مفهوم حماية المدنيين… عن الفرق بين بنغازي والرمادي

ما الذي بإمكانه أن يجمع بين كل من الرمادي العراقية وبنغازي الليبية غير الجرح الغائر والألم الواحد؟ هو ما يجمع بين كل تلك المدن العربية التي تنتقل من حكم طاغية إلى تسلط أجنبي أو تغلغل إرهاب.
لتوضيح مقارنتي تجب العودة إلى عام 2011 وهو العام الذي شهد تدخل فرنسا والناتو من أجل إنقاذ بنغازي وغيرها من المدن الليبية من هجوم العقيد وقواته. كانت فرنسا ورئيسها آنذاك، ساركوزي، في قمة الحماس لذلك التدخل، الذي بات يسمى بـ»حرب ساركوزي»، فهو الذي بادر بالتحرك بدون انتظار الإجماع الدولي بسبب ما اعتبره آنذاك دواعي إنسانية لا تحتمل التأخير. ساركوزي عمل وقتها بجد أثار دهشة المراقبين، من أجل كسب اعتراف بـ»المجلس الوطني الانتقالي»، ومن أجل الترويج لقرار أممي يهدف لحماية المدنيين المحاصرين مستخدماً أبلغ العبارات الإنسانية وأشدها تأثيراً. لقد بدا الرجل لوهلة أشد حرصاً من الليبيين أنفسهم على إنهاء حقبة القذافي.
كان هدف التدخل الفرنسي المعلن هو التدخل من أجل العدالة والإنسانية، وهو ما روجت له الرواية والدعاية الفرنسية في ذلك الحين بشكل مكثف. غبار المعارك وحاجة المدنيين الماسة والفعلية للحماية إضافة لتلك الدعاية القوية، كل ذلك لم يكن يسمح بإلقاء أسئلة حول تلك الحرب «الأخلاقية»، وعما إذا كان هدفها فعلاً الانحياز للشعب المغلوب على أمره. لكن بعد ذوبان ذلك الغبار طرحت هذه الأسئلة بقوة، خاصة أن فرنسا لم تكن قد تعاملت بالحماس ذاته مع الشعب التونسي، الذي دعمت طاغيته لدرجة أنها عبّرت عن استعدادها للتدخل لمساعدته على قمع الثوار، ومثل هذا يمكن أن يقال عن تعاطيها مع الثورة المصرية التي تعاملت معها في جميع مراحلها ببرود. هذه الأسئلة تمددت لتفضح سياسة المصالح الفرنسية التي تتذرع بالأخلاق وتتسمى زوراً بسياسة حقوق الإنسان، وهو الاسم الذي أطلقه ساركوزي عليها، في حين تمتعت، وتتمتع ما تزال، بعلاقة مميزة مع معظم الأنظمة الديكتاتورية والقمعية.
بدا واضحاً أن المصالح كانت السبب وراء إصرار فرنسا على تنحية العقيد القذافي، الذي رغم تحسن علاقته مع ساركوزي في آخر عهده، إلا أن نقاط اختلاف استراتيجية كانت تظهر بين الطرفين، أهمها مشروع القذافي الذي كان يطرح نفسه بين حين وآخر كبطل قومي ومناضل ضد الصهيونية والامبريالية، وهو ما يتعارض بالضرورة مع أهم المشاريع التي سعى ساركوزي لتحقيقها: توحيد دول المتوسط، بما فيها الكيان الصهيوني، تحت راية إقليمية واحدة. بالإضافة إلى أسباب أخرى من بينها مثلاً المداراة على فضيحة تمويل القذافي لحملة ساركوزي الانتخابية، والتغطية على العلاقة المريبة التي كانت تجمع بين الرجلين، والتي دعت سيف الإسلام القذافي للتصريح في 13-3-2011 بأن على ساركوزي أولاً أن يعيد الأموال التي أخذها قبل أن يبدأ العداء، وهو التصريح الذي تعامل معه الإعلام الفرنسي بجدية وساهم في تدني شعبية ساركوزي وإظهاره بصورة مشينة. هذا هو ما كان يفسر صراخ فرنسا لطلب المعونة الدولية من أجل التدخل السريع في ليبيا، بذريعة حماية الشعب الليبي من قائد متهور كان على استعداد لسحق الثوار والمعارضين.
لكل هذا فإن الإنسانية التي عمت «فرنسا الأخلاقية» والعالم لن تتكرر في مشاهد المجزرة السورية ولن تستيقظ حينما تعلن حكومة العبادي في الثلاثين من نوفمبر 2015 أن على سكان الرمادي مغادرتها في أقرب فرصة قبل أن يتم تدميرها بغرض سحق تنظيم الدولة الذي استولى عليها. لتوضيح المقارنة نقول إن حكومة العبادي اعتبرت السكان من السنة القاطنين في الرمادي رهائن عند التنظيم يستخدمهم كدروع بشرية، وهو ما يعني أنه ليس بإمكانهم الخروج الآمن، وأن أي محاولة لحرق الأرض ستعني بالضرورة التضحية بالآلاف من المدنيين السنة الذين لا حول لهم ولا قوة، بل إن الوضع في الرمادي هو أصعب بكثير من الوضع في بنغازي إبان الأحداث التي أدت للتدخل الأممي، فالمشكلة لا تكمن فقط في حصار الأهالي وعدم مقدرتهم على «التسرب» إلى الخارج، ولكنها تكمن أيضاً في ألا مكان آمنا يمكن الخروج إليه. لكن كل ذلك لم يشغل الإنسانية الدولية التي بدا أنها مستعدة للتضحية ببساطة بأولئك الذين لم يكن بيدهم إلا إرسال رسائل استغاثة يائسة.
فرنسا التي تدخلت بلا تردد لحماية المدنيين في ليبيا وفي أفغانستان، لم تحرك ساكناً في العراق فقد كانت بحاجة للتنسيق مع الحكومة المركزية من أجل تنفيذ الضربات الدولية التي تستهدف، نظرياً، تنظيم الدولة. أكثر من ذلك فقد تبرع العالم الحر وعلى رأسه فرنسا بتوفير غطاء جوي ودبلوماسي لعملية الحكومة العراقية ضد معاقل تنظيم الدولة المفخخة بالمدنيين. الاختلاف بين كل من بنغازي والرمادي لا يكمن في نوعية المدنيين، بل في نوعية السلطة التي تحكمهم، ففي حالة بنغازي كانت السلطة توصف بأنها منزوعة الشرعية، حيث اتفق الأوروبيون والأمريكيون الذين يمثلون «المجتمع الدولي» على أن القذافي لم يعد مؤهلاً لقيادة ليبيا، أما في حالة العراق حيث تتمتع السلطة هناك بالدعم والرعاية من تلك الأطراف، وهو دعم لم يتوقف منذ احتلال العراق وبدء تنفيذ «خريطة الحريق»، فإن الوضع يختلف، حيث يصبح من حق السلطات هناك تأديب شعبها بالشكل الذي تراه والتصرف بحرية حتى لدرجة التضحية بحق بعض المدنيين في الحياة.
من مفارقات العلاقات الدولية أن مبدأ التعامل مع المدنيين بحسب السلطة التي تحكمهم هو مبدأ مشترك بين الروس والغربيين، اللذين يبدوان في الظاهر متناقضين، ففي الحالة السورية التي يتعامل الروس مع قائدها كرئيس لم يفقد شرعيته بعد، يتم غض الطرف عن كل الجرائم، باعتبار أنها ليست سوى نوع من تأديب العناصر الخارجة عن القانون، أما الغربيون فيطالبون بقوة بحماية المدنيين لا لحرصهم وتفانيهم في حماية المدنيين، وإنما كوسيلة للضغط على رئيس مزعج.
هل يمكن فعلياً الانتصار على الإرهاب باستخدام تكنيك الأرض المحروقة التقليدي؟ هذا هو التكنيك الذي كان ينوي القذافي استخدامه للقضاء على الجميع في بنغازي وإنهاء قوة التمرد، وهو ما عارضته المجموعة الدولية، خاصة فرنسا، لاعتبارات إنسانية، وهو أيضاً التكنيك المستخدم بقوة لمحاربة المتطرفين في العراق وسوريا عبر هدم المدن وتسويتها بالأرض، بحيث تصبح المدائن عارية إلا من بعض أوراق الشجر والرفات والأنقاض.هو ما يستخدمه المتحالفون فوق الأرض السورية، رغم علمهم أنه لا يحقق أي انتصار إلا على العزّل المدنيين الذين لا يستطيعون تدبر أمورهم بالسرعة التي يتدبر بها المقاتلون أمورهم. أولئك سيهربون ثم لا تلبث مجموعاتهم أن تعاود الظهور في المناطق ذاتها أو في مناطق أخرى، وهو ما تكرر أكثر من مرة في العراق وفي أفغانستان وفي سوريا، ومؤخراً في شمال أفريقيا.
أنت لا تحتاج لأن تكون خبيراً عسكرياً أو محللاً استراتيجياً من أجل التوصل إلى حقيقة أن ما تقوم به كل من قوات التحالف والقوات الروسية عبر هجماتها الجوية وطلعاتها غير محدودة العدد، ليس سوى عبث واستهتار بأرواح المدنيين غير المحاربين وتضحية بهم بلا ثمن، حيث أننا سنكتشف في حالة الرمادي مثلاً وبعد ذوبان نشوة الانتصار التي عمت المنطقة بفعل التعتيم الإعلامي واحتكار المعلومة الذي تمارسه السلطة العراقية، أن القوات العراقية لم تنجح في الاستيلاء على المدينة حيث تتواصل حتى تاريخ كتابة هذه السطور عمليات الكر والفر، كما يواصل المسلحون التابعون لتنظيم الدولة شن الهجمات التي راح المئات من العسكريين العراقيين ضحية لها بعد أيام فقط على إعلان ما سمته نصراً. الخشية الآن ورغم الاستمرار في نهج التدمير الشامل للبشر والطبيعة والحجر أن يتكرر ما حدث في الموصل من هروب لقوات النخبة العراقية وهو ما سيمنح التنظيم عدة وعتاداً مجانياً.
هناك سؤال أخير مطروح بشدة رغم ألا أحد يبدو أنه بصدد الإجابة عنه وهو: ما طعم النصر الذي يأتي بعد تدمير مدن كبرى كالرمادي أو الموصل أو حلب وقتل أهلها بمدنييهم وعسكرييهم؟ حتى أولئك الذين سنقول لهم أن بإمكانهم العودة لأن المكان صار آمناً كيف سيكون بإمكانهم فعلياً العودة إلى اللاشيء؟

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية