بتلات الحب

حجم الخط
0

في محطة الباص التقت نظراتهما، اول مرة، كهرباء من نوع آخر غير مألوف سرت في بدنه المتحفز لاستقبال نهار جديد، حاول في البداية تجاهل ما دار. ادار راسه الى مكان آخر بعيد. لعل ما حصل من بنات اوهامه الادبية الخلاقة. هذه الاوهام باتت في الفترة الاخيرة تباغته من كل حدب وصوب. شعور قوي بأنه ينبغي ان يعود للنظر الى حيث انبعث ذلك الحلم شده لمعاودة النظر، تيار كهربائي جذبه اكثر اليها، انشداد غريب، لا، لا، هو لن يتمادى في نظراته. قد يكون ما يراه وهما ضخّمه خياله المحروم الى الحياة والمرأة. انصرف عنها مرة اخرى الى مهربه الابدي. هناك في افقه البعيد. عاد بعد لحظة ليرسل نظرته الكهربائية اليها. هذه المرة كانت تصعد درجات الباص المندفع الى مكان قصي بعيد مجهول. نظرتها الاخيرة باحت بما لم تبح به سابقتها، كانت محملة بالوعد والامل، بابتسامة من عالم آخر اقتحمت عينيه الباحثتين عن مرفأ، الآن بامكانه ان يتأكد من انه في علم، وليس في حلم.
ينتابه شعور متدفق بالحياة. «هكذا هي الامور الكبرى في حياتنا تأتينا صاعقة وفي غفلة منا». قال في نفسه، وتابع «ترى ماذا تخبئ لي هذه النظرة؟». ما ان قال هذا لنفسه حتى جاء باصه. اعتلاه. اتخذ مقعده المفضل فوق الاطار الامامي الاول، ارسل نظره الى الامام، تصورها ترسل اليه نظرتها الغامضة من عينيها الحالمتين. فابتسم، ربما، ربما من يعلم قد تكون تلك هي النظرة التي انتظرها خلال خمسين عاما هي عمره وها هي تأتي اليه اخيرا تجرجر اذيالها. حدث هذا صباح الخميس الاول من الاسبوع الاول من الشهر الاول من السنة الاولى، وهو في طريقه الى عمله في الصحيفة. ومضت الايام تتجول في شوارعها منطوية على افراحها المولّية. الى ان حل الخميس التالي. في صباحه الباكر استيقظ نشيطا على غير عادته. استبدل ملابسه القديمة على غير عادته في الخميسات السابقة. وتعطر كمن ينوي الانطلاق الى موعد فريد. وقف امام مرآته كمن يقف اول مرة. سوّى شعره بيديه الاثنتين، لا بواحدة كما فعل في الماضي. ابتسم «لقد كبرت قليلا»، قال لنفسه، واردف «ان يكبر الانسان لا يعني انه ينتهي».
خرج من بيته بسرعة من يريد اللحاق بالباص، او الحياة، كل خطوة كانت تقربه. ترى هل سيراها؟ هل سيوصل الخميس بأخيه الخميس التالي؟ اسئلة كثيرة تدافعت الى رأسه. لم يقطعها الا توقفه في المحطة المنشودة،. خسارة هي ليست هناك. انتابته حالة من القلق. هي ليست هنا. «هل تنتهي الاحلام بهذه السرعة؟». ما ان طرح على نفسه هذا السؤال حتى شعر بعينين تخترقانه من اعلى رأسه حتى اخمص قدميه. مرة اخرى، في غفلة من عيون الفضاء التقت نظراتهما مرة اخرى. قالت العيون، اسبوع كامل مضى دون ان نلتقي. نهر ضوئي من الكهرباء الحنون تدفق من عينيهما. الآن بامكانه ان يدنو منها، ان يفتعل اي حركة ان يثيرها ويلفت نظرها. هيا تقدم منها الوقت لا ينتظر تقدم قل لها اي كلمة حطم جدار الصمت، تغلغل في اعماق اللحظة التي انتظرتها نصف قرن من الزمان. لكن ماذا ستقول لها؟ من اين تبدأ؟، اخيرا قرر الاقتراب منها. من قال اننا ينبغي ان نخطط لما ننوي فعله، الم تعلمك الايام ان كل ما عليك، حين تنوي، ان تتقدم لتجد كل شيء بانتظارك؟ وتقدم منها الا ان باصها ما لبث ان توقف، ارسل نظرة حائرة اليها. لمحها وهي تتسلل الى داخل الباص. حاول ان يتابعها وهي تمضي بداخله، الا ان الباص اختفى بعيدا مخلفا في قلبه حسرات وحسرات.
وتوقف في مكانه كأنما هو يودع باصها، ما كان عليك ان تقف مثل المسمار في محطتك الخميسية، كان عليك ان تتقدم، ان تقتحم مجاهلك الرائعة. ما كان عليك ان تتخلى عن نفسك حتى لو تخلى العالم كله عنك. وماذا كنت تنتظر، المرة الثانية اكدت اختها الاولى والخميس الثاني جزم بما نطق به الاول. لمعت نظرته الكهربائية في عينيه مجددا، هو لا بد ان يفعل شيئا والا بقي مكانه لا يتقدم وخسر ما اوشك ان يربحه بعد خمسين عاما من الانتظار.
و، اضمر امرا.
صباح الخميس الثالث. افاق بعد ليلة حفلت بها وبنظراتها النورانية. اغتسل. ارتدى ابهى ثيابه. تعطر. ومضى باتجاه باصها. شعور من نوع آخر لم ينْتبهُ مثله منذ حل ضيفا على هذه الارض. كان اشبه ما يكون بطفل يمضي الى موعده الغرامي الاول.
ومضى يغذ الخطى.
ما ان وصل محطة الخميس، كما سماها منذ التقت نظراتهما الكونية المبهرة. حتى رآها هناك، تقف بأبهى ثيابها وتنبعث منها اطيب روائحها. الآن تأكد انه لم يكن في حلم. الآن سيتقدم منها وسوف يسجل بداية اخرى لحياته الحزينة بعيدا عن زوجته الهاجرة، الناكرة للمحبة. الآن، الآن وليس غدا، سيتوجه عطره الى عطرها وسيلتقي العطران. لا يهم ما سيقوله لها ولا يهم ما ستقوله له. المهم ان يقتربا وان تلتحم نظراتهما المغناطيسية، لينبعث الضوء.
الان، سيتقدم منها.
وتصور نفسه يتقدم خطوة ، فخطوة، كل خطوة تقربه منها. وسوف يقدم لها وردة حمراء بلون الدم، والحب الانساني الرفيع.
مرة اخرى اختلطت عليه الامور. ومرة اخرى كان لا بد له من ان ينطلق الى الحديقة القريبة. هناك رأى يوم الخميس، قبل الماضي، وردة حمراء تسبِّح خالقها وتنتظر عاشقا متيما يقدمها الى محبوبته.
وجرى الى هناك.
جرى كمن لم يجر في حياته، وبدا كأنما هو يجري أول مرة في حياته، كان يركض على رجلين من ورد وامل، كان متأكدا انها لن تختفي هذه المرة في فراغ الباص. كان متأكدا من انها ستنتظره، وانها اذا كانت ستختفي فانما ستختفي معه والى جانبه، وبيدها وردة حمراء قدمها اليها، هي وردة الحب الصافي.

كاتب فلسطيني

ناجي ظاهر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية