سوسيولوجيا اللجوء

حجم الخط
1

ليست ظاهرة اللجوء بحديثة، بل تعود إلى أيام الفراعنة والفينيقيين، ولعلّ أشهر لاجئ هو النبي يوسف وأخوته بعد لجوئهم إلى مصر حوالي العام 1650 ق. م، بسبب المجاعة.
تنصّ المادة (14) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنّ:
« لكلّ فرد حقّ التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتّع به خلاصاً من الاضطهاد» .
تبدو كلمة لاجئ كصفة مكنّاةً لفرد ما، كافية لتبدو مذمّة له، وترى التأفّف بادياً على مُحيّاه، فهي تمتدّ على سيلٍ مفتوح من الصفات، كالعوز والحاجة. لكنّ الأمان يتصدّر كلّ الاحتياجات.
ينبغي التجرّد من أيّة تصورات مسبقة، بل وحتى من قيمنا الذاتية، كشرط أساسي لفهم العالم الداخلي للاجئ.
نظرة التفهّم المليئة بالشفقة تثقل على من غادر بلاده مكرهاً تحت وطأة الاستبداد ولعنة الحرب، لا عوزاً كما هي حال السوريين في أوروبا.يهجس سكان البلاد الأصليون: « إنهم يأتون اليوم لقضاء الغد أيضاً». ر فيما اللاجئ يهذي: لمَ أنا هنا؟
الثابت أنّ اللاجئ مهما وارى في نفسه، وجلد روحه، يعيش هشاشة فظيعة تأكل منه كل لحظة، يخضع لسلطانها ويناجي من ينتشله منها، ويضطرب مفتقداً أيّ توازن داخلي، فاللاجئ المنفي هو أحد أكثر الأقدار مدعاةً للكآبة. (أدوارد سعيد)
بدء حياة أخرى جديدة تبدو ملحّة وإن كانت تجبّ كلّ الذكريات السابقة في الوطن البعيد، لتلحّ عليه فتتحوّل إلى حنين هوسيّ. قال بلزاك: « المرء لا يصل مرتين «. يغدو اللجوء وقت إعادة نظر، في الذات وفي الهوية، ليوضع كل شيء محلّ تساؤلٍ وشكّ، فتكاد الروح نفسها يأكلها الخوف.
(لاجئ) تصبح مرادفة لكلمة (أجنبي)، لتزيد من لا استقراره إذ يقرأ سكان البلاد في ذلك غزواً صامتاً لبلادهم، فيعاني تحت وطأة ما يعتبره نظرة دونية له. تحضر مسألة اندماج اللاجئين في المجتمعات الأوروبية، لكنّها ليست إعلان رغبة، ثمّ يكون كلّ شيء على ما يرام، وليس اللاجئ وحده من يحدّد مآلاته، بل يتطلّب سعياً وانسجاما وتناغما مع أهل البلاد.
يتأرجح اللاجئ، بين ثقافته الأصلية بروابطها العائلية المجتمعية القوية، والثقافة الجديدة المستوعبة لكلّ الحرّيات الشخصية. يسعى للتكيّف مع حالته الجديدة مدفوعاً بإثبات الذات، لكسب خصائص سكّانه الأقرب إلى السمات الشخصية كالالتزام بالوقت والمواعيد والمرونة، ولا تغيب المطبّات والارتدادات إذ ذاك، ليبدو كمن لن يصل أبدا.
واللاجئ في نموذجه السوري تبدو روحه معذّبة هشّة، لا تجد لنفسها مستقرّاً على طول الأرض، بعدما رضخ لإرادة أطراف الحرب المشتعلة على امتداد بلاده، المقبلة على أفولٍ أبديّ ربّما.
يحمل جواز سفره، ملء يديه، بابتسامات كئيبة خجولة ممزوجة بالأسى اللا منتهي، ويصحّ عليه ما قاله (هال بفاكس) تلميذ الفرنسي (أميل دوركايم):
« تتدفّق المياه من حوض لآخر. من منبع النهر إلى اللحظة التي يرتمي فيها في وادٍ آخر أو في البحر. » وحتى اللحظة لم يجد السوري له مستقرّاً ومصبّاً. يخضع في سلوكه، ولا وعيه، لما يتجه إليه جموع السوريين، بينما تنطلق سياسات دول اللجوء في التعامل مع ظاهرة اللجوء، من هواجسها الأمنية التي توحي وكأن اللجوء فعل انحراف، قبل دوافعها الإنسانية.
لا ينبغي النظر للجوء واللاجئين وفق نمطية ثابتة، ومن لحظة معينة ومكان أو حدث معيّن أو نماذج فردية فقط. اللجوء ما زال مفتوحاً على احتمالات وأنساق عدة وتحوّلات قادمة.
يقول محمود درويش في (مديح الظلّ العالي):
القمح مرٌ في حقول الآخرين
والماء مالح
والغيم فولاذ وهذا النجم جارح
وعليك أن تحيا وأن نحيا
وأن تعطي مقابل حبة الزيتون جلدك
كم كنت وحدك يا ابن أمي

عبد الحميد محمد ـ سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية