عمان- «القدس العربي»: لطالما اعتبرت الترجمة من الحقول المعرفية الرصينة جدا، والتي تتطلب من صاحبها قدرة كبيرة على الربط الشامل بين الخبرة في مجال الترجمة والمعرفة في شتى مجالات الحياة وخاصة الحقول التي تتم الترجمة فيها سواء أكانت علمية أو أدبية أو تكنولوجية وغيرها.
أما فيما يخص الترجمة الأدبية، فقد اُعتبرت فنا قائما بذاته لما تضمه من جماليات خاصة في اللغة والتعابير، حيث لا يقتصر جهد المترجم على قراءة النص وكتابته فقط، بل انتقاء اللغة المناسبة للموضوع الذي هو بصدد ترجمته والحفاظ على التركيز الشكلي والوحدة الموضوعية في النص الأدبي.
يؤمن الاكاديمي والمترجم الأردني محمد عصفور أن الترجمة فنٌّ مليءٌ بالمزالق يتطلَّب الكثير من الحذر في اختيار الكلمات والمصطلحات لأن القواميس الثنائية كثيراً ما تخذل المترجم. موضحا «القواميس شيءٌ قد نبدأ به، ولكننا مضطرّون لأن نتجاوزه ولأن نعتمد على خبرتنا الذاتية ومعرفتنا العميقة بثقافة النصّ الأصلية والثقافة المستهدفة لأن القواميس تتعامل مع المفردات خارج سياقاتها، بينما يتعامل المترجم مع المفردات والتراكيب في سياقات كثيراً ما تكونُ حسّاسةً تستدعي الكثير من اليقظة ورهافة الإحساس».
وبدأ عصفور حديثه في المحاضرة التي قدمها في رابطة الكتاب الاردنيين في العاصمة الاردنية عمان، وأدارتها دعاء سلامة حول «مشكلات لغوية وثقافية في الترجمة»، بالاشارة إلى استعارة اللغات من بعضها الآخر كلما دعت الحاجة، وأن اللغة الإنكليزية التي تحظى بالهيمنة على الثقافة المعاصرة لم يكن هذا وضعُها دائماً، وما أغناها هو استعدادُها الدائم للاستعارة من اللغات الأخرى، لا سيّما الفرنسية واللاتينية واليونانية. وأضاف عصفور «وبسبب كثرة تدفُّق الكلمات الأجنبية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، قام جون جيك وهو أستاذ لغة في جامعتي كمبرج وأوكسفورد على تخليص اللغة الإنكليزية من الكلمات ذات الأصول غير الأﻧجلوسكسونية رغم أنه كان أستاذاً مرموقاً للغة اليونانية. ولكنه لم ينجح بطبيعة الحال لأن الكلمات التي دخلت إلى لغته من اللغات الأخرى صارت جزءاً لا يتجزَّأ منها.
وحول مثل هذه المصطلحات ثار الصراع بين المحافظين على نقاء اللغة وبساطة تعبيرها من ناحية وبين الكتّاب الذين لا يملّون من استيراد الكلمات الصعبة التي تدعى بالـ inkhorn terms أو المفردات غير المتداولة التي يستمدُّها المؤلِّفون من بطون الكتب أو ينحِتونها من عناصر غير إنكليزية الأصل.
وفيما يخص الإنكليزية والعربية في مجال استعارة الأسماء، أوضح عصفور ان الإنكليزية- خلافاً للغة العربية- فيها من الاستعداد لاستعارة أسماء الأشياء المادِّية قدْر ما فيها من الاستعداد لاستعارة الكلمات التي تدلّ على المفاهيم والأفكار، مضيفا «فلو نظرنا إلى مجموعتين فقط من المصطلحات الدالَّة على المفاهيم والأفكار وهما مصطلحات الموسيقى وعلم البلاغة لوجدنا أن الغالبية العظمى من أسماء الآلات والمصطلحات الموسيقية مستعارة من اللغة الإيطالية وأن الغالبية العظمى من المصطلحات البلاغية مستعارة من اللغة اليونانية إما مباشرة أو عبر اللغة اللاتينية. أما اللغة العربية فإنها تتقبَّل الأسماء الأجنبية للأشياء الجديدة ولكنها تحجم عن تقبُّل الأسماء الأجنبية للمفاهيم والأفكار وتحاول جاهدة إيجاد مقابلات لها من عناصرها الداخلية. فهي تقبل مثلاً دخول radio ولكنها لا تتقبَّل radioactive، وتتقبل دخول كلمة computer ولكنها لا تتقبَّل computerization».
أما عن الصعوبات التي تواجه المترجمين عندما يواجهون مصطلحات تدلُّ على المفاهيم والأفكار، وليس على الأشياء أو الجمادات، فهذه- بحسب عصفور- لا يجد المترجمون صعوبة في استيرادها مع قدر من التحوير يناسب طبيعة اللغة العربية من حيث بنيةُ الكلمات وأصواتُها. وتحدث عصفور في محاضرته عن أربعة من المشكلات التي تواجه المترجم وهي عجز القواميس العربية والثنائية عن تقديم المعونة للمترجم في كثير من الأحيان، واستحالة التعبير عن بعض هذه المفاهيم بكلمة واحدة في اللغة المستهدفة، وضرورة الالتزام بالمصطلح الفنّي، وصعوبة نقل الإرث الثقافي الذي تحمله الكلمات والمفاهيم.
وأشار عصفور إلى الأوهام التي يقع فيها كثير من المترجمين ومن واضعي القواميس الثنائية وهي الاعتقادُ بأن الكلمةَ الأجنبيةَ الواحدةَ يجب أن تُترجَم بكلمةٍ عربيةٍ واحدةٍ رغم ما يفرضه ذلك من تعسُّف وتشويه لطبيعة اللغة العربية. وأغلبُ الظنِّ أنَّ السبب وراء مشتقّات قاموس «المورد» الغريبة هو هذا الاعتقاد بأنه ما دامت الكلمةُ الأجنبيَّةُ كلمةً واحدةً فلا بدَّ من إيجاد مقابلٍ مماثلٍ من حيث العدد. ولكنَّ هذه الظاهرةَ أوسعُ من أوهامِ البعلبكي لأنها مستشريةٌ عند الكثيرين ممَّن لا يحرصون على سلامة اللغة العربية.
ومن الأمثلة التي ضربها عصفور على المشاكل التي تواجه المترجم فيما يخص الإرث الثقافي، أن الكلماتِ التي تدلُّ على الأفكار والمفاهيم كثيراً ما تكون محمَّلةً بإرثٍ ثقافيّ يصعُبُ نقلُه من ثقافة إلى أخرى إلاّ بالشرح والتأويل لأن الاكتفاء بكلمة واحدة- بافتراضِ وجودِ كلمةٍ كهذه- كثيراً ما يُفسد المعنى. خذ مثلاً كلمةً أخذت تشيع في أيّامنا هذه، وهي fundamentalist. تُستعمَل في هذه الأيام وصفاً لفئة من المسلمين عندما يُراد إلصاقُ صفةِ التطرُّف بها للإيحاء أيضاً بإمكانية الميول الإرهابية لدى أفرادها.
وأضاف «إن الترجمة المعتادة التي تتداولها الصحفُ ونشْراتُ الأنباء هي تلك التي تصف أفرادَ هذه الفئة بالأصوليّين. فهل هذه هي الترجمة الصحيحة؟ فلنتذكَّر أن المصطلحَ الأجنبيَّ له أصولٌ دينيَّةٌ مسيحيَّةٌ، وأن من يُدْعَوْن بالـ Evangelists في الولايات المتَّحدة في هذه الأيّام أصوليّون بهذا المعنى. وما تدلُّ عليه الكلمةُ في الديانة المسيحية هو الإيمان بأن كلَّ ما وَرَدَ في الكتاب المقدَّس صحيحٌ بحرفيَّته. وهذا المعنى ينطبق على إيمان المسلمين أيضاً فيما يتعلَّق بكلِّ ما وَرَدَ في القرآن الكريم.
آية الخوالدة