«حرامي» بختم النسر

■ في واقعة يتيمة فريدة، انتصر القضاء المصري أخيرا لحق الشعب المصري، وقررت محكمة النقض الإدانة النهائية الباتة لمــبارك ونجليه ـ جمال وعلاء ـ في قضية سرقات القصور الرئاسية، وتغريمهم 147 مليون جنيه، فــــوق السجن لثـــلاث سنوات، مع ما يتريب على الحكم في جريمة ماسة بالشرف والأمانة، من إنهاء اعتبارهم المدني، وحرمانهم جميعا من العمل السياسي، وترك المخلوع لمصير الموت بلا كرامة، وتجريده من أوسمته ونياشينه العسكرية، وعدم إقامة جنازة عسكرية لمبارك ـ الجنرال ـ حين يحل موعد الأجل المحتوم.
ومقتضى الحكم البات ببساطة، وهو عنوان الحقيقة، أن مبارك أصبح حراميا برخصة، ولصا بختم النسر، وباسم الشعب الذي تصدر باسمه ـ وبختم شعار الجمهورية ـ أحكام القضاء، التي تخلفت من قبل عن الإدانة الواجبة للمخلوع، بل حكمت محكمة جنايات ببراءته في القضية المعروفة إعلاميا باسم «محاكمة القرن»، والمعروضة لاتزال على محكمة النقض، وتضمنت اتهامه بقتل متظاهري الثورة وتصدير الغاز المصري لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، واستند قاضي الجنايات محمود الرشيدي، في التبرئة إلى أخطاء صورية في قرار الاتهام، بدت متعمدة من جهات التحقيق، وبهدف فتح الثغرات لبراءات بالجملة، حظي بها مبارك مع نجليه والوزراء وكبار جنرالات الداخلية، وجعلتهم يخرجون ألسنتهم للشعب، ويهزأون بالثورة وبأبطالها وأهدافها وشهدائها، وفي حملة عاتية للتكفير بالثورة، واعتبارها مجرد مؤامرة إخوانية، وشاركت بالدور المؤثر في حملة مسح المخ، فضائيات وإذاعات وصحف، يملكها ويديرها كبار اللصوص من جماعة «رأسمالية المحاسيب»، وبدعم مستتر وظاهر من جهاز الدولة نفسه، ومن قطاعات مسيطرة في الأجهزة الأمنية، وبهدف الإجهاز على معنى ومبنى الثورة، وغسل سمعة المخلوع وجماعته، وتبييض الفساد الذي رعاه وصنعه، وهو ما يبدو متصلا حتى بعد حكم محكمة النقض بالإدانة، في برلمان الفلول، الذي بدأ جلسات العبث والكوميديا السوداء، وفي لجنة عظيمة الشذوذ، شكلها الرئيس السيسي للتحقيق في «تقرير الفساد» الذي أعده هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات. وقد اجتمعت اللجنة على وجه العجلة، وقيل إن عملها قد يستغرق شهرا لفحص الوقائع الواردة في تقرير جنينة، فإذا بها تنهي المهمة في أقل من عشرة أيام، وتصدر بيانا سابق التجهيز غالبا، يصف الفساد في مصر بعبارة «ما يسمى بالفساد» (!)، وكأن اللجنة الموقرة تضيق بذكر كلمة «الفساد» في اللغة نفســــها، وتطالب بذبح جنينة بجرم فضح الفساد، وتعطـــي القط مفتاح الكرار، وتسلم السكين لما يسمى «مجلس النواب»، وهو مجرد سيرك فلولي، للتعجيل بالانتقام من هشام جنينة، وجعل «الرأس الطائر» عبرة لكل شريف يهاجم الفساد، وجعل شعار المرحلة «إمسك شريفا» بدلا من «إمسك حرامي»، وتكريم اللصوص، ومنحهم أوسمة الشرف، وتدبيج قصائد الغرام في الفساد الذي صار «قمة النظافة واللطافة»، وصرف الأنظار، والتشويش على حكم النقض البات بإدانة مبارك «أبو الفساد»، الذي لا يزال نظامه يحكم ويعظ، ويحاصر الرئيس السيسي، ويهيئ له قراراته، ويواصل عملية «تفليله»، وإجهاض دواعي الأمل الشعبي في رئاسته القلقة، التي يقتصر إنجازها حتى الآن على قاعدة عمل الجيش، بدون شفع الإنجاز بانحياز ضروري لأغلبية المصريين الساحقة من الفقراء والطبقات الوسطى، وبغير خوض معركة ذات مغزى ضد تحالف مليارديرات النهب وجهاز الدولة الفاسد.
إنها ـ مجددا ـ صورة «اللانظام» الذي يحكم مصر الآن، والذي تبدو خطواته مضطربة تائهة، ويتحول جهده الأساسي إلى حالة «القربة المقطوعة»، وبما ينشر الشعور باللاجدوى وعدم اليقين عند القواعد الشعبية الواسعة، فاختياراته الوطنية الصحيحة غير المكتملة، تقابلها وتصادمها اختياراته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية البائسة في الداخل بالذات، وتردده في خوض معركة واحدة ناجزة ضد الفساد المسيطر، ففي الوقت الذي تجري فيه إدانة مبارك قضائيا للمرة الأولى بعد الثورة، ويعاد رجل مبارك الأول حبيب العادلي، إلى قفص الاتهام مجددا، وفي قضية فساد بمليارات الجنيهات، وتصدر أحكام بالسجن ـ لا تنفذ ـ ضد رئيس وزراء مبارك أحمد نظيف، ووزير إسكانه إبراهيم سليمان، في الوقت الذي تتوالى فيه هذه الحوادث، وتثير أملا خافتا بإمكانية التوصل إلى عدالة ما، تصدمك التحركات الفعلية المعاكسة، ويجري ـ بالأمر الرئاسي ـ تمكين جماعة المخلوع مبارك من الحكومة ووزاراتها وإداراتها، مع الطواقم الاستشارية للرئيس نفسه، ويجري تمكين الفلول ـ بالأوامر والرعاية الأمنية ـ من البرلمان، ويجري تمكين فلولي بارز ـ كأحمد الزند ـ من القرار الفاصل في قضايا الكسب غير المشروع، فجهاز الكسب غير المشروع تابع لوزارة العدل ووزيرها الزند، الذي كان قرار السيسي الصادم بتعيينه وزيرا بمثابة حكم إعدام للعدالة، وإشارة للتخلص من الشرفاء في أي موقع مؤثر، وعلى طريقة ما يجري لهشام جنينة، الذي صار عنوانا للطهارة والإنصاف في الضمير الشعبي العام، ومع ذبح جنينة، يجري التصالح مع كبار الفاسدين في الكواليس والمساومات إياها، وعبر تعديلات فاجرة في قانون الكسب غير المشروع، تتيح التصالح مع الناهبين، ووقف المحاكمات وإلغاء آثارها، مقابل رد المليارات التي استولوا عليها، والتي جرى تصدير أرقام مهولة عنها لخداع الرأي العام، لكسب تعاطفه مع التصالح مقابل رد الأموال، وهو ما لم يحدث شيء منه على مدى شهور تلاحقت، بعد التعديل المشبوه، وغير الدستوري بالمرة، فلم يعد للدولة مليم واحد مما نهب، فوق أن أحدا من هؤلاء، لا يسجن إذا صدر حكم قضائي ضده. وكما جرى في حالة نظيف الذي تعاد محاكمته بدون أن يدفع مليما، وفي حالة سليمان الهارب داخل مصر لا خارجها، الذي تعمى عنه قصدا عيون الأجهزة الأمنية، ولم يرد مليما من الثلاثة مليارات جنيه المحكوم عليه بردها، فوق مئات المليارات التي لم يسدد منها لصوص الأراضي مليما، وبالطبع، فلم يسدد مبارك كبير اللصوص مليما إلى الآن من مبلغ 147 مليون جنيه المحكوم بها من محكمة النقض.
وحالة «التواطؤ مع اللصوص» متصلة للأسف على مدى خمس سنوات خلت، منذ ورغم قيام الثورة في 25 يناير 2011، وشارك في جرم التواطؤ حكم المجلس العسكري، ومن بعده حكم الإخوان، وصولا إلى الحكم الراهن.
فبرقيات هيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية وقت الثورة المصرية، تكشف أن الفريق سامي عنان ـ نائب رئيس المجلس العسكري ـ وعد مبارك بالحماية مقابل تخليه عن الرئاسة، وعرض أن يقيم مع مبارك في شرم الشيخ تأكيدا للحماية المتفق عليها، وجرت اتصالات مع عاهل دولة بترولية كبرى لضمان حماية أموال مبارك، وصدق مبارك الوعود، واحتمى بها لشهرين في مأمنه بشرم الشيخ، وإلى أن انقلبت المائدة على رؤوس الحاكمين وقتها، وطالبت مليونيات ميدان التحرير بمحاكمة فورية لمبارك وعائلته، فكان أن خضع المجلس العسكري، وقرر تقديم مبارك للمحاكمة بعد إتلاف وثائق الإدانة، وبترتيب قرارات اتهام مثقوبة، لا تؤدي سوى إلى تبرئة المخلوع في نهاية القصة، وبدعوى إجراء محاكمات بالقانون العادي، وهي الدعوى التي أيدها الإخوان وقت برلمانهم، ثم وقت حكم رئيسهم، ورفضوا مطالب الشارع الثوري بإجراء محاكمة مبارك طبقا لقانون «محاكمة رئيس الجمهورية بتهمة الخيانة العظمى»، ما أدى إلى نهاية فاجعة لقصة المحاكمات، فقد جرى إخلاء سبيل أعوان مبارك الكبار من عينة فتحي سرور وزكريا عزمي زمن حكم الإخوان، ثم انتهت محاكمة مبارك إلى التبرئة بعدها، وكان ذلك مما توقعناه من أول لحظات التحقيق مع مبارك، فالمحاكمات بالقانون العادي بعد ثورة خدعة مكشوفة، وخيانة أكيدة لمنطق الثورة نفسها، فالثورة ـ أي ثورة ـ حادث استثناء لا عملا من أعمال العادة، والثورة ـ طبقا لقانون العادة ـ جريمة قلب نظام حكم، وإجراءات المحاكمات العادية إياها، تنتهي بطبائع الأمور إلى إدانة الثورة وتبرئة الظالمين والفاسدين، وكان رأينا أن تجري المحاكمات بطريقة تليق بمقام الثورة، وأن يقضي فيها القضاة الطبيعيون، ولكن بقانون خاص، يجرم ما لا يجرمه القانون العادي، وهو ما التفت إليه القاضي الرشيدي في جلسة النطق بتبرئة مبارك، فقد قالها القاضي بوضوح، إنه لم يجد قانونا يحاكم به مبارك عن جرائم وآثام وخطايا ثلاثين سنة حكم مصر فيها، لم يجد قانونا يحاكم به عصابة الفساد والنهب والتوريث والإفقار والتعذيب وانحطاط الاقتصاد وتردي الخدمات العامة، وكان ذلك سبيلا لإفلات مبارك وجماعته من حكم العدالة، لولا أن الأقدار ساقت إلينا حكم محكمة النقض الأخير، وفي قضية القصور الرئاسية، التي هي مجرد عينة صغيرة وقطرة من مستنقع فساد المخلوع وأهله وجماعته، انتهى بسببها إلى الوصم الأبدى باللصوصية الدامغة، وأهيل التراب على تاريخه العسكري قبل تاريخه الرئاسي الأسود. فقد روج البعض لدور مبارك في حرب أكتوبر 1973، ولما قالوا إنه صاحب «الضربة الجوية» للاحتلال الإسرائيلي، وتناسوا ـ على طريقة لا تقربوا الصلاة ـ ما جرى من مبارك فيما بعد، حين صار رئيسا بالمصادفة التعسة لمصر، فقد أوقع مبارك الرئيس بمصر ما يشبه «الضربة النووية» لا الجوية، وكان عنوانا لانحطاط سرق مصر من شعبها وتاريخها، وجعلها حطاما لم يكنس ركامه بعد.

٭ كاتب مصري

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية