أزمة أسعار النفط تضر بالعراق والأكراد وتعوق الحملة على تنظيم «الدولة الإسلامية»

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: ما هي أبعاد استمرار هبوط أسعار النفط الجيوسياسية وتأثيراتها على العلاقات الدولية؟ سؤال ملح ومهم خاصة للاقتصادات التي تعتمد في مداخيلها الوطنية على تصدير النفط الخام.
وفي ضوء التراجع المستمر خفضت المصارف الكبرى مثل ستاندرد تشارتر وغولدمان ساكس وأر بي سي وستانلي مورغان من توقعاتها حول أسعار النفط وقالت إن سعر برميل النفط قد يصل في عام 2016 إلى 10 دولارات.
وتظل أخبار هبوط النفط مفرحة للمستهلك الغربي حيث توقعت شركة «أر إي سي» البريطانية أن يصبح سعر ليتر النفط أرخص من قنينة الماء. إلا أن استمرار هبوط النفط وإن نتج بسبب ضعف الطلب العالمي عليه ونظراً لإصرار المملكة العربية السعودية على الحفاظ على حصتها من السوق لكن هذه العوامل لا تفسر كليا الهبوط المستمر في أسعاره وترتبط بطريقة أو بأخرى بالتقلبات في قيمة الدولار وأسعار الأسهم.

مخاطر

تعتقد صحيفة «الغارديان» في افتتاحيتها أن الجغرافيا السياسية المتعلقة بإنتاج النفط والتوقعات المرتبطة به تظل دائما محفوفة بالمخاطر. ومهما كانت أهمية الإنتاج فسعر النفط الخام لم يكن أبدا المحرك الحقيقي الوحيد الذي يحرك الأحداث.
فربما حصل اهتزاز عالمي إذا استمر الهبوط. وتشير إلى أن سعر النفط الخام، عالياً كان أم منخفضاً أثر خلال العقود الأربعة الأخيرة على العلاقات الدولية والتطورات السياسية مشيرة للهزات النفطية في السبعينات والتي قامت بتشكيل الفضاء العالمي وأعطت أهمية جديدة للشرق الأوسط.
وقاد انهيار أسعار النفط في الثمانينات من القرن الماضي لانهيار الاتحاد السوفييتي بسبب انهيار العائدات من صادرات النفط الخام. وجاء احتلال صدام حسين للكويت عام 1990 مدفوعا بطموح لاحتلال أراض جديدة في وقت كان يعاني فيه من ضائقة مالية.
وفي الجزائر وهي دولة أخرى تعتمد على واردات النفط أدى انهيار اسعار النفط وتراجع سعر برميل النفط الخام إلى 10 دولارات إلى انتصار الإسلاميين في الانتخابات وما تبع ذلك من انقلاب وحرب أهلية. وكل هذا يجعل من الصعوبة بمكان رسم صورة عن الرابحين والخاسرين من الأزمة الحالية. وتضيف «الغارديان» إن الليبراليات الديمقراطية استفادت من نهاية الكتلة السوفييتية ولكن من الصعب الجدال أن هبوط أسعار النفط جلب السلام والإستقرار للعالمين الإسلامي والعربي. وتلاحظ أيضا أن تراجع أسعار النفط العالمي أدت لتلاشي الآمال حول استمرار القوى النامية بتحديث وتطوير اقتصادياتها بحيث تصبح قوى مؤثرة في النظام الدولي. فالكثير منها عولت على بضاعة بسعر عال ولكنها الآن تهبط بشكل مستمر.
وكما قالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد هذا الأسبوع فستواجه هذه الدول «واقعا جديدا» من النمو البطيء وخوفا متزايدا مما سيأتي. وكمثال عن حالة المجهول التي تتسبب بها أزمة أسعار النفط هي البرازيل التي وصفت مرة بالمحامية عن دول جنوب العالم وهي تعاني اليوم بسبب التحديات التي تواجه اقتصادها والتي زادت سوءاً بسبب الفضيحة التي تتركز حول شركة النفط العملاقة «بتروبراس».
ونظرا لأن البرازيل تعتبر ديمقراطية فانتشار الفوضى وعدم الاستقرار ليست أخبارا جيدة. ولن يساعد هبوط أسعار النفط الحكومة في نيجيريا والتي تعتبر أول منتج للنفط في أفريقيا وفي وقت تعاني منه البلاد من حرب تخوضها ضد شبكات الجهاديين التي تنتشر في المنطقة وخارجها.
وتعلق الصحيفة أن الغرب سيرحب بهبوط أسعار النفط والضرر الذي سيحدثه في هذه الدول خاصة إن كانت منافسة وعدوة مثل روسيا فلاديمير بوتين.فالرئيس الروسي مصمم على إعادة بلاده كلاعب مهم على المسرح الدولي وعبر عدد من المغامرات العسكرية في أوروربا والشرق الأوسط.
وستضعه أزمة النفط أمام معادلة جديدة ومختلفة. وأعلنت موسكو عن خفض نسبة 10٪ من الإنفاق العام وهي إشارة للضربة المزدوجة التي تعرضت لها روسيا بسبب العقوبات الإقتصادية وسعر منخفض للبترول، ذلك أن اقتصادها لا ينتعش بدون استقرار لسعر النفط بقيمة 100 دولار للبرميل الواحد.
وقد تجد أنظمة أخرى تأثرت بتراجع أسعار النفط نفسها مضطرة للغوص عميقا في صناديقها السيادية وأرصدتها من العملة الأجنبية للتعويض عن الأسعار المنخفضة للنفط ولكنها لا تستطيع الإستمرار في هذا لمدة طويلة.
وتعتبر فنزويلا مثالا آخر عن الشرك الذي وقعت فيه الدولة جراء لعنة البترول، فهي تعتمد بشكل كلي عليه وقدمته على حساب تبني سياسات التحديث والتنويع في مواردها الإقتصادية.
وستترك أزمة أسعار النفط آثارا إقليمية على المنطقة وخاصة النموذج «البوليفاري» حيث شعرت دول مثل كوبا التي طالما حصلت على نفط مدعوم من فنزويلا بترددات الأزمة وبدأت والحالة هذه فصلا جديدا في العلاقات مع الولايات المتحدة.
ولكن الأزمة بدت آثارها أكثر وضوحاً في الشرق الأوسط. فالسعودية التي تقف وراء هبوط أسعار النفط على أمل إضعاف منافستها إيران التي ستعود للتصدير بعد رفع العقوبات عنها تواجه هي ودول الخليج الأخرى المصدرة للنفط تحديات محلية. وقد يؤدي هذا لتخفيف العداء على المدى القصير وقد يغذيه حيث تحاول الأنظمة البحث عن طرق لحرف الأنظار عن الأزمات.
ومن هنا فقد ترد روسيا بهذه الطريقة ولكننا لا نعرف الطريقة التي سترد بها الصين. وهذا يثبت حسب الصحيفة أن النفط يؤثر ويشعل حروباً على كلتا الحالتين ـ عندما تكون أسعاره عالية وكذا عندما تهبط أسعاره.

ثمن النفط

وتعلق صحيفة «فايننشال تايمز» على وضع المنطقة العربية في ظل الأزمة الحالية، حيث كتب آلان ليفسي إن سعر نفط رخيص له ثمنه على الشرق الأوسط.
وقال إن أسعار نفط رخيصة تعتبر مريحة للدول المتطورة فقد أدى تراجع سعر الديزل لزيادة الطلب عليه في الولايات المتحدة وزيادة الإستهلاك بنسبة 4٪ في العام الماضي.
ويقول الكاتب هنا إن النتائج الإيجابية هذه في الغرب قد تكون مدعاة لأن تعيد السعودية التفكير باستراتيجيتها القائمة على «ضخ نفط كثير وبأي ثمن».
ويوافق الكاتب على ما جاء في صحيفة «الغارديان» عن أن أسعار طاقة منخفضة قد تترك أضرارا مثل الطلب الكبير عليها. وقد أضرت المداخيل القليلة من النفط باقتصاديات مثل السعودية وبقية الدول المصدرة للنفط.
وفي هذا العام سيشهد الإقتصاد السعودي بطئا في النمو لم يشهده منذ عام 2009 وبعجز في الدخل القومي العام بنسبة 15٪. ونتيجة لهذا فسيعاني الطلب على النفط في الشرق الأوسط. ففي عام 2014 استهلكت المنطقة 9 ملايين برميل نفط في اليوم حسب «برتيش بتروليوم (بي بي)» واستهلك معظمه في السعودية والإمارات وإيران. وتستهلك الصين التي تعتبر ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم 11 مليون برميل في اليوم. ويتم حرق مليون برميل نفط كل يوم في الشرق الأوسط لتوليد الطاقة.
وسيؤدي بطء النشاط الإقتصادي إلى التقليل من انتاج الطاقة واستهلاك النفط. والطلب على النفط في الشرق الأوسط مهم، ففي العقد الأول من القرن الحالي حتى عام 2014 توسع الإستهلاك فيه بشكل سريع أكثر من أي منطقة بما فيها منطقة آسيا والمحيط الهادي. ولم يختلف الإستهلاك والزيادة فيه عن ذلك الذي حصل في الولايات المتحدة والصين. وعليه تقول الصحيفة إن هبوط أسعار النفط دفعت الوزراء السعوديين للتفكير في عرض حصة من شركة أرامكو في البورصة.
ولكن محاولة التقليل من العجز في الميزانية من خلال تخفيض الدعم الحكومي على النفط يعني زيادة ثمنه على المستهلكين. وزادت أسعاره في الشهر الماضي في كل من السعودية والإمارات بنسبة الثلثين.

العراق والأكراد

ليست دول الخليج المتضرر الوحيد من الهبوط المتزايد في أسعار النفط بل أيضاً الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» حسب صحيفة «نيويورك تايمز» والتي قالت في افتتاحيتها إن المسؤولين العراقيين والأمريكيين الذين يقودون حملة عسكرية ضد تنظيم «الدولة» عليهم مواجهة تحد جديد يمكن أن يغير مسار الحرب ألا وهو: هبوط أسعار النفط.
ويواجه إقليم كردستان شبه المستقل في شمال العراق دينا عاما بقيمة 18 مليار دولار وهو ما عوق قدرته على دفع رواتب الموظفين وقوات الأمن. وهذا أمر مثير للقلق لأن قوات الأمن الكردية لعبت دورا مهما في وقف تقدم مقاتلي تنظيم «الدولة». وفي الوقت نفسه تحاول حكومة بغداد البحث عن طرق تتجنب فيها عجزا في الميزانية هذا العام.
وحصل المسؤولون العراقيون في العام الماضي على قرض من البنك الدولي بقيمة 1.7 مليون دولار وتوصلوا لاتفاق مع صندوق النقد الدولي يسمح للعراق بالحصول على قروض إضافية. ويعمل العراق على إعادة التفاوض مع شركات النفط العالمية حول شروط التنقيب عن النفط والتي لم تكن في صالح العراق في ظل استمرار هبوط أسعاره. ويسعى العراق للحصول على قرض من الولايات المتحدة بقيمة 2.7 مليار دولار لشراء معدات عسكرية.
وتقول الصحيفة إن مشاكل الميزانية العراقية تثير قلق المسؤولين في واشنطن.
وتطالب الصحيفة بمعالجة مشاكل العراق الإقتصادية مع اعترافها بعدم وجود شهية لدى الأمريكيين لتمويل بلد تم فيه تبذير وسرقة كميات هائلة من الأموال الأمريكية بعد الحملة التي تم التخطيط لها بشكل سيئ عام 2003.
وترى أن تدهور الأوضاع الإقتصادية في البلاد قد يدفع عددا جديدا من العراقيين للانضمام لموجات المهاجرين من الشرق الأوسط مما سيعقد عمليات بناء وإعادة إعمار المدن التي تم استعادتها من تنظيم الدولة الإسلامية.
ونقلت الصحيفة عن السفير العراقي في واشنطن لقمان الفيلي قوله «طلبنا من شركائنا وحلفائنا زيادة مساعداتهم العسكرية». وأضاف في رسالة بالبريد الألكتروني «العراقيون مستعدون للقتال على الأرض ولهذا فنتوقع من المجتمع الدولي أن يزودنا بالدعم العسكري واللوجيستي حتى نشن الحرب بكفاءة».

ليس كالماضي

وترى الصحيفة أن مساعدات مالية كتلك التي قدمتها أمريكا لكل من العراق وأفغانستان في السابق يجب أن تكون خارج التفكير. ويمكن للولايات المتحدة تقديم الدعم الفني ومساعدة الحكومة العراقية على تأمين قروض من المؤسسات الدولية. وتضيف أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يفرض على العراق القيام بإصلاحات مفيدة على المدى البعيد.
وتضم هذه محاولات لفطم البلد عن اعتماده الكلي على موارد النفط وقطع التبذير في النفقات التي يقوم بها مسؤولو الحكومة. ويفكر العراق في إجراءات فكر فيها قبل فترة بما في ذلك مكافحة الفساد والتقليل من نفقات الدولة على الرواتب وإصلاح نظام الضريبة.
ويقول الفيلي «بطرق أخرى فالتحديات الإقتصادية هي فرصة لترتيب بيتنا الداخلي». وتدعو الصحيفة بغداد لمعالجة الأزمة المالية التي تواجهها حكومة إقليم كردستان. وكانت المنطقة الكردية المكونة من ثلاث مناطق تحصل على حصة من الميزانية العراقية حتى عام 2014 عندما توقفت بغداد عن الدفع بسبب الخلافات حول موارد النفط من حقول الشمال.
ورغم قيام المسؤولين في كردستان العراق بأخذ ودائع من فرعين للبنك المركزي العراقي إلا أن حكومة الإقليم ليست قادرة على دفع الرواتب. وتعترف الصحيفة أن تحقيق تسوية حول الميزانية بين إقليم كردستان وحكومة بغداد لن تكون سهلة لأن الخلاف حول موارد النفط في الشمال لا يزال بدون حل.
ولكن الولايات المتحدة والمنظمات الدولية تبذل جهودها لتخفيف أزمة الميزانية. وتختم بالقول إن السماح باستمرار الخلاف سيعقد حله ويمنح مساحة للتنفس أمام تنظيم الدولة. وتعتبر مكافحة هذا من أولويات الإستراتيجية الأمريكية في العراق.

كارتر متفائل

وكان وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر قدم يوم الأربعاء تقييما متفائلا حول الحملة العسكرية في العراق وسوريا.وجاء تقييمه بعد ساعات من خطاب حالة الإتحاد الذي ألقاه باراك أوباما يوم الثلاثاء وتحدث فيه عن إنجازات إدارته.
وأشار إلى إن العملية العسكرية ضد الجهاديين تسير سيرا حسنا وذلك بعد نشر قوات العمليات الخاصة والتي «تولد دائرة من النجاحات الجيدة» ضد التنظيم المتطرف. وتحدث كارتر في قاعدة فورت كامبل – بولاية كنتاكي أمام مجموعة من الجنود قبل سفرهم للعراق. وأثنى كارتر على الجهود التي تقوم بها القوات الأمنية العراقية التي استعادت بدعم من الطيران الأمريكي مدينة الرمادي الشهر الماضي. وأشار وزير الدفاع إلى الجهود التي تقوم بها الولايات المتحدة لقطع خطوط الإمدادات وخنق موارده المالية وتدمير منشآت النفط مما «قيد حركته على الدفاع عنه نفسه أو الهجوم».
وأكد «لم نحقق فقط زخماً ولكن عملنا أكثر من هذا ونقوم بملاحقة تنظيم الدولة في العراق وسوريا على أكثر من جبهة أكثر من أي وقت مضى». وسترسل القوات الأمريكية في الشهر المقبل 500 جندي من الفرقة 101 المحمولة جوا إلى العراق والكويت كجزء من عملية «العزيمة الصلبة».
وفي الربيع المقبل سينضم 1200 جندي للقوات الأمريكية في العراق ومعظمهم سيتولى مهام تدريب القوات العراقية. وأشار كارتر لوجود فرقة واحدة من قوات العمليات الخاصة تعمل إلى جانب القوات الأمنية العراقية. هناك 50 من عناصر الكوماندوز يعملون في سوريا إلى جانب الجماعات المسلحة «رغم أنني لا أستطيع تقديم تفاصيل لكنني أؤكد لكم أن هذه القوات أقامت اتصالات مع قوات جديدة تشاركنا الهدف.
وأقامت خطوط اتصالات جديدة مع الشركاء المحليين المدفوعة والقادرة وحددت أهدافا للغارات الجوية من كل الأنواع».
وأضاف أن القوات الخاصة ساعدت الشركاء المحليين للتركيز على مكامن ضعف تنظيم الدولة خاصة خطوط الإتصالات. وقال كارتر إن الجهود يجب أن تتوجه الآن لاستعادة مدينة الرقة في سوريا والموصل في العراق. وأكد على أهمية الدور الذي يجب أن تلعبه القوات الأمريكية في العمليات العسكرية المقبلة.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية