القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: في مطلع الستينيات وفي ظل التوهج السينمائي واهتمام الدولة بقضايا المرأة ولفت النظر إلي دورها وحقوقها أنتجت عدة أفلام لدعم هذا التوجه الجديد من أبرزها فيلم مراتي مدير عام بطولة شادية وصلاح ذو الفقار وشفيق نور الدين وتوفيق الدقن، وهذا الفيلم كتب له السيناريو الراحل سعد الدين وهبة وأخرجه محمود ذو الفقار، ولأهمية ما يطرحه من أفكار تدور بالأساس حول المساواة بين الرجل والمرأة في قالب كوميدي خفيف اكتسب الفيلم جماهيرية كبيرة وحاز علي إعجاب النقاد، ومنذ ذلك الحين ظلت الفكرة عالقة بأذهان المخرجين وكتاب السيناريو وتم استنساخ عشرات الأفلام علي هذا النسق، ولكن برغم كثرتها لم يكن أي منها علي نفس مستوي النسخة الأصلية، وبمرور السنوات وارتفاع الأصوات المطالبة بحقوق المرأة، خاصة بعد الألفية الثانية وتبني الدولة لهذا الشعار ظهرت مستنسخات جديدة اتسم معظمها ايضا بالطابع الكوميدي نذكر منها الفيلم التليفزيوني فوزية البرجوازية الذي كتبه الكاتب الساخر أحمد رجب، وفيلم محاكمة علي بابا الذي قدمه الثنائي يحيي الفخراني وإسعاد يونس في بداية الثمانينيات وألمح كاتبه إلي دور المرأة التربوي والإجتماعي متهما إياها بالتسلط ومحاولة سحب البساط من تحت أقدام الرجل، وبالطبع لم تنته سلسلة الأفلام التي حملت نفس التوجه في تأكيد متعمد علي هذه القضية ولكنها جاءت في كل مرة كوميدية وساخرة وهو ما أضعف تأثيرها وأعجزها عن إحداث تغيير حقيقي لصورة المرأة علي الشاشة وإبراز دورها الإيجابي المستهدف والمأمول.
وبين ستينيات القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين لم تتغير الصورة كثيرا فالتجربة الأحدث في هذا المضمار والتي تحمل عنوان تيمور وشفيقة للسيناريست تامر حبيب والمخرج خالد مرعي تعزف علي نفس الوتر وتعيد إلي الأذهان ذلك الصراع القائم بين صلاح ذو الفقار وشادية في الفيلم سالف الذكر مراتي مدير عام فـ تيمور وشفيقة، هما أحمد السقا و مني زكي يمثلان مقارنة صريحة بين الرجل والمرأة ويعكسان صراعا حقيقيا برغم الحب القوي الذي يربط بينهما وذلك العهد الوثيق علي الزواج والإخلاص الأبدي الذي أخذاه علي نفسيهما منذ الطفولة المبكرة وأيدته الأسرتان بكل الرضا والاطمئنان حتي صار تيمور ضابطا مرموقا وباتت شفيقة فتاة ناضجة ومسؤولة، لم يفقد أي منهما حبه وانتمائه للآخر طوال سنوات الدراسة وحتي بعد التخرج وإن شاب علاقتهما بعض التوتر الخفيف نتيجة سيطرة الطرف الأول تيمور ورغبته في ضبط تصرفات وسلوك شفيقة علي إيقاعه الصارم بحكم تكوينه كضابط شرطة ونزوع الطرف الثاني شفيقة إلي الحرية والخروج من القبضة الحديدية بوصفها فتاة جامعية تملك من مقومات الثقافة والعلم ما يؤهلها للاستقلال.
يعتبر تامر حبيب الرغبتين المتضادتين هما محور الصراع في العلاقة بين الطرفين فيلجأ إلي إعطائها بعدا آخر تظهر أعراضه مع بزوغ نجم شفيقة وتصعيدها إلي أعلي المناصب بعد حصولها علي درجة الدكتوراه وتوليها وزارة البيئة لتصبح حبيبة ضابط الحراسة وزيرة بين يوم وليلة فيعتري العلاقة العاطفية الحميمة الكثير من التغيير في ظل هذا التحول المباغت واتساع مساحة الفارق الوظيفي بين الطرفين.
وتأتي المفارقة الأكثر غرابة مكملة لهذا الانشقاق معمقة للهوة، حيث يتم تكليف الضابط تيمور المشهود له بالكفاءة في حراسة الشخصيات القيادية المهمة بحراسة شفيقة الوزيرة الشابة التي كانت بالأمس حبيبته فقط وأصبحت اليوم من كبار الشخصيات، يقبل الضابط الشاب المهمة علي مضض بعد فشله في الاعتذار عنها، ويبدأ في ملازمة شفيقة ليس بوصفه حبيبها وخطيبها ولكن تنفيذا للقانون الذي فرض عليه أن يكون حارسها الخاص، تتوالي المواقف ويزداد الصراع الداخلي حدة بين الحبيبين ويعبر تيمور عن رفضه للعلاقة بالتمرد وإعلان العصيان علي الحب والإكتفاء بدور الحارس الخاص، فيما تبدي شفيقة؟ مني زكي إندهاشها من ذلك السلوك فتسعي إلي ترطيب العلاقة من جانبها مستعينة بوالدتها هالة فاخر ووالدة تيمور رجاء الجداوي لإثنائه عن التجاهل لعلاقة الحب التي لا تزال قائمة ولكن لا تكلل مساعيها بالنجاح، إذ يصر أحمد السقا أو تيمور علي رفض العلاقة الفوقية التي تتقلص فيها صلاحياته كرجل لا يؤمن بالمساواة، وبين الشد والجذب يظل الحال علي ما هو عليه، إلي أن تسافر الوزيرة مني زكي لحضور مؤتمر بإحدي الدول الأفريقية وبالطبع يصاحبها في الرحلة حارسها الخاص تيمور وهناك تبدأ أحداث جديدة يفاجئنا بها السيناريست تامر حبيب والمخرج خالد مرعي، حيث يتم اختطاف الوزيرة من قبل رجال المافيا وتؤخذ كرهينة يتم المساومة عليها للإفراج عن عدد من المهربين، وإزاء هذا الحادث تتحرك عاطفة البطل الجسور الذي يطارد أفراد المافيا وينجح في تعقبهم وكالعادة تدور بينهم معارك طاحنة يخرج منها الضابط ظافرا منتصرا مخلصا حبيبته من أيدي المجرمين، وهنا تكمن مواطن الضعف في الفيلم الذي ينتصر مخرجه للبطولة الفردية متأثرا بأفلام فريد شوقي وهدي سلطان ومحمود المليجي وتلك الثيمة التقليدية لقوة البطل الخارق الذي لا يقهر علما بأن التطور الطبيعي لهذا المفهوم تحتم أن يكون كاتب السيناريو علي درجة أعلي من الذكاء والثقافة السينمائية والسياسية فليس من المعقول أن تنقطع صلة ضابط الحراسة بالجهاز التابع له فيبدو وكأنه يخوض معركة مع فتوات بولاق لا يعتمد فيها إلا علي عضلاته ومهاراته الجسمانية متجاهلا تماما الطرق العلمية في مواجهة الاخطار وشبكة الاتصالات الواسعة التي تربط بين ضابط الأمن القومي وبقية الأفراد المعاونين المفترض وجودهم في الواقع لأن زيارة وزيرة بشكل رسمي لإحدي الدول ليست مجرد نزهة يتم فيها تبادل القبلات والأحضان بين جبال الثلج كما ورد في مشهد صريح يشي بالخفة والاستخفاف بعقل المشاهد إذ يحتم السياق العام أن تكون الوزيرة وحارسها والطاقم المرافق لهما تحت المراقبة الأمنية، وألا يتم التنقل بهذه الحرية المطلقة وتقتصر الحراسة علي الحبيب الولهان الذي يتحدي العربات المصفحة والمدافع ومحترفي الإجرام بمسدس صغير، هذا بالإضافة إلي تقنيات الأكشن المبالغ فيها والتي استخدمت دون مراعاة لمنطق أو عقل يفترض في المشاهد بعض الحس النقدي والقدرة علي إدراك الفرق بين أفلام المطاردة وأفلام الكارتون!
الفيلم في مجمله، محاولة لاستعراض امكانيات أحمد السقا البدنية واثبات قدرته علي أداء الأدوار الصعبة، وقد كان!
فقد نجح المخرج خالد مرعي بالفعل في توصيل هذا المعني، غير أن مرعي نجح أيضا في إقناعنا بجرأته كمخرج يقدم في أولي تجاربه الروائية الطويلة هذه التوليفة الدرامية التجارية دون أن يشعرنا بمعاناته خلف الكاميرا، فضلا عن تميزه في اختيار اللقطات الدالة والمعبرة وتطويعه للصورة والإضاءة، وهذه كلها مزايا تحسب له برغم كل ما يحمله الفيلم من مبالغات يسأل عنها السيناريست قبل المخرج.