نهضة الأمة العربية… أم تنمية التخلف

حجم الخط
0

مطاع صفدي

ربما لم تعرف الأمة العربية حقبة معاصرة لنهضتها أسوأ من اللحظة الراهنة، لا من حيث الضعف الشامل لمختلف مقومات الوجود الطبيعي السوي لمفهوم الأمة فحسب، ولا من حيث انعدام الشخصية السياسية لمجمل أنظمتها الحاكمة، ولا من حيث افتقارها إلي الحدود الدنيا من مقدرات الدفاع الغريزي أو الاكتسابي المنظم.

فكل هذه الخصائص السلبية يمكن اعتبارها عائدة إلي حال التخلف الذي يصم وجود الأمة منذ لحظة نهضتها المعاصرة. لكنها مع مرور الزمن والتجارب السياسية والاجتماعية الغزيرة التي عانتها، فإن خاصيات التخلف هذه أضحت من نوع الأعطال الاستراتيجية الآخذة بتلابيب حركات التطور، الموجهة لها من داخل محركاتها التاريخية عينها، بما يجعل هذه التطورات مصابة مقدماً بتوائمها من الانتكاسات المصاحبة لها.

الأعطال الاستراتيجية هي البدائل المشؤومة عن المشاريع النهضوية. كما لو أن كل مخطط اصلاحي أمسي محكوماً عليه مقدماً بالانتكاس إلي عكس أهدافه. هكذا تختلط النوايا أو الأفعال الإصلاحية بنقائضها. سواء تلك النقائض النابعة من عطب أصلي في سيرورة التغيير، أو ناجمة عن عقبات كأداء تقوم في وجهه فجأة دون أن يكون من الاساس متوقعاً حلولاً جاهزة لأمثالها. فما تعنيه الأعطال الاستراتيجية هو تحول نفايات التغييرات الفاشلة عينها إلي قوي وعوامل فاعلة في أرضية المجتمع؛ حتي تصير لها استراتيجية تدمير ذاتي، ليست من وضع أو تأليف أحد، لكنها طاغية علي إرادة كل أحد. إنها حركة انقلاب المجتمع علي نفسه. ففي الوضع النهضوي تتدافع إمكانيات المجتمع كلها في تيارات من التجديد والتحديث المتكاملة، بما يعطي للواقع صورة أخري تسمح بولادة هوية وطنية بمضمون مدني كابح لسلطة التخلف المتوارث في خلايا العادات والتقاليد السائدة. أما في حال الوضع النهضوي المضاد، فإن سيوف التقدم المتكسرة تنقلب إلي حراب مسمومة طاعنة في جسد صاحبها عينه، المنهزم والمتهالك. تنبعث قوي التخلف مجدداً، مزوَّدةً هذه المرة بطاقات حركية زائفة، أو مكتسبة من فشل (الآخرين) من أضدادها. لكنها عازمة علي اجتياح مساحات العمل العام كلها، ودون أن تقيم وزناً لأي منازع، من الصنف القديم أو المستجد.

فهذه ليست قوي (الردَّة) حسب مصطلحها التراثي. ذلك أن (التخلف) لم يتعرض، طيلة معاركه مع رموز النهضة إلي تصفية نهائية، حتي يقال أنه يستعيد سلطانه المنزاح قليلاً أو كثيراً. فهو التخلف الموجود دائماً، وفي كل مكان. وكل ما تعرض له من أقوال – شعارات – التقدم أو أفعاله، لم يغير شيئاً من أصوله وآلياته. كانت مجرد تناصّ هامشي علي نصه الأصلي. لكن التخلف ربما كان هاجعاً مساكناً، تم أيقظه صراخ التقدم وزعيقه. ثم اكتشف (عقل) التخلف أنه هو الوطني والمتجذر في أرضه، وأما الآخر الموصوف بالنهضوي، فهو الطارئ والغريب والأجنبي، وبالتالي فهو القابل للطرد والتهجير. فليست هي (ردة) نحو التخلف. إنه التخلف عينه الذي يتجدد بعقله وسلوكه ومؤسساته. كأنما عصر النهضة الذي يعتقد بعض العرب أنهم لا يزالون يعيشون إرهاصاته، مشيرين إلي إنجازات مشاريع التنمية في كثير من الأقطار، قد بلغ ـ هذا العصر ـ مرحلة التصفية الشاملة لأفكاره ومطامحه؛ وما علي من تبقي من المتفائلين إلا الاقرار بأنها لم تكن سوي تنمية التخلف عينه. ولم تأت أبداً ضداًَ حقيقياً علي عوامله وآلياته المستمرة. بل إنها أمدَّته بقوي (عصرية) لم يكن يتمتع بمثلها في أحلك حقبات ماضية. من الأعطال الاستراتيجية المسيطرة علي حركية السياسة العربية أنها في حين عملت أنظمتها الحاكمة علي قلب وجهة التاريخ من البعثرة إلي التضامن، ومن التجزئة إلي الوحدة، ومن سلطة الاستبداد والحكم المطلق إلي ديمقراطية الرأي والعمل والمسؤولية، فقد سيطرت أزمات بنيوية وكوارث وإحباطات من كل جنس بصورة وحَّدت المشهدية العامة البائسة لواقع مختلف الأقطار القائمة. إنها مشهدية المعاناة لأخطر ما يفتك عادة بالدول المرشحة للزوال. بكلمة أخري فالعرب الذين عجزوا عن إنتاج أبسط حدود التعاون العادي بين دولهم وليس الاتحاد الكياني، أمسوا يواجهون وحدة المصير المعكوس. إنهم يترنحون علي حوافي الهاويات، وإن كانت لكل قطر رقصته الخاصة في طور النَّزْع الأخير. ليس ثمة قطر واحد لا تتهدده سراً أو علناً، فوق المسرح أو في كواليسه، نوازعُ التدمير الذاتي المتنافسة مع صولات وجولات من أشكال التدمير بل التآمر الخارجي.

الخارطة السياسية أمست خارطة مرحلية. والمستويات الحضرية أو المدنية التي بلغتها بعض الأقطار، والبعض الأقل من نخبها، ليس في أحسن مظاهرها سوي أقنعة مستعارة. إنها لوحات من سرابات ملونة طافية علي أديم الصحاري العريقة. فالأعطال الاستراتيجية أمست لها الغلبة الميدانية علي خطط التقدم في كل ميدان بنيوي أو حيوي. إنها لحظة الإعلان الأهم، عن انتهاء المباراة المصيرية بين الثورة والثورة المضادة، لصالح هذه الأخيرة التي اختطفت قيادة الاستراتيجية، فجعلتها حكراً علي الأعطال وحدها. فتعيد إنتاج أصولها الماضوية، عبر سلالات معاصرة من أعطال حاضر عقيم ومنهزم مقدماً أمام تحديات مستقبل آخر مختلف. إن الأعطال ليست لها استراتيجية في الأصل. لكن ديمومتها واستعصاءها علي الحلول المعطوبة والزائفة، يزودها بقدرات جديدة علي إعادة الإمساك بتلابيب المجتمع ككل، حتي تغدو كأنما هي قائدته الفعلية. بينما يتراجع التحديث الحقيقي إلي هوامش المجال العام. يقبع أهلُه في قفص الاتهام. فقد يكونون مدانين فعلاً، تارة لدي أنفسهم بالذات، كونهم لم يصيروا حداثيين حقيقيين. وتارة أخري لدي أعدائهم (الطبيعيين)، لأنهم عجزوا عن تأصيل دفاعاتهم الموضوعية في أرض الواقع، بما يجسّدونه من أفكارهم وسلوكهم، وقدرتهم في ابتكار المؤسسات الحديثة الشاهدة علي معالم التغيير المشع بتنويره القاشع لظلمات في القلوب، وليس في العيون وحدها.

خيبات التنوير المتراكمة لا تصيب العقل فحسب. إنها تحرم المجتمع من ثقافة الحقيقة، تفكك بنية الوعي الجمعي، تجرده من قدرته علي تبيان الصواب من الخطأ. تفرض عليه أن يعيش أسيراً لأفكار الآخرين من ما وراء الزمن. تشلّ فكره عن إنتاج المعقولات الجديدة المساعدة علي قطع حبال الانسياق الغريزي والاستسلام إلي آليات الانحطاط السائدة في محيطه. وتمنعه من إرادة الاستطلاع والكشف عن إمكانيات أخري مقموعة، وقابعة في صلب البنية الإنسانية للجماعة. لكنها محرومة حتي من قابلية الدلالة علي وجودها. وبالتالي فهي الممنوعة مقدماً من حق التعبير عن خطاب آخر مختلف، حتي قبل السماح له أن يصير إلي موضوع حوار وأخذ ورد. فقبل أن تُمنع حرياتُ التعبير، قد لا يكون لدي المجتمع المقموع ذاتياً ما يعبِّر عنه، حتي يطالب من ثَمَّ بحرية أدائه له. ليس فاقد الحقيقة كمن هو ليس دارياً بالحقيقة أصلاً. وهنا فداحة المأساة حقاً. فالمجتمع الممنوع من نهضته قد ينسي ما كانت تعنيه. ويألف الانحطاط والقمع حتي يعتبرهما في النهاية من مجريات الأمور الطبيعية. فالفساد والخيانة والغدر والقتل الفردي والجماعي هي وقائع الحياة اليومية. لكن لا تكاد الألسن تتداول أسماءها الأصلية. هنالك عملة أخري من ألفاظ التحرير والسيادة والاستقلال وعناوين الطوائف والمذاهب، والأصوليات بجذورها وفروعها، تغطي وجبات يومية من الأكاذيب والقتلي والثكالي والمحرومين وأبناء السبيل.

خطوط متوازية ومتداخلة من أشكال العنف الدولي والإقليمي والمحلي. لم يعد أحد مهتماً بالكشف عن مسؤوليتها، عن هويات عملائها، عن خططها التآمرية لليوم والغد، عن حصائلها التدميرية، حتي عندما تُعلن أخبارُها، وتُذاع بياناتها، فليس ثمة متغيرات ما قد تعتري أمزجة الناس أو سلوكهم الرتيب. فهل هي النظرية النفسية حول تلاؤم المنكوبين مع واقع النكبة. وهل هي نظرية التشفّي من الذات بإيقاع المزيد من الجَلْد والتعذيب السادي في ذاتها، أم أن المسألة أبعد من أية نظريات جاهزة. ثمة علم معرفي جديد ينبغي أن ينشأ حول ما يعنيه مفهوم آخر للمدنية، يخص تجارب الأمم المصنفة في عداد العالم الثالث. وقد تكون قصة النهضة العربية وأطلالها واحدة من التجارب الرائدة في نشأة هذا العلم المعرفي غير المطروق بعد. فهي تلك التجربة التي أُتيحت لها أفضل الإمكانيات المادية والحضارية، لكنها سريعاً ما عايشت النهضة مقترنة بأطلالها في وقت واحد.

لعل المحور الرئيسي لهذا العلم المعرفي ينبغي أن يدور حول هذه الإشكالية الفريدة في كيفية انقلاب الموارد النهضوية الواعدة إلي أعطال استراتيجية، تكون وظيفتها المركزية تجفيف هذه الموارد من ينابيعها التاريخية والطبيعية والإنسانية، وتحويلها إلي نقائضها. كأن تكون نهضة العرب من أغني نهضات العالم المعاصر، فهي المُزوَّدة أرضاً وتاريخاً وإنساناً بأهم ما يبني مشروع حضارة ذات بعد كوني. ومؤهلة لأن تلعب أصدق دور في أنسنة المدنية، وفي المساهمة النبيلة في لجم وحوشها الكاسرة.

لكنها كانت هي الهدف المركزي لهذه الوحوش عينها. وقد حاولوا، ولا يزالون يحاولون أن يسبقوها إلي تدمير ذاتها.. حتي تبني حكامها أنفسهم عقيدة التدمير الذاتي هذه، كما لو كانت آخر الحلول الممكنة للبقاء. فلماذا دعوناها دائماً بالنهضة المغدورة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية