د. نادرة شلهوب ـ كيفوركيان
اكتب، لا لمجرد رفض الصمت في ظل الاحتراب الفلسطيني الداخلي، وشعوري بالالم والاسي الشديدين لما في الساحة الفلسطينية من عنف وفقدان اليم. اكتب، لا لاحدثكن/م فقط عن اهمية الدور الخاص الذي عليَ ان اقوم به، اقوله، احاربه، اكتبه كامراة فلسطينية، لمنع جنون الاقتتال؛ بل لاعبر عن رفضي الشديد لان ننتحر بايدينا. وكيف يمكن لي ان اصمت كامراة فلسطينية؟! كيف اصمت عند رؤية ابناء وبنات شعبنا يقتلون، واسمح للفكر الذكوري والذي لا ترتخي ايديه عن الزناد والتسلح العقيم ان يهمش ميراثنا في الدفاع عن الحق، وتاريخنا الذي رفض ـ بكل مهارات المقاومة الانسانية والنضال المتواصل ـ ان يتعايش مع الاحتلال ويقبل الشتات واللجوء وارهاب الصهيونية كواقع قابل للتقبل؟!
كابنةٍ لهذا الوطن السجين؛ كنسوية فلسطينية؛ كأم لثلاث بنات يفتخرن بفلسطينيتهن؛ كابنةٍ لأم وأب عاشا النكبة بشتاتها المستمر؛ كمفكرة درست جرائم اصحاب القوة رافضةً عنف الدولة اليهودية وهدمها لبيوتنا وآمالنا؛ كباحثة كتبت ضد عسكرة التعليم وعنجهية مهارات اخراس المقاومة لدي الدولة الصهيونية؛ كمعالِجة لقضايا العنف الاسري، وناشطة ورافضة لجرائم قتل النساء، والاعتداء علي الاطفال… كل هذا يمنعني من قبول الصمت لغةً. ان هويتي النسوية، والتي اتسمت بالنضال، ترفض ان يُنظر الي كاقلـية في لعبة القوي علي ارض وطني، اقلـية لا صوت ولا حول لها، وكانني دخيلة او اقلـية منفية غير مدعوة الا لان تتقبل، تحب، تحوي، تعالج، ومن ثَم تصمت الي ان يقرر اصحاب الفكر الاجرامي سياسات العمل. انا ابنة فلسطين، ولذا فمن واجبي وحقي ان اقول لجميع المسيئين لميراثي الفلسطيني: لن اسمح لكم بنسف تاريخي وقضيتي وهويتي ولغتي واخلاقياتي النضالية، بمسلكياتكم المنحرفة.
يتساءل الكثيرون من حولي واتساءل انا: كيف… كيف وصلنا الي هذا الوضع المزري؟
من الواضح لي ان صناعة الذل الانساني الذي عاني منه الشعب الفلسطيني، وتصنيع القهر والقمع، اصبحا افضل سلاح في الحروب الحديثة. لقد كان ـ وما زال ـ تصنيع القهر فنًا ومهارة لدي المستعمر والمحتل يدرَس في افضل الجامعات، ويُسند بلغة القانون وحقوق الانسان؛ بيد اني ارفض ان يكون عِلمًا نذوته ونستخدمه وندرسه للاجيال الفلسطينية القادمة. واتساءل متألمة: هل ممارسة العنف واجرامنا الواحد/ة ضد الآخر/الاخري اصبح لغة جديدة تعلمناها من الامبرطوريات الكولونيالية والراسمالية القاهرة ـ كامريكا واسرائيل ـ… لغة للتحرر؟! هل يطلق كل منا ضد الآخر الضغط والكرب المدفون والكبت العاكس لسنوات الشتات والفقدان الفلسطيني؟! اذا كان الامر كذلك، فأنا ارفض هذه اللغة. فكما حاربت عنف القوي الصهيونية ضدنا، وكما رفضت العنف ضد المراة، وتظاهرت حين قُتلت نساؤنا، وعملت علي حماية الفئات المستضعفة من الاغتصاب، والتحرش الجنسي والاجحاف الاجتماعي… ما زلت أؤمن بالمبادئ ذاتها القائلة: لا للعنف… بامكاني تفسير ما يجري بالنظريات التي اعلمها لطالباتي وطلابي. بامكاني القول اننا ذوتنا قهرنا، واننا تعبنا من الاحتلال، وان طاقاتنا تشرذمت وذابت حيث حطمَنا الخنقُ الاقتصادي الاسرائيلي والامريكي. اُدرك ان استخدام القاهر والمحتل للعنف بغية اخضاع وقهر فرص الحياة للفلسطيني اتعبنا، ولكني ارفض ـ وبكل لغة يمكن الرفض بواسطتها ـ قبول قتل احدنا للآخر.
رغم الاحتلال والعسكرة والحرب النفسية… لا اقبل التخندق… ما حاولت الحركة الصهيونية عمله هو تركيع الآخر الفلسطيني والحاق هزيمة نفسية ومادية به، من حيث تدمير قدراته وارادته من الاساس، لتجعله يستسلم ويقبل كل شروط المحتل… حيث يستخدم المستعمِر والمحتل العنف لاخضاع وقهر فرص الحياة لدي هؤلاء الذين يحتلهم ويستعمرهم.
يذكرنا المفكر فرانس فانون ان الاغتراب الاجتماعي والتهميش والفقر هي المسؤولون عن العديد من الامراض الاجتماعية والنفسية في زماننا. كما ان الذل اليومي، والاساءة الي الشبكة الاجتماعية والتواصل الاجتماعي، وتناقص فرص العيش الكريم، والاحساس العميق بالغربة الاجتماعية التي يشعر بها كثير من الشباب، كل هذا افضي في بعض الاحيان الي فقدان البوصلة المسيرة اخلاقيا. ويذكرنا الوضع في العراق والسودان وافغانستان باننا ان لم نوقف شلال الدماء فسوف يأتي يومٌ يُقتل فيه ابناؤنا وبناتنا، ويغتصب اهلنا، ونستمر بالسكوت… ان حالة الاحتلال التي نعيشها، والاستعمار السياسي الاقتصادي، وعنصرية العالم الذي رفض التعامل مع عدل القضية الفلسطينية بمعايير انسانية، كل هذا وفر فرصة ذهبية لكل المنحرفين والمرضي النفسيين والفئات الباحثة عن مصادر قوة باي ثمن، وفر الفرصة لاشباع رغباتهم من اجرام وتخويف وترهيب. ومع بشاعة العنصرية التي عشناها ونعيشها، لا يمكننا ان نصل الي وضع نبرر فيه القتل او ندعم رواية القاتل. لا يمكن ان نقبل سلب حق الحياة والعيش الكريم.
وماذا تفعل الدولة اليهودية بنا في هذه الايام غير التهكم والتسلي علي آلامنا؟! تقوم الدولة اليهودية باستغلال ظروف الاقتتال الداخلي، لا لتؤكد علي رؤيتها العنصرية والصهيونية ولا لتزيد من التحليلات الامنية الاستشراقية لنا فحسب، بل لتتعامل معنا كعبيد اعتقهم المستعمِر… لا لرغبة المستعمر في ابقائهم علي قيد الحياة، او ـ كما ينعكس في الحال الفلسطيني ـ لا لانسانية اسرائيل ورغبتها في تفهمنا ومساعدتنا ومعالجتنا في مستشفياتها (علي سبيل المثال)، انما للاستمرار في استغلالنا النفسي الاجتماعي والاقتصادي، كيما تبقي ايدينا العاملة الرخيصة تخدمهم، واجسامنا الهزيلة جسرا لـ ديمقراطيتهم، وكيما نصل الي وضع نرضي فيه ونختار، بحرية كاملة، استعدادنا للعيش كعبيد. وتتفنن القوي المصهينة والمهيمنة في تصنيع الارهاب غير المرئي ـ لكن المحسوس ـ وفي اجراء غسيل دماغ لاستعبادنا الحر، ولكن هذه المرة بدعم من ابنائنا المتحاربين. في هذا الوضع، نشابه الفئات السوداء التي وصفها المفكر المارتينيكي الجزائري فرانس فانون بـِ وجوه سوداء واقنعة بيضاء، لنتحول الي عبيد متعاونين من الداخل، بل الي آلية المحتل فنغدو ـ كما فعلنا في الايام الاخيرة ـ اكثر قسوة وعنصرية من المستعمِرين والمحتلين.
والسؤال هو: كيف يمكن للقوي الاجتماعية والسياسية مناهضة الاحتلال وسياساته الماكرة، دون المس بحصانتها الذاتية الاخلاقية؟ وما مفهوم المقاومة في هذا الوضع المؤلم؟ او بالاحري: كيف اري المقاومة من منظوري النسوي الفلسطيني؟ المقاومة من منظوري النسويالمقاومة هي الارتقاء الي مستوي الرؤية القومية الثقافية الملائمة لهويتنا التاريخية النضالية ضد الاحتلال والقمع؛ الارتقاء الي مستوي ادراك تعقد الاوضاع الداخلية والاقليمية والعالمية، للوصول الي حوار فلسطيني يتحدث بجوهر قضيتنا. المقاومة هي رفض الانحطاط السياسي، لاننا بهذا نمنع التشرذم والانفصالية.
المقاومة تتطلب التفكير في السبل التي لا تقنع بان تتيح لنا استعادة الانصات الي اصالة نضالنا وجماله وعمقه فحسب. انما المقاومة هي ما يمنع تحويل ذاكرتنا الجماعية الي ذاكرة منسية، وذلك ان ما يريدوننا ان ننساه هو محور تاريخنا الفلسطيني الشخصي الذي يرفض الصمت والتخندق في غياهب الاحتراب والاقتتال الداخلي.
ما اقوله، كمفكرة نسوية، انه لا يمكن للمقاومة والثورات ان تنجح ان لم يرافق الوعيَ الوطنيَ فيها الوعيُ الاجتماعيُ. لا يمكن ان نقبل بنضال لا تسانده مقاومةٌ للعنف والقتل والاحتراب الداخلي. ففسيفساء مقاوماتنا وثراؤها لا يمكن ان يُقبرا في ثنايا اسقاطات الاحتلال وقمع ذكوريتها. وان لم يرافق المقاومةَ الوعيُ الاجتماعي لقدسية واهمـية المحافظة علي نسيجنا وحميميتنا الاجتماعية ومبادئنا الانسانية الرافضة للعنف، فعندها سنصل الي احتلال اشد ارهابا، الا وهو احتلال النفس والعقل والتاريخ والقلب الفلسطيني، القلب الذي يأبي الا ان ينبض حبا لوطنه، لثراه الغالي وتاريخ نضاله ومقاومته. فالمقاومة لا تُبني علي اسس من الافلاس المبدئي، الفكري، الضميري المستقبلي، الانساني والثقافي… وذلك ان هذا الافلاس القيمي والجهل والعمي الطوعي سوف تضرب بعرض الحائط مستقبلَ شعبنا، وتزيد من تهميش شرائح كاملة في مجتمعنا، فضلاً عن اقصاء تاريخ حافل بالمقاومة الابية لا بانحراف الاحداث والجرائم المنظمة والتي اطالب ان تتوقف حالاً.
ويبقي شاخصًا امامي السؤال: كيف ساعيد ذاكرة التاريخ الفلسطيني لابنتي الصغيرة، بعد هذه الاحداث الدامية؟ بِمَ سأجيب امي التي عايشت النكبة وفقدت اطفالها عندما تسالني ليش يَما بنقتل بعضنا؟! وكيف سأنظر الي نفسي، انا كانسانة احبت كل ما في فلسطينيتها من عدل وانسانية وطاقات صمود؟! وكيف سننظر الي الغد، ونبرر سلوكياتنا امام اولادنا وبناتنا؟! كيف سنواجه المستقبل؟! كيف نقبل تحميل اكتافهم المثقلة بالجرائم المخزية والمخجلة واللاانسانية، والتي اقترفناها في هذه الايام الحزينة؟!
كيف نمزق مظاهر الصمت والمعاناة الاليمين؟
ان اوضاع فلسطيننا الحالية لا يمكن وضعها بمعايير ومقاييس الوطنية القومية المعسكرة، بل بمعايير الرؤية الانسانية التي تؤكد ضرورة حماية حاضرنا وماضينا كمستقبلنا من العنف والاجرام ـ اي عنف واي اجرام ـ. وما اطالب به هو التنسيق الانساني والعقلاني لبيتنا الفلسطيني لحماية هويتنا والحفاظ علي نضالنا وارادتنا الجمعية ـ وبدون عنف.
ان ما اطرحه هو البحث عن البدائل الديمقراطية ونبذ الافكار المنادية بالتقاتل، وعدم القبول بممارسات تعتمد تقاليد الاحتكام غير الديمقراطية لحسم ازدواجية السلطة والموقف، وبخاصة لان من يقف في راس سلم المتضررين ونتائجه الكارثية هي المرأة، اذ تدفع من طاقاتها وآمالها واحبائها اثمانًا باهظة.
ليس الهدف هو التوصل الي انقلابات داخلية، بل الوصول الي انقلاب مفاهيمي قيمي انساني، انقلاب يعي المسؤولية الملقاة علي عاتقنا للاستمرار في المقاومة المسؤولة الانسانية والمعتمدة علي ميراث النضال النـزيه والعادل. ولكني اعود لاتساءل: ماذا حدث لنا؟! نحن نمتلك ترسانة من المبادئ والمعايير الانسانية، فلا بد لنا من العودة لاستعمالها لانها هي هي بيتنا الذي ـ رغم مصادرته وهدمه وتشتيته وقمعه ـ صمد وبقي واقفًا امام الارهاب، اللاعادل، وقمع الآخر. لا، لن نسمح ان يتراجع التاريخ بنا. مديرة مشروع الدراسات النسوية8