د.
ياسر محمد حسن الإرياني
قصة من الخيال الاجتماعيقبل أن يفجر نفسه بدقائق ,ربما بثوانٍ,لا يتذكر؛ أحس برجفة البرد؛ تلك الرجفة التي يعرفها جيدا,فهي تنطلق,قلقاً من عمق القلب,لتنفض الجسد كله, وتعود فتنسكب,تململاَََََ ًوحزناً من خلال الأوردة,والأعصاب, فتنقبض بها الروح,مع الجسد ,وتستمر هذه الدورة,حتي يوقفها ,بدفن رأسه بين يديه, ثم الصراخ الباكي.
مرت بخاطره التجربة الأولي لتلك الرجفة:
في شتاء إحدي الليالي الجامعية,قبل امتحان صعب,تمني وقتها لو أنه يتدفأ جيداً وينام ويؤجل ذلك الامتحان؛ لكن هيهات,لم ينم جيدا,ولم يؤجل الامتحان, و كان السقوط في درجات الرسوب… بعد فشلٍ متكرر ترك الدراسة الجامعية. أحس بتلك الرجفة,بالدرجة الأشد, حين ماتت أمه,فجأةً,ومن غير سابق إنذار؛ كان يقول لنفسه إنها لو ماتت لكانت المصيبة التي لا بعدها مصيبة,وإنه ربما يجن:
لولاها لما كانت له حياة,فكيف تذوق الموت,من أعطته الحياة.. أبوه مات حين كان صغيراً في أولي سنيه الدراسية, يتذكره ميتاً فقط, فقد كان مخموراً دائما,لا يصحو من السكر إلا لينام علي الثمالة,أضاع أرضه وتجارته علي الخمر.
أتعب نفسه وأتعبهم معه,حيا وميتا,فلم يمت إلا بعد صراع مع المرض.
تحملت أمه عبء ديون الميت,وعبء الحياة… في العزاء ,جاءه(ناشر) أحد زملاء الجامعة,وبدأ يحدثه عن الصبر والاحتساب,وعن قضاء الله وقدره.
بدأ زميله ذاك يتحدث كشيخ متبحر بالدين,أعجبه حديثه وبدأ يحس معه ببعض السكينة.
لكن ما أثار عجبه أن زميله كان يمثل معه,قبل سنين, أكبر (سكيرَين) في مجموعتهم,وزاد عليه ناشر هذا بأنه كان أكبر منافق وانتهازي من بين زملائه. في زيارة أخري قال ناشر:
هل تعرف أولئك الزملاء ,كانوا يحتاجون إلي شخص مثلي ينافقهم,ويمدحهم بما ليس فيهم,يشعرهم بأهميتهم,ويفكر بالنيابة عنهم.
وشخص فقير مثلك حتي يعاملوه كالخادم:
احضر لنا الكاسات,اشترِ لنا طعاما,أضحكنا.
كانوا يستغلونك ويصرفونك عن الاهتمام بدراستك,أنا ظللت أتقرب منهم وأنافقهم,لكنني كنت أذكي منك,فقد كنت أجد وقتاً للتهرب منهم حتي أذاكر دروسي,هل تعرف أنهم تراهنوا عليك,أن يجعلوا منك,سكيراً,وفاشلاً مثاليا!
؟ لقد كانوا يقولون هذا القصير النحيف الأسمر,الذي يرتدي الملابس البالية ذات القماش الرخيص,مع حذاءٍ مرقع, ينجح ونحن لا؛ فكان لهم ما أرادوا بل أكثر:
عشقت الحياة كما عرضوها عليك,كنت تتقبل استهزاءهم بك ,وتضحك قبلهم ,حين يقولون نكته عنك. أعلنت هزيمتك بأسرع مما توقعوا,وتركت الجامعة بسرعةٍ قياسية.
لكنهم لم يدعوك في حال سبيلك أيضاَ,فقد حاولوا أذيتك أكثر,فبعد أن تخلوا عنك أبلغوا والدتك بأنك تشرب الخمر أكثر من شربك للماء.
ثم كان من أمك ما كان من حزن ومرض منك وعليك.
وأنت ظننت أنها ,عرفت بحدسها,لم تشك بأن هناك من كانوا يذيقونك الموت يوماً بعد يوم,وأنت أخ مسلم ,لكنك فقير وهم أغنياء؛ خروف هزيل وهم ذئاب سمان. ظل ناشر يتردد عليه,يساعده ببعض المال ,ثم يعطيه عملا قي مكتب عقارات يمتلكه,لم يكن هناك عمل معين يعمله سوي نسخ بعض العقود ,أو دفع بعض الفواتير.
علي كل حال شعر بامتنان شديد لناشر,لقد جعله يتذوق الحياة من جديد:
أطعمه أشهي طعام,أعطاه مرتبا جزيلاً وأستأجر له شقة جديدة وجميلة… إنه يحس بالإحساس نفسه, حين كان صغيراً,يستمتع باللعب في الحديقة مع الأطفال ويود أن يلعب طوال عمره, ثم تعطيه أمه قطعةً صغيرةً من الحلوي حين يأتي وقت الرواح , كان يصيح من أعماقه: الله.. هل يعقل أن يكون هناك من يهتم بالآخرين ويرعاهم مثل ناشر,تساءل وهو يتخيل كيف كانت حياته ستستمر بعد فقدان أمه.. بدأ هو يتردد علي الجامع للصلاة,حياءً من ناشر, الذي كان لا يترك الصلاة الجامعة أبدا. كان ناشر يعطيه بعض الكتب ليقرأها في أوقات فراغه الكثيرة.
كانت عناوين الكتب من نوع الجاهلية الجديدة,الفساد يعم الأمة,غثاء السيل,وغيرها من الكتب ذات الخط المتشدد,التي يكتبها إما كاتب مغمور قليل اطلاع,وإما مجهول جهول؛ وبين هذا وذاك كان يريه صوراً لفقراء يموتون,أو أطفالاً فلسطينيين يقتلون,أو صور مسلمات يغتصبن,بعد شهور أصبح من غير أن يشعر يتحدث كناشر, ويفكر مثله. بعد مدة ليست طويلة, جاءه ناشر,وعلي وجهه علائم الانهيار والصدمة؛ اخبره بأنه تعرض لعملية أدت إلي إفلاسه بسبب خيانة أحد الشركاء.
بدأ يدعو بالويل علي هذا المجتمع الكافر الخائن.
وبلغةٍ هستيرية فتح ستارة النافذة,صارخاً,هؤلاء كلهم خونة,عصاة,مبدلون ملبسون الحق بالباطل,كذابون,حقودون, حسودون,فارغون.
يستحقون الموت…. ++++++++++++ وهو يمر بين أزقة الحواري في طريق عودته إلي بيته القديم, الذي اشترته أمه بعد سنين من المعاناة, وجد أحد أطفال الجيران يجري حافياً بملابس قذرة,ووجهٍ مدهونٍ بتراب الأزقة؛ وضع حقيبة ملابسه,وحمل الطفل مخاطباً إياه:- أريدك أن تنتعل حذاءاً,وتهتم بنظافتك,وإلا سيحدث لك,ما حدث لي وأنا في سنك,مرضت,وبكرت بي أمي إلي المستشفي,وبعد انتظار ساعات,لم يكد يشاهدني الطبيب حتي كتب لي,أصنافاً من الإبر الموجعة, والأدوية المرة,دبرت أمي ثمنها بشق الدين.
وضع الطفل علي الأرض فجري مذعوراً, وأطلق عليه وابلاً من الشتائم ,وعبر نهر الشارع الإسفلتي,الذي يفصل الأبنية القديمة الملتصقة ببغضها البعض إلي قسمين,وبما أن أغلب البيوت بغير أفنية,فإن الأطفال غالباً ما يتقافزون إلي هذا الشارع فيصبحون هدفاً سهلاً,للسيارات الطائشة,التي لا يحكمها عقل سائق, ولاحتي مطب لتهرب أهل الحي عن دفع تكاليفه؛ يقول المتهربون:
الله يحفظ (الجهال)!!!.. حدق في البيوت حوله:
بيت السائمي.
لا بد أنهم كما تركهم,ست أسر في بيتً ضيق ورثوه عن أبيهم الذي كان مغترباً طوال عمره وكانت حصيلة غربته هذا البيت.
الزواج والطلاق عندهم سيان,يطلقون (المَكَالِف)لأسباب أوهي من خيط العنكبوت: تأخرت في إعداد الأكل.. قالت له كلمه(سع هذه).. الخ!!! يختفي أغلبهم طوال النهار,يخزنون في الحدائق أو في الطرق المحيطة بصنعاء,ولا يعودون إلا في المساء ليناموا وينجبوا بعض الأطفال ,يضيفونهم إلي الأغلبية التي يمتلكونها في الشارع,والتي لا تتأثر بمصرع أحد الأطفال علي أسفلت الشارع,أو اختفاء آخر بعملية تهريب إلي خارج البلاد!! يلتصق بذلك البيت سلسلة من الدكاكين التي يسكن فيه الكثير من عمال البناء,والحمالين العزاب.
دائماً ما يحدثون جلبةً في الشارع,عند انتهائهم من مضغ القات والجلوس في قارعة الطريق, أو عند عراكهم لسبب مثل أن أحدهم أخذ عملاً علي آخر,أو تأخر في دفع الألف ريال نصيبه من الإيجار,أو سخر من منطقة الآخر.. هذا عدا عن الرائحة الكريهة التي تنبعث من محيط الدكاكين,لعدم توافر حمامات,بعضهم فقط يذهب لحمامات الجامع لقضاء حاجتهم,والاستحمام مرةَ أسبوعياً قبل صلاة الجمعة!! ثم يأتي بيت السلباطي,الذي كان يضايقهم دائماً:
بلطجي بالأجرة,وشاهد زور تحت الطلب,وحارس أراضي مغتصبة,ولص في بعض الأحيان, لكن لا أحد يجرؤ علي مجابهته لأنه(خبير) شيخ من أولئك الذين يسيئون للمشيخة؛ كأنه لمح كبري بناته تنظر إليه من النافذة,شك في ذلك قديما ًأيضاً, وكان يقول لما ستنظر أي فتاةٍ إلية,وإن كان في إحدي الحفلات التي رتبها زملاؤه أولئك,قد لمح فتاةً تشبهها بصورةٍ كبيرة,إلا أنها كانت تضع الكثير من مساحيق التجميل,عموماً آخر عهده بها كان منذ سنين قبل أن تكبر وتتحجب.
وقبل أن يصل إلي منزله لا بد أن يمر ببعض الباعة الجائلين,الذين يحملون بضائعهم كالخضروات والفواكه فوق عربات يد,إلي جانب بعض (المقاوتة) الذين يفترشون الرصيف.. ولأن منزله يتكون من غرفتين ضيقتين,وحمام قد بنيت جميعها في مساحةٍٍ مثلثة الشكل فلم يحتج لكثير وقت حتي يجلو تراكمات الشهور التي ترك فيها البيت.
أخيرا ًنفض الغبار عن الفراش الوحيد الذي في غرفته,والذي يستخدم للجلوس نهارا,وللنوم ليلا, واستلقي وهو ينظر إلي اللمبة الصفراء الضعيفة التي تتدلي بخيطٍ,مشدودٍ,كأنها تحاول الهرب من السقف الخشبي المهتريء,لتشربه بمياه الأمطار,والذي ربما ينهار في أقرب فرصةٍ ماطرة؛ وهنا أستحضر حلاوة الاستلقاء في شقته التي تركها,وفي بيوت أصدقاءه الفارهة,حين كان يعجب بشرفات منازلهم التي كانت بأضعاف حجم منزله,بأثاثها الفاخر وجدرانها الخارجية الزجاجية العاكسة,التي كان يتسمر وراءها حين تنام المجموعة كلها بعد ليلةً ليلاء,ويستمر في تأمل السماء ونجومها, حتي يجلو ليلها شمس الصباح, من دون أن يعني له ذلك شيئا,ثم يتحول بعد ذلك إلي مراقبة وجوه العابرين في الشارع ,عن طريق منظار يستخدمونه عادةً للتلصص علي بنات الجيران,يبحث في وجوه الناس ,طلاب, عمال , موظفون,فتيات منقبات و كاشفات,بعضهم مبتسم بعضهم عابس ,أو مدخن,يتبادلون حديث الشكوي,وربما الفخربشيء ما.. يستمر في مراقبة خطواتهم,حتي تخلو الطريق من آثارهم ,وعندها يسلك تلك الطريق عائداً إلي بيته ليجد تقريع والدته في انتظاره,لكنه لا يهتم,يتأفف في وجهها قليلا,و يمد فراشة وينام عميقاً. استمر في الاسترسال في تلك الأفكار طوال اليوم,ولم يتوقف عنها إلي حين فاجأته, حصتهم اليومية من انطفاء الكهرباء.
ذلك قبل أن يهز الظلام صوت طرق الباب.
تساءل من تراه من الجيران قد اهتم لغيابه وجاء يرحب به. استفسر: – من طارق الظلام؟ جاءه صوت نسائي:-أنا مرزوقة بنت السلباطي,افتح الباب أرجوك كشفت له عن وجهها, و سألته هل عرفتني؟
في تلك اللحظة تأكد أن مرزوقة هي نفس الفتاة التي شاهدها في إحدي السهرات الماضية و قبل أن يفيق من صدمته ,أغرقته في بحر الصدمات. ما زال الألم يعصره,وتوابع الزلزال الذي أحدثته زيارة بنت الجيران لما تهدأ بعد. لأن ناشر كان يسأله عن أحواله,وهو ساهم لا يجيب.. سأله صائحاً عما به ,فأجابه:-إنه فاجع زميلنا السابق.. هنا.. في الحارة.. فتاة.. حاملٌ منه:
ضحية,وطلبت مساعدتي لأنها تعرف بصداقتنا السابقة,أخبرتها بأنني لم أعد صديقة,فتوسلت إلي وكادت تقبل يداي كي أساعدها,وأقنعه بالزواج منها,قبل أن يعرف أبوها,فكل ما سيفعله هو ابتزاز أهل فاجع من أجل بعض النقود,ثم سيقوم بذبحها بدمٍ بارد.-وبماذا ستساعدها أنت؟
هذا ما يفعله فاجع,دائما,يغري البنات بسياراته,وهداياه,يدخلهن عالم لم يشاهدنه إلا علي شاشات الفضائيات الغنائية,يلهو معهن بعض الوقت,يسلبهن أغلي ما يملكن, ثم يعطيهن عنوان مستشفي التجميل ,لتصحيح ما تم.. انصحها بأن تقبل عرض فاجع ,أفضل لها,أدعها إلي العودة إلي الطريق القويم,وإن كنت أشك في أنها ستفعل… وأنت إياك والتفكير بأنك تستطيع أن تعيد الناس إلي جادة الطريق بسهولة,أو أننا نستطيع أن نقيم عليهم الحد,فالعصر غير العصر. فأبو فاجع مسئول وتاجر كبير ويستطيع التغطية علي كل شيء,بما فيه أنا وأنت.. وكما توقع ناشر, يبدو أنها ذهبت إلي المستشفي,ويبدو أنها لم تتب,فسرعان ما رآها صدفةً في سيارةٍ تحمل لوحات لدولةٍ مجاورة,بجوار شابٍ أجنبيٍ.. دخل الحارة وهو يتفرس في الوجوه التي يصادفها,وهو يردد بصمت كلمات مرزوقة,حين حمّلت جيرانها أسباب ما وصلت إليه قالت:- لو أجبتم نداء صرخاتنا,لوضعتم حدا لذلك الأب الذين كان يعود فاقداً للوعي من السكر,ويذيقنا أقسي العذاب.. هل تعرف أنه في إحدي المرات لم يميز بيني أنا وأمي,إلا بعد أن هربنا لبيت الشيخ,وشكوناه,فما كان من الشيخ إلا أن قرعه ضاحكاً وهو يقول فتح عيونك (سوي)يا لعين الوالدين.. الشارع كله كان يخاف من والدها,بذاءة لسان,تحرش بالناس تدخل في أي عملية بيع أو شراء,أو حتي إيجار فلا بد أن يأخذ نسبته.. أبوها هذا هو من شجع أصحاب الحي بمناداته:
ابن المكلف. لم تكن مرزوقة الشخص الوحيد في الحي الذي تواصل معها,قبل أن يعتزل الناس كما نصحه ناشر.
فقد عرف طالباً جامعياً يدعي عماد ,تعرف عليه في الجامع,فهو يذاكر هناك,لاستحالة ذلك في الدكان الذي يتقاسمه مع أخيه (الشاقي) وأربعةُ آخرون من العمال الشُقاة.
يعمل معهم أحيانا حتي يجمع مصاريف الدراسة,وأول كل شهر يكون أحد الذين يجمعون الصدقات في الجامع لفقراء الحارة,هو يتعاون مع الحاج أحمد أمام وخطيب الجامع,لأنه صاحب الفضل عليه في إكمال دراسته.
فقد سمعه في إحدي الخطب يقول قولاً مأثورا:”من أعظم المصائب علي الرجل أن يري في نفسه تقصيراً فلا يبالي ولا يحزن” وقد كان قرر عشية تلك الجمعة أن يترك الدراسة,ويصبح عاملا دائما مثل أخيه,وأبيه.
حين صارح الحاج أحمد ,شجعه علي الاستمرار,في الدراسة,ووعده بأن يساعده.
قال له:
البلاد تحتاج للمتعلمين,أكثر من العمال العاديين فهم أكثر من الحاجة,لكننا ما زلنا نستعين بغير اليمنيين في كثير من التخصصات العلمية,والعملية.. الغريب في الأمر أن عماد اختفي فجأة,وإن كان قبل اختفائهً,قد عرفه علي ناشر!!! بعد أسابيع اشتدت المعاناة,وزاد البؤس,وقلّ المال.
جلس ناشر إليه, وعلي غير عادته بدأ يسرد عليه بعضاً من ماضيه الخاص:
يذكرني وضعنا هذا بوضعي بعد تخرجي من الجامعة, لم يرضَ زملاؤنا أولئك أن يقرضوني فلساً واحداً,حتي أبدأ حياتي العملية.
تعبت من أجل توفير عمل.
ثم تنقلت في عديد من الأعمال,بعدها بدأت أعمالي الخاصة,مثل: إعادة طباعة الكتب بغير ترخيص من الناشر الأصلي,كنت أعيد كتابة كتب كاملة بنفسي ثم أطبعها في أحدي المطابع,وأتولي توزيعها , كسبت من هذا العمل كثيراً,ثم قمت باستيراد البضائع المقلدة,حتي تهريب الأدوية عملت فيه.
توسعت معارفي وكذا طرق جمعي للمال ,صدقني ما كنت لأكسب قرشاً واحداً لولا مهارتي واحتيالي علي الناس,وهم في الحقيقة يظنون بأنهم احتالوا علي.. كنت أبحث عن المزيد إلي أن وجدت طريقي الصحيح. صمت قليلاً ثم قال:
الآن,ولم يعد معي إلا بعض المال الذي بالكاد يكفي لتدبير معاشنا, لا يهمني أن أبدأ,وأن أحصل علي ثروة أكبر ,وأنا قادر علي ذلك,فقد فتح الله علي بما هو أحسن من ذلك.. ثم تحول إلي الحديث عن الحياة الآخرة,وعظمتها,وعن شوقه إليها,وعن المسلم الحق الذي يحب الموت كما يحب غيره الحياة الدنيا. سأله بغتةً وهو ينظر في عينيه مليا: – هل تحب أن لنا الجنة بدلاً من هذا البؤس.- بالطبع ,أتمني ذلك. – إذاً فابتهج لقد سخر لنا الله من يسهل لنا هذا الطريق بدلاً من العيش في هذا المجتمع الفاسد الفاجر,الذي لا يستأهل الإسلام دينا,وعلي العكس من ذلك فقد نسهل له بسلوكنا هذا طريق العودة الحقيقية إلي الإسلام. -تساءل:
كيف؟-هل تذكر حين حدثتني أن أمك -رحمها الله- في إحدي المرات ظلت تعايرك بعطلتك وانصرافك عن دراستك, وكان التلفاز يعرض وقتها لخبر عن شخص قام بتفجير نفسه,في سوقٍ مكتظ.. قلت لها وقتها أنك تتمني لو تفجر نفسك وسط جيرانك.
لابد أنك تمنيت لو أنك تعرف كيف تصنع هذه الأحزمة الناسفة,مع فارق أنك لم تكن لتفجر نفسك إلا حقداً وغلاً,وليس لنصرة الإسلام كما تود الآن.- أنت محق,فقد كنت في ذلك الوقت غضباناً,ومحبطاً من الجيران الذين كانوا يعيرون أمي بفشلي,ويعيرونني بأنني(ابن مكلف),بصراحة لم أكن أعني ما أقوله.-لكنك الآن لا بد أن تعني ما أقوله عن وجوب نصرة الإسلام بالشهادة.- هذا شرفُ يحلم به أي مسلم حقيقي؟-صدقت؛ كم ستُصدق ما وصل إليه الكثير من علمائنا المجتهدين من أن بعض المسلمين,اسماً,يستحقون الموت.-لا أفهم ما تقصد.-بل تفهم,أن قتل اليهود ومن والاهم ليس كافياً لنصرة الإسلام,فهم لا يتأثرون,مما نوقع فيهم من خسائر,لأننا قله,ولأن هناك من أهلنا الذين ينتسبون قولاً للإسلام,من يواسيهم.
هنا في بلدنا هذا يوجد الكثير من أعوان الكفر,الكثير من الأماكن التي لا تشعر معها أنك في بلدك المسلم.
وأنها مراكز لدعم أفكار الكفر.- مثل ماذا؟- مثل احتفالات السفارات,فهي تحيل بقعة من أراضينا إلي مكان للتبرج والسفور المحرم, وتعليم أبناء بلدنا شرب الخمور… مثل ذلك المرقص الذي كنا نرتاده مع زملائنا تذكر كيف كان مكاناً للهدم:
شرب الخمور,تبادل الأفكار المحرمة,وأرقام الفتيات سيئات السمعة.. تذكر كيف كنا نستمتع بذلك من غير أن يساورنا,خوف من الله.- لكننا الآن في خير حال بعد أن تاب الله علينا,عل الله يهدي الآخرين.
آمين.- يهدي من!! الشياطين لا تهتدي,الشياطين تغوي فقط.
وإذا كانت من الإنس فأمرها أسهل: الموت. مستغرباً من هذه اللهجة التي أستخدم معها ناشر تعابير توحي بالسعادة استفسر:- موت من؟
؟ ؟- موت الشياطين هؤلاء الذين أغووني وأغووك,في تلك الأيام؛ الذين دمروا عملنا ومصدر رزقنا اليوم! الذين يمارسون هذا العمل يومياً ولا يكتفون,هدفهم الوحيد أن تشيع الفاحشة في المؤمنين.-هل تعني ذلك!!! نقتل زملاءنا,أنت تعرف أن كل المسلم علي المسلم حرام!- أي إسلام,وأي مسلمين,وأي زملاء.. هؤلاء الذين يستوردون القماش الرديء ويسخرون منك حين ترتديه,هؤلاء الذين يحزنون حين تكون متفوقاً,ويرمونك كالقمامة حين تصبح أفشل منهم.
هؤلاء الذين يصرفون علينا الآلاف المؤلفة حتي نعصي الله,نسكر,نرتكب الفواحش.
وإذا مت أنت وأمك جوعاً فلن يرموا لك حتي بفتات مائدتهم؛ بل علي العكس لقد كانوا يتندرون بكدح أمك كخياطة و دلالة,تجري علي رزقكم يوماً بيوم.
تمرض فلا تملك ثمن العلاج بل تصبر وتعمل!
هؤلاء الذين لا يساعدون اليتيم ,بل يعايرونه بأنه (ابن مكلف)ولا يعلمون أن هذه المكلف أفضل من كثيرٍ من آبائهم. أنا-شخصياَ- لم أكن أفضل منك فوالدي كان يعطيني مصروف الجامعة اليوم ,ويخاف كيف يدبره ليوم غد. هل تعرف أن هؤلاء كانوا يتراهنون فيما تصلح له أنت, من عمل:
اسكافي أم حمال,لم يروك فوق ذلك من الأعمال فالميدرة ,والهندسة,والدكترة,والمال لهم فقط… هل لك قدوة بالسابقين:
المسلمون الأوائل قاتلوا إخوانهم وآباءهم في بدر وأحد وبقية الغزوات,نصرةً لدين الله,فهل نتأسي بهم أم نكون جبناء عاطفيين.
هذا ما فطن إليه بغض الأخوة في العراق,والمغرب,والجزائر,ففجروا أنفسهم في الأسواق,ونوادي الإنترنت,وجوار مباني الفساد الحكومية…-…………….-لماذا أنت صامت,أم أن حديثك عن الشهادة والجنة كان لتقضية الوقت,وتزجيته,وحين جد الجد فأنت تدافع عن هؤلاء الأخطر من اليهود ومن والاهم.. أقول لها وقد طارت شعاعاً من الأبطال ويحك لن تراعيفإنك لو طلبت بقاء يومٍ علي الأجل الذي لكِ لم تطاعي في إحدي نقاشاته الساخنة مع والدته,بعد أن حاولت أن تقنعه بالعودة للدراسة,أو الالتزام بأي عمل شريف,كان يتأفف في وجهها,ويقول:-غداَ يأتي موت,فلا يبقي مني ومنك شيئا,وبما إنك مؤمنة فأنتِ تعلمين بأن رزقي ورزقك,و أجلي وأجلك مكتوب منذ الأزل,فلن يؤثر جهدي أوكسلي,علمي أوجهلي في رزقي:
سيان.
أجابت أمه:- أعرف, ولكن أن يأتيني رزقي وأنا أتوكل علي الله في عمل من الأعمال وأخلص فيه,خير من أن يأتيني علي ذلة.. أنت تذكرني بوالدك, فقد كان يتحدث مثلك,وكنت أقول له أن يأتيه أجله علي طاعة الله, خير من أن يأتيه وقد تمادي في معصيته… يبدو أنه لا فائدة اليوم منك كما لم تكن بالأمس من أبيك….. قبل موعد العملية بيوم,ذهب في مراجعة نهائية للهدف؛ قاد السيارة الحديثة وهو مستغرق في إستغرابة,فلم يكن يحلم يوماً بأن يقود سيارةِ كهذه,ربما ركب مثلها مع أصدقائه,الذين كانوا يؤذون بها الناس في الشارع,تفحيط وصوت أغاني مزعج,ومعاكسة أي امرأة يصادفونها.
حياته المتقلبة حضرت في تلك اللحظة أيضا:
حياة صعبة كانت تكفلها والدته, بالكاد,لهو وعبث مع اصدقائة,معاناة بعد وفاة أمه,ثم حياة كريمة مع ناشر,ثم معاناة,والآن لديه الكثير من الدولارات,وسيارة فخمة ,كل هذه الأشياء ستصبح أثراً من بعد عين,بحلول مساء الغد.. ركن السيارة في الموقف و دخل إلي الفندق الفخيم,وطاف بردهاته,و بالمرقص المستهدف بشكل أساسي,يعلم أن تدمير المرقص يستلزم نسف الفندق بالكامل لأنه يقع في الجهة الخلفية منه.
نظر في مرآة كبيرة في أحدي الممرات,تفرس في ملامح وجهة,لبرهةٍ تخيل نفسه,بوجهٍ يشع بياضاَ, يرتدي ثياباً خضراً من سندسٍ وإستبرق,لكنه عاد ورأي نفسه يحمل الجسد النحيل ذاته, والوجه القمحي اللون,الذي عاد ذابلاً كأيام زمان,بعينين غائرتين تائهتين في حدقتين يراهما أضيق مما كان يظن ,وشارب ينسكب بائساً إلي أسفل زوايا الفم,و شعر مجعد ٍيشبه ليفة الغسيل , لعدم تعوده علي تسريحه.. أستدعي في ذهنه أيام اللهو السابقة في هذا الفندق,فكر ماذا لو أن أحدهم فجر المرقص فيما هو يتراقص بداخلة في ذلك الوقت.. جاءه صوته في إحدي حواراته مع ناشر تلك الأيام:- تصدق, لقد مللت هذه المتع,وهذا اللهو المجاني,الذي يحلم به أي شاب مثلنا.
ويأتيه رد ناشر:-أما أنا فأخاف اليوم الذي يأتي وتنقطع عني فيه هذه المتع.
اليوم كان حديثه مع ناشر عن طعم النوم, الجميل الطويل من دون ملل, في الموت,ثم الحياة الخالدة التي توفرها الشهادة. حين عاد إلي ردهة الاستقبال الخارجية,فوجئ بناشر نفسه يودع شخصاً غربي الملامح,ويوصله إلي سيارةٍ أجرة.. لم يطق صبراً حتي يعود إلي المنزل,بل بادره بالسؤال بعد انطلاق السيارة:- من هذا؟
وماذا تعمل معه هنا؟ تغلب ناشر علي مشاعر المفاجأة بسهولة, وأبتسم في وجهه, وأخذه من يده إلي سيارته, وانطلقا.
بعد صمتٍ صارخ,قال ناشر:-يبدو أنك محظوظ جدا ًحتي تسمع ما سأزفه إليك,هذا الأخ الفرنسي مسلم,ومتحمس أكثر مني ومنك لنصرة الإسلام,وقد كان من المؤكد بأن يقوم بعملية الغد بدلاً عنك لسهولة دخوله بالمتفجرات دون أن يفتش؛ لكن بعض الأخوة رأوا أن لا يقوم بهذه العملية,لأنه قد يخدم الإسلام في عملية أهم.. هل أسعدك هذا؟- .. أجل, ولكن ما أستغرب له أنك لم تعرفني بهذه المعلومات من قبل,ولم أقابل أحداً من الأخوة الذين تتحدث عن رأيهم, إضافةً إلي تهربك من بعض أسئلتي ,هذا غير أنك تقفل جهاز (الكمبيوتر)خاصتك حين أدخل عليك أحياناً؟- إن هذا لمصلحة الإسلام,حتي لايعرف المجاهد عن أخيه شيئاً في حالة وقوعه في الأسر,والشدة.
أما فيما يخص الأخوة ,فلا بأس من تبشيرك بأن لدينا أخوة أوفياء يعملون في جميع المرافق,فمنهم المسئول عن مراقبة مياه الشرب,ومنهم المسئول في محطات توليد الكهرباء,مدرسين,صحافيين,مستثمرين,أصحاب مزارع دجاج,ومصانع وغيرهم,يعني أنت غداً ستدشن أول عملية لنصرة الإسلام من أهله,والآخرون سيكملون الطريق إلي مدي لك أن تتصوره. عند انطلاقة بالسيارة ال(مونيكا) المعبأة بكمية هائلة من المتفجرات,رنت في أذنه كلمة ناشر الأخيرة”نلتقي في الجنة”. التي استدعت إحدي حكايات ناشر الأخيرة, عن إعجابه بأحد الأخوة الذي قام بنصرة الإسلام بسرعة بديهةٍ,وحكمةٍ خالصة,فقد قام في أحد الأسواق الكبري,بإحدي الدول العربية-حين لمح دبلوماسياً غربياَ- بتحريض أحد حراس ذلك السوق المسلحين قائلاً له:- ألا يؤذيك ما يحدث في فلسطين والعراق؟ ألا يؤذيك صعوبة توفير متطلبات بيتك وأولادك؟!
ألا تريد أن تنصر الإسلام,و يرزق الله أبناءك معاشهم,ويرزقك الجنة؟
خذ سلاحك وأضرب ذلك الدبلوماسي الغربي إنه أس الفساد,وسبب البلاء,ورأس الفتنة.
وبعد أن تركه كان الحارس يصوب سلاحه بالفعل باتجاه ذلك الدبلوماسي.. كان لناشر تسميته الخاصة للدبلوماسيين الأجانب:
الثعالب الأرانبية,ويفسر ذلك أنهم في المناسبات الإعلامية يظهرون الصداقة والود والتعاون,في الوقت الذي يتآمرون فيه علي العرب,أما إذا زارهم في السفارة مواطن عادي أو شخصية معروفة,فإنهم يستحيلون كالأرانب يفتشون الجميع تفتيشاً دقيقاً,ومهيناً,ويعاملونهم بفظاظة,لأنهم يؤمنون بأن الجميع قد يحملون أحزمةً ناسفةً,تطعمهم الموت.
كان يؤكد له أن حكمه ينم عن معرفة جيدة! بوابات الفندق مشرعة,وبمصادفة غريبة,كانت العوارض الأرضية المسننة في وضعية الفتح. السيارات كثيرة, لا بد أن هناك مناسبة ما, وستؤدي إلي وصول الرسالة إلي أكبر عددٍ من الغافلين. وقبل أن يفجر نفسه بدقائق,ربما بثوان,لا يتذكر,أحس برجفة البرد تلك,أراد بعض الدفء, الذي لم يشعر معه أن هذه المتفجرات التي تملأ السيارة,تستطيع أن تمنحه إياه,انتظر أن يشم ريح الجنة, كما قيل له,أخرج لسانه ليذوق طعم الخلود… البوابات مازالت تناديه,العوارض متباعدة.. زاد من سرعة السيارة, وأنطلق…… وبعد دقائق كان في مقبرة خزيمة,وعند قبر أمه بكي كثيراًً وحضن القبر ,شعر بالدفء يسري في أوصاله, ونام. في اليوم التالي كان بيان وزارة الداخلية يعلن,بعد التحقيق,إثر بلاغيين من شخصين- صاحبنا وآخر يدعي عماد- القبض علي الخائن ناشر الهثيان,بتهمة التخابر مع عميل صهيوني يحمل جوازاً فرنسياً مزوراً,أعطاه أموالاً ومخططاً للقيام بأعمال تخريبية كانت ستتسبب في دمارٍ هائلٍ في هذا البلد الآمن. انتهتالجهال:
الأطفال بالدارجة اليمنية بيت الشعر للشاعر قطري بن الفجاءة,أحد زعماء الخوارج. E mail:[email protected] الميدرة: أن تصير مديرا. الدكترة:
أن تكون دكتوراً سع هذه:
كناية عن أنها قالت له كلمة كبيرة, أو فيها قلت احترام كما يتصور.
المقاوتة:
باعة القاتخبير:
مرافق.
القات:
نبته معروفة تمضغ في اليمن,فتضيع الوقت والمال والصحة سيارة مونيكا:
سيارة نقل رباعي يابانية,:/ا هي عادة الناس في إطلاق أسماء غريبة علي السياراتخزيمة:
أشهر ومن أقدم المقابر في اليمن.