في تعليق للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي لتبرير سبب تدخله في قضية أزمة حزب «نداء تونس»، الذي يشهد صراعاً على قيادته بين ابنه حافظ السبسي وأمينه العام المستقيل محسن مرزوق، قال قبل أيام إن جهات دولية اتصلت به وأن «المسؤول الكبير» حكى معه شخصيا، وعاتبه على ما يحصل قائلاً: «أنت موجود وهذا يحدث!»، الأمر الذي حفز السبسي الأب على التدخل، كما قال، لأن المسألة «أصبحت تهم استقرار تونس وصورة تونس في الخارج… ولذلك رأيت أن من واجبي التدخل».
وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت عملياً جهاز محاسبة أعلى للمؤسسات والمسؤولين ووسيلة الناس في التأثير المباشر في الشأن العام، سارعت لنقل موجة من السخرية والتندر والمساءلات حول «المسؤول الكبير» إيّاه الذي استنكف السبسي عن ذكر اسمه، إمّا لأن الشخصية معروفة فلا تحتاج تعريفاً، أو لأسباب أخرى لا يمكن تعميمها على «عامّة الشعب»، ويفضّل أن تبقى في إطار المجاهيل والمعمّيات.
غير أن تعليقات المعلّقين، وبينهم نواب، كالسيدة سامية عبو، والتي قالت «إذا استوجب الأمر سأخرج في مظاهرة في اتجاه قصر الرئاسة بقرطاج لمعرفة هويّة المسؤول الكبير»، جعلت استنكاف الرئيس السبسي عن ذكر اسم ذاك المسؤول الذي يستطيع أن يحاكم (أو أقلّه يعاتب ويحاسب) رئيس جمهورية منتخب في دولة مستقلة ذات سيادة، مناسبة لفتح باب التخمينات في قائمة الشخصيّات، والدول، ذات الدالّة على تونس ورئيسها.
بعض التخمينات الساخرة (التي تبطن الجدّ) نشرت صورة للرئيس التونسي يستقبل وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مستخدمة توصيف السبسي «المسؤول الكبير»، ولا بدّ أن تعليقات ساخرة ستوسّع الدائرة لتتضمن شخصيات أخرى ذات نفوذ وتأثير و»تستحق» أن تتنافس ضمن قائمة القادرين على المحاسبة والمعاتبة والتأنيب، في تونس، كما في غيرها من بلدان العرب.
غير أن هذه الحادثة بالذات، وصدورها عن السبسي شخصيا، يثير القلق والانزعاج لأنه الرئيس الذي يحكم البلد العربي الوحيد الذي يستطيع الحاكم فيه أن يزعم أنه يحكم بناء على أسس الديمقراطية والانتخاب الحقيقيّ بعد ثورة شعبية قلّ فيها العسف والقمع، مقارنة بغرق أخواتها العربيات في بحور الدم، وزاد منسوب التوافق واللجوء إلى أحكام السياسة ومؤسساتها.
وليس غريباً تكشّف حالة تآكل زعم السيادة مع تصاعد الأزمة الكبيرة التي تعصف بالحزب الذي أنشأه السبسي، وأدت، حتى الآن، الى استقالة 17 نائباً، بينهم الأمين العام للحزب، و42 عضواً في مكتبه التنفيذي، وسببها المعلن هو الصبغة العائلية الطاغية والتوريثية التي رفعت سهام حافظ السبسي، ابن المؤسس، وفرضته زعيما على حزب جماهيري، ولو أدّى ذلك إلى انحسار شعبية هذا الحزب والانشقاقات الواسعة عنه.
استخدام السبسي لـ»عتاب المسؤول الكبير» له لتبرير تدخّله في شؤون «نداء تونس» يفترض أن ذاك «المسؤول الكبير» يطالبه بخرق الدستور التونسي لتثبيت دكتاتورية توريثية، وهو أمر عجيب حقّاً، يُفهم منه أن طلبات «الخواجات»، أعلى شأناً من الدستور والديمقراطية التونسيين، وهو، إن صحّ، فإنه يسيء للمسؤول وللسائل.
باختصار: السيادة الوطنية محكومة بالتآكل حين تعلو نزعات التسلّط وتتراجع المصداقية السياسية للحاكم.
رأي القدس