يصعب علينا وصف ما يجري في لبنان وفلسطين والعراق ومعهما ما يجري في السودان والصومال، ونحن نري شلال الدم منهم يتدفق وينزف علي مدار اليوم والساعة، ويصعب علينا كذلك حال الأمة كلها التي غدت في مهب الريح وأضحت مرتعا للحروب والقتل والتدمير، وأصبح حالها حال ملوك الطوائف في الأندلس حينما تفرقت كلمتهم وساد الاضطراب والفتن والمؤامرات فيما بينهم حتي فقدوا الأندلس وجلسوا علي أطلالها يندبون حظهم العاثر، ويبكون علي أمجاد مضت، بعد أن قال فيهم من قال من المؤرخين لم يقصدهم عدو أي أهل الأندلس إلا هزم وانصرف مغلولا وما خذلهم إلا التحاسد وفرط الخلاف والتباغض وقلة الإنصاف.
إن حال اخوتنا في لبنان وفلسطين والعراق وهم يطلبون الشرعية الدستورية والتحرير من الاحتلال، والخلاص من الدكتاتورية، والتي أوردوها كما أورد سعد ابل اخيه مالك مورد الهلاك والفناء والضياع، فلا حققوا شرعية دستورية ولا حرروا أرضا مغتصبة، ولا حصلوا علي الحرية، بل تاهت بوصلتهم وتفرقت سبلهم، وتشرذمت أحوالهم وتشتتت أوضاعهم، ونخرت فيهم الطائفية والعرقية والاثنية، وازداد التباغض والتحاسد فيما بينهم حتي وصل إلي حد الاقتتال الذي نري، والتحالف والتعاون مع الأعداء، وكأنهم لم يقرأوا قول المعتمد بن عباد ملك اشبيلية أكبر الممالك الإسلامية في الأندلس بعد أن حذره أتباعه من النتائج التي قد تترتب علي دعوته ليوسف بن تاشفين أمير المرابطين المسلم الذي يحكم الشمال الأفريقي، والخوف من أن يؤدي طمعه أي تاشفين علي الاستيلاء علي الحكم وسيادة الجزيرة الخضراء التي يحكمها المعتمد بن عباد بعد أن أتجه ألفونسو السادس لاحتلالها، حيث رد عليهم قائلا لأن أكون راعيا للإبل في صحراء أفريقيا خير لي الف مرة من أن أرعي الخنازير في قشتالة.
نتذكر هذا ونحن نري ما يجري حولنا في الشمال والشرق والغرب، فالمناخ أصبح ملبدا بغيوم العنف الملطخ بدماء الاخوة، والخوف أن يزداد هذا العنف لا كسلوك دموي فقط، بل كثقافة شاملة تؤسس لاستقدام الأجنبي وتدخلاته لكل من يدعي مستقبلا انه يريد الحرية لهذه الفئة أو تلك، أو يريد الشرعية لهذا النظام أو ذاك، أو يريد التحرير لهذه الطائفة دون غيرها، أو حتي استجابة لهؤلاء الذين يدعون بتقاريرهم انهم يدافعون عن حقوق الإنسان الموهومة وهذا من أسوأ الأمور. إن منطقتنا العربية تعيش الآن أسوأ أوضاعها، بل وفي عنف شديد باسم الحرية والديمقراطية واقامة الأمن والسلام الذي لن يأتي أبدا ونحن نعيش في مثل هذه الحالة من العنف، فمن عنف السيارات المفخخة، إلي عنف العبوات الناسفة، إلي عنف في السلوك العام، إلي عنف إعلامي إلي عنف سياسي إلي عنف اقتصادي إلي عنف في كل شيء، ولا أظن أن مناخا كهذا وبهذا العنف سيحرر أرضا، أو يقيم شرعية، أو يحرر إرادة شعبية. إن المتفحص لما يجري اليوم وعلي الجبهات العربية الثلاث يري بان الامة فعلا قد بدأت تتآكل بعد أن كنا نظن غير ذلك، وبدأ يتآكل معها كل الأحرار الذين كانوا يرفعون شعارات الوحدة والتضامن والانتماء والمصير المشترك ليبرز فيها من يدعي فقط انه هو الذي يرفع راية التحرير اكثر من سواه، أو يدعي انه يتحدث باسم الواقعية السياسية الأفضل والأنفع للشعب والامة دون غيره، أو يدعـــــي انه هو الذي يؤسس لديمقراطية لا يأتيها الباطل من بين يديـــــها ولا من خلفها، لتكون النتيجة لا هذه ولا تلك، لأنهم في النهاية سيأكلون بعضهم بعضا كما تأكل النار الحطب، عندها تـــــتآكل معهم كل هذه القضايا والحقــــــوق التي يدعــــون انهم ناضلوا من اجلها.
د. سليمان أبوسويلم[email protected]