيفاً ليهتم بمستقبله الغامض، وسيكون لا محالة محط ريبة ومصدر ازعاج للآخرين.
بشكل قاطع، من عنوان الفيلم «الحب غريب» يوحي في دلالته ورسالته المسبقة أنه لم يجد التربة المناسبة لينمو وسط الإكراهات الإجتماعية والثقافية رغم قانونيته وهذه هي الفكرة التي يتأسس عليها الفيلم، بمعنى أن القوانين لاتفرض ما يرفضه المجتمع. يقدم الفيلم على أنه فيلم عاطفي في استحضار المشاعر الذكورية ويوظفها في سياقات متعددة بشكل جيد جلبا دائما للتعاطف أنه من «حق» الرجلين/ المثليين/ العاشقين/ الإنسانين أن يعيشا حياتهما كما حبذا! مع حضور المأساة الداخلية لبطلي الفيلم.
صحيح لدينا فيلم متواضع وطموح بعيد عن سينما هوليود وبإمكانيات محدودة ويمثل في أحد الأوجه السينما المستقلة الأمريكية لكنه يعزز فكرة حقوق المثليين، فيلم صادق في نهجه لكنه قاطع في نتائجه. من النتائج والرسائل الواضحة في الفيلم حينما يطرد جورج من العمل، يعمل على إرسال رسالة لأحد الأبوين، مفادها أنه يطلب منهما أن يقولا لأبنائهم الحقيقة وألا يعملوا على ستر وإخفاء من يكون «جورج» ولماذا طرد من العمل، بل عليهما التفكير في كيفية معالجة المشاكل المطروحة. يطرح الفيلم مسألة المثلية وكيف يمكن التعامل بعدما أصبحت واقعا مفروضا من طرف المثليين وحركاتهم وجمعياتهم والمتعاطفين معهم، كما هو حال الشرطيين المثليين في الفيلم وما يمثلانه من تطبيق للعدالة والقانون، رغم مثليتهما فهما قادران على أداء المهمة المنوطة بهما.
يعمل المخرج باجتهاد كبير أن يبقى الفيلم ضمن حدوده التي لا تخدش الحياء، لا يتجاوز محيطه، مع جو أكثر احتواء، يتنفس مفاهيمه السابحة ضد التيار وفي الوحدة والعزلة القاتلة، وسط مجتمع ينبري من هذه العلاقات «المشبوهة» والمرفوضة بنظرات تسبقها التهم رغم التعامي عليها في بعض الأحيان.
سعى المخرج منذ بداياته السينمائية إلى معالجة القضايا الإجتماعية بنبرة فكاهية لاتخلو من السوداوية والنقد الموجه لما يعتري المجتمع من عيوب وأزمات في قوالب جريئة مع فيلمه الأول «الدلتا» (1996)، «تحت الأرض درجة صفر» (2002)، «الظلال الزرقاء الأربعينية» (2005)، «لعبة الزواج» (2007) ، «دع المصابيح مضاءة» (2012)، وصولا إلى فيلم «الحب غريب» أواخر 2014، ورغم أن الفيلم حصل على العديد من الجوائز من بينها، ترشيح لجائزة غوتان كأحسن فيلم، مشاركته في مهرجان سان سباستيان، حصوله على جائزتي ساتليت، كأحسن قصة وأحسن فيلم، ترشيحه في جوائز سبرايت المستقلة، حصوله على جائزة أحسن صورذكورية من طرف دائرة النقد السنوي لنقاد السينما خلال أواخر سنة 2014 وعلى امتداد 2015، تبقى النظرة المسيطرة عليه التطبيع مع المثلية ومع المثليين والترويج لطموحاتهم.
فلغة الفيلم تسعى لخدمة القضية التي يناقشها الفيلم وتصحيح مساراتها وذلك من خلال تسليط الضوء على عمل الزوجين المثليين تاريخياً: ألفريد مولينا «جورج»، وجون ليثغو «بين». الفيلم يحدد مع بطليه ميزات الشخصيتين إلى حد كبير، وكذلك فلسفته: بطريقته لرؤية العالم، هكذا، وبدون تلاعب.
يتجنب الفيلم التكلف: تصبح إشارته العاطفية ويصبح سرده يتغذى على حركات تقريباً مقترحة، بنظرات موجهة بشكل جيد، وكلمات تتوخى الدقة والكثافة.
فيلم «الحب غريب» فيلم يعكس طبيعية الأجواء بحضوره الصادق، ولكن لايعني أنه بسيط،على العكس من ذلك يغوص في حيوات معقدة وأحاسيس متشابكة وطفولات معقدة ويستخدم الموسيقى التصويرية ببراعة كبرى حيث تهيمن موسيقى «شوبين» لتمنح السرد رونقه وجماله في قوالب تصويرية جميلة.

فيلم «كارول»: حب بصيغة الشبهة

يعرض فيلم «كارول» (118 دقيقة/ 2015/انجلترا) للمخرج توود هاينيس، حكاية امرأتين سحاقيتين خلال سنوات العشرينيات من القرن العشرين، بخلفيات اجتماعية متعارضة مع مصالح مختلفة للغاية، وطريقة لرؤية الأشياء، تواجهان الحياة وتجدنها غير مفهومة بشكل متبادل ومذهل. الاختلاف منذ اللقاء الأول في المركز التجاري بمناسبة أعياد الميلاد، يبرز عالمان: الغنى والفقر. كارول امرأة تتمتع بالحياة الباذخة التي منحتها لها أنوثتها وجمالها، امرأة بشخصية قوية في ظل زوجها الذي يأخذ القرارات في اللحظات الأخيرة. وتريسي، شابة، بدون موارد مالية كبيرة، تعمل في مركز للتسوق، مع مستقبل واعد كمصورة. وبفضل جمالها يمكن أن تمنح فرصة عمل مع مجلة. وهذه الفرصة جاءت من مصالح جنسية بسيطة وليس بفضل موهبتها. كلا المرأتين تعرفان وضعهما الاعتباري والمادي، وهنا نصل إلى المرحلة الصعبة في الحكاية، تشابك العلاقة عاطفيا بين المرأتين، بعد مجموعة من التوجسات والاحتكاكات الخفيفة وجس النبض تستطيع كارول بفضل شخصيتها القوية وكذلك وضعها المادي من البداية رسم ملامح علاقة مع الشابة الأخرى، من خلال حركات باليد وباللمس وبالنظرة العاشقة من سقوط في براثين كارول، تستجيب له الشابة تريسي، وبعد سلسلة من اللقاءات في المقهى وفي المنزل. تتخذ الحكاية طابعا جديا لتنتقل الكامير إلى اللحظات الحميمية بين المرأتين في مشاهد مطولة استغلها المخرج بشكل كبير.
استخدم المخرج أساليب بصرية رومانسية تعتمد على لقطات بانورامية وقريبة في أجواء تساقط حبيبات الثلج لخلق أجواء حميمية. أولا لتمثيل الجمال بصيغة استعارية منبثقا من المعاناة النفسية والدرامية، ثانيا نظرات مغرية وفاتنة وثالثا ذكريات ليلة لاتنسى، وأحلام منكسرة من واقع قاس لحب لا يبدو مرحبا به في الزمان والمكان المناسبين، تاركا البطلتين محكومتين بنظرات الآخرين القاتلة، والذنب لايغتفر.
يأتي مشهد هروب الأبناء من المنزل كصيغة من الاحتجاج على أن الأم مثلية، وكذلك الزوج بما أوتي من كبرياء في محاولة استرجاع العلاقة التي فقدها منذ فترة.
وعلى غرار مقولة «الرواية ذات طبيعة جنسية عادية، على العكس من ذلك فالشعر هو شاذ جنسيا (مثلي)»، يستخدم المخرج الجانب الشعري لتحطيم متواليات السرد القابل للتنبؤ بمجريات الحكاية، مع مرعاة الغضب والرغبة المشتعلة، بعيدا عن الموضوع المكرر، وقصص السحاقيات في سياقاتها الاجتماعية والثقافية.
يعتمد المخرج أندرو هاينيس على شخصيات قريبة من بيوغرافيته كما هو الشأن في «غريك بيث» (2009)، والذي يتحدث عن سينمائي مثلي ورجل في الـ (42) من عمره. كما لايمكن نسيان الفيلم الانجليزي «45 عاما» (2015) والذي يتحدث عن الثيمة نفسها.
كلمة أخيرة تبقى السينما العربية حذرة وبعيدة عن ثيمة المثليين أو تتناولها بنوع من الاحتشام في زخم الأحداث لأن الإقتراب من هذه المواضيع يخلق هزات بركانية تسبقها أحكام القيمة المسبقة ويصبح المخرج والممثلين في خانة واحدة ومعهم النقاد: التطبيع مع الفساد وتدمير قيم المجتمع الأصيلة التي لايأتيها الباطل إلا من خلال التعامل مع الأخرين.

عبدالله الساورة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية