محمد عبد الحكم دياب
أحدثت سيطرة حركة حماس الكاملة علي قطاع غزة ارتباكا شديدا في أوساط محلية وإقليمية ودولية عديدة، وأكثر ما لفت النظر هو الارتباك الواضح في الأوساط الرسمية المصرية، ولم يحدث بسبب تقدير هذه الأوساط لوضع غزة بالنسبة لمصر، أو لأهميتها كونها امتدادا لشبه جزيرة سيناء المضطربة، بوضعها الاستراتيجي، كبوابة شرقية لمصر. ومساحتها تبلغ اثني عشر ألف كيلو مترا مربعا، وتقع شرق الدلتا، وفي شمال شرق الوادي، وعلي الضفة الشرقية لقناة وخليج السويس.
وقلق الأوساط الرسمية في القاهرة يعود إلي ما يمكن أن يترتب علي الوضع الجديد في غزة من تهديد لأمن الدولة الصهيونية، وليس في مخاطره علي الشعب الفلسطيني وقضيته. وكانت السلطات المصرية قد ألقت بثقلها وراء أجهزة الأمن الغزاوية، وحاصرت القطاع، وأدت دورها في تجويعه وإغلاق حدوده مع مصر، في وجه حركة التنقل والخروج والدخول، وكان الواضح أن الهدف هو إفشال حماس والحد من تأثيرها علي جوارها المصري المضطرب. ويبدو أن هذه السلطات أرادت لميزان القوي، داخل القطاع، أن يميل لصالح الدولة الصهيونية، تحينا للحظة مواتية يتم التخلص فيها من حماس، وعشنا التصريح تلو التصريح، وكلها تركز علي شيطنة الإدارة الفلسطينية تحت قيادة حماس. فوزير الخارجية المصري وصف انتصار حماس بأنه خطر علي الأمن القومي المصري!! ، وبادر حسني مبارك بالدعوة لانعقاد الرباعية الصهيو عربية. المكونة من الأردن وفلسطين والدولة الصهيونية ومصر، وما هي إلا ساعات حتي تغير الموقف مئة وثمانين درجة.. فسمعنا لغة علي النقيض، تقول أن ما جري في غزة شأن فلسطيني داخلي!! وتوالت معها الدعوة للحوار، حتي أن حسني مبارك والناطق باسمه طلبا توحيد الصف الفلسطيني من خلال الحوار والخلوص لموقف مشترك يتحدث باسم شعبهم وقضيتهم. وتلاشت معزوفة احترام الشرعية، ودعم محمود عباس، واختفت العين الحمرا ضد رئيس الوزراء الفلسطيني المقال اسماعيل هنية، وبعد أن كان مبارك قد أمر بسحب البعثة الدبلوماسية المصرية من غزة فورا، وغادرت بالفعل، ولم تعد بعد. في موقف لا يجرؤ علي القيام بمثله مع المستوطنة الصهيونية بالقاهرة، المعروفة باسم البعثة الدبلوماسية لتل أبيب.. دلائل تشير كلها إلي أن مبارك كان جادا في المواجهة مع حماس ومع فلسطيني غزة!. كيف تغير الواقع، فجأة، إلي الدرجة التي تكبح جماح مبارك، وتوقف اندفاعه؟ المهم أن مبارك عودنا بأن صوته ليس إلا صدي لما يتردد في البيت الأبيض، ودائما ما يعبر عن مطالب واحتياجات الخطاب السياسي الصهيوني.. والنغمة التي تغيرت أثناء وبعد اجتماع الرباعية الصهيو عربية، في شرم الشيخ، الاثنين الماضي، لم تكن غير رجع صدي لما يعزف في واشنطن ولندن وتل أبيب، يعزز ذلك أن مبارك غير قادر علي فك الارتباط بالإدارة الأمريكية، التي للدولة الصهيونية مكانة خاصة لديها. ووصل وفاؤه لهذا الارتباط إلي استقرار هو علي أن أمن الدولة الصهيونية له الأولوية علي أمن مصر. وإذا أضفنا إلي أن الرباعية الصهيو عربية، رديف معد لإضفاء الشرعية علي إجراءات متوقعة قريبا لتصفية ما تبقي من فلسطين. والانتقال من السخونة الشديدة إلي البرودة القصوي، يصعب حدوثه دون تأثير أمريكي وصهيوني. ويبدو أن رفاق الدرب الصهيو عربي فضلوا عدم اشعال فتيل جديد في المنطقة، في الوقت الراهن، وذلك لحاجتهم لوقت كاف لامتصاص صدمة سيطرة حماس علي غزة، وإعادة بناء أجهزة السلطة الأمنية، ودراسة إمكانية تطبيق أنواع أشد من العقوبات والحصار، وتجفيف ينابيع وموارد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمالية. وشراء الوقت اللازم لفرصة أوسع لترتيب العلاقة مع القوي الفلسطينية، بما يضمن عزل حماس، عزلا كاملا، والإبقاء علي التزامات أوسلو.
وعلينا أن نعي أن التزامات أوسلو مكملة لترتيبات ما يعرف بـ اتفاقية السلام المصرية مع الدولة الصهيونية، وقد نسيها المراقبون والمحللون وكأنها ألغيت، ومكملة، كذلك، لالتزامات اتفاقية وادي عربة. ومجموعة الالتزامات هذه، من كامب ديفيد إلي أوسلو، إلي وادي عربة، كسرت الثوابت العربية، في ثلاثة بلاد مجاورة لفلسطين، وأثرت بالسلب علي بلاد عربية أخري. أنهت بذلك عصر الأمة أو الدولة العربية الحاضنة، وزمن المشروعات العربية الجامعة، وأصبح لا يظهر منها إلا ما يصب في القناة الصهيونية، كـ المبادرة العربية السعودية، بسعيها لـ تعريب التطبيع.. هذه الالتزامات نقلت القضايا والمشاكل العربية، بفعل معاول الانعزالية والتبعية، من التعريب إلي التدويل، بمعني الإلحاق بالمشروعات الصهيو غربية، والانصياع لـ الشرعية الدولية، التي لم تقف مع الحق العربي يوما.
وفي جو هذه الالتزامات يقدم حسني مبارك نموذجا فريدا في نوعه.. يبادر بشكل فوري. يطلب المشورة دوما من صهاينة تل أبيب، وإذا ما ظهر في الأفق ملمح لتعديل، ولو طفيف، في ميزان القوي الإقليمي، في غير صالح الدولة الصهيونية.. يجند طاقته، ويحشد إمكانياته، ويوفر وقته للحيلولة دون حدوث ذلك، ويستعلي إذا ما ظهرت في الأفق إمكانية لحل عربي.. لا يرتاح ولا يكل إلا بعد أن يتم التدخل الأمريكي أو الأوربي أو الصهيوني!! أو تدخلهم جميعا. ويضن، ولا يبحث بشكل جاد عن حلول لمشاكل شعبه الداخلية المستعصية، وكما يرفض لقاء وزراء السلطة الفلسطينية، لأنهم ينتمون إلي حماس، لم يبادر، ولو مرة، ويطلب لقاء المعارضة أو قادة الرأي في بلده!! وحجته هي تمسكه بـ السلام كخيار استراتيجي، وهو في عرف مبارك ليس إلا توفير الأمن والحماية للدولة الصهيونية وإبعاد المخاطر عنها، ويتخذ نفس الموقف من رعاتها الأوروبيين وغير الأوروبيين. وهذا ما جعل مفهوم الأمن القومي المصري ملتبسا.. مزدوج المعني.. متناقض الغاية. ولا يعني عنده غير الاندماج في المشروع الصهيو أمريكي، والتخلي عن الخيارات الوطنية، بما فيها الخيار العسكري، لأن التصدي، من وجهة نظره، لعدوان أو غزو، يعني التصدي للولايات المتحدة، ويعبر بهذا عن نفس كسيرة ومهزومة ومستسلمة. لا تمكنه من متابعة الدول الأضعف، التي لا تبحث عن حل لمشاكلها في الاندماج في مشروع غير مشروعها الوطني.. ولم يقل أحد بالخيار العسكري لغير القادرين عليه، لكن هذا لا ينفي أن المستضعفين متي امتلكوا الإرادة، تمكنوا من مقاومة المتجبرين ودعاة الحروب والمستعمرين والمستوطنين وقتلة الشعوب، والانتصار عليهم.
نجح مبارك في استكمال مخطط عزل مصر، وأخرجها من معادلة القوة في المنطقة. والتزام حرفيا بنص معاهدة كامب ديفيد الموقعة في 26/ 3/ 1979، الذي حدد لمصر مسارا متناقضا مع مسارها السابق علي المعاهدة، وصادر علي التزامها العربي، واختزل دورها داخل جامعة الدول العربية وقزمه، وأنهي التزامها بمعاهدة الدفاع العربي المشترك، وهي معاهدة كانت تنص في مادتها الثانية علي اعتبار أي اعتداء مسلح يقع علي أي دولة (عربية) أو أكثر منها، أو علي قواتها، اعتداء عليها جميعا، ولذلك فإنها عملا بحق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي علي كيانها تلتزم بأن تبادر إلي معونة الدولة أو الدول المعتدي عليها وبأن تتخذ علي الفور، منفردة ومجتمعة، جميع التدابير، وتستخدم جميع ما لديها من وسائل، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لردع الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلي نصابهما. ووضعت المادة الثالثة الآليات الخاصة بذلك.. من تشاور وتنسيق وتصرف، في حالة وقوع ما يهدد سلامة واستقلال الدولة أو الدول العربية وأمنها، فـ تبادر الدول المتعاقدة علي الفور إلي توحيد خططها ومساعيها في اتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف. واستمر ذلك واقعا إلي أن ألغت معاهدة كامب ديفيد معاهدة الدفاع المشترك، وجردت مصر من التزاماتها العربية، وقدرتها علي المشاركة في صد أي عدوان عليها أو علي أي بلد عربي، وكان ذلك بأثر رجعي، بالنص علي أن ما ورد في معاهدة كامب ديفيد له الأولوية علي أي التزامات ناشئة عن أي معاهدة سبق توقيعها، وامتد ذلك إلي المستقبل، بالنص علي أن يتعهد الطرفان بعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع هذه المعاهدة، وإذا كانت قد صادرت علي الماضي والحاضر فقد امتدت للمصادرة علي المستقبل.
وترجمت النصوص إلي تدابير أمنية نزعت أسنان مصر الدفاعية، فجردت سيناء من السلاح، ونص علي ذلك الملحق الأول بنزع سلاح ثلثي سيناء، وتحديد سلاح الثلث الباقي، بفرقة مشاة ميكانيكية واحدة، بما لا يزيد علي 22 ألف جندي، والسماح بنشر قوات متعددة الجنسية تراقب التحركات العسكرية المصرية، وهي قوات تخضع لقيادة أمريكية.. شلت مصر، وجردتها من إمكانية الدفاع عن نفسها. وتتكون هذه القوات، المقدرة بألف وثمنمئة جندي من ثلاثة كتائب مشاة. واحدة في المقر الرئيسي بمطار الجورة، والقطاع الأوسط، والثانية في القطاع الشمالي، والثالثة أمريكية في الجنوب (شرم الشيخ)، وقطع بحرية.. عبارة عن ثلاث كاسحات ألغام إيطالية، وقوة جو فرنسية، بها طائرات صغيرة ومروحية، للاستطلاع والإمداد والإخلاء الطبي.. ليست تابعة للأمم المتحدة، كما قد يظن البعض.. تشكلت بقرار أمريكي عام 1981 لتشديد الرقابة وتنفيذ نصوص المعاهدة المتعلقة بالأمن، وبدأت عملها في نيسان (إبريل) 1982، وقيادتها في روما، ولها مكاتب في القاهرة وتل أبيب، ومن بين مهامها مراقبة الملاحة في مضايق تيران، وتسيير دوريات بطول الحدود المصرية مع فلسطين المحتلة. كل هذا لا يمثل خطرا وفق مفهوم مبارك للأمن القومي. وكل المعطيات تقول بغياب أي معني لأمن مصري بعيدا عن فلسطين، التي كان هدف اغتصابها ذاته هو زعزعة، ليس لأمن مصر وحده بل أمن الوطن العربي كله، وهذا هو الازدواج الذي نعنيه.. موزع بين معني وطني يلتزم به الشعب، ومعني آخر لا صلة له بالوطنية، وهو ما اعتمده مبارك، وانتهي إلي صهينة الإدارة المصرية، وحولها إلي ترس في ماكينة المشروع الصهيو أمريكي. وهذا ما حذرنا منه ونبهنا إليه مرارا، ونعيد التحذير في هذه الأيام الذي يستعد فيها توني بلير لشد الرحال إلي المنطقة، كمندوب سامي، يعيد عصر الاستعمار والاستيطان البغيض، ويشرف علي المرحلة النهائية من تصفية فلسطين أرضا وشعبا، فهل يتمكن من ذلك؟ هذا هو السؤال الذي يحتاج من كل إنسان غيور علي أمته ومستقبلها أن يجيب عليه.