عدم انحياز الهند علي المحك… والعرب غير مبالين

حجم الخط
0

نقولا ناصر

تجد الدبلوماسية الهندية نفسها في موقف دفاعي بين فكي كماشة في مواجهة ضغوط امريكية تستهدف تخليها عن عدم الانحياز وضغوط وطنية تستهدف الحفاظ علي استقلالية سياساتها الخارجية تلتقي مع ضغوط دولية واقليمية تستهدف ابعاد نيودلهي عن احتواء القطب الامريكي العالمي الاوحد لها ضمن استراتيجيته للهيمنة العالمية، علي امل استثمار عدم انحياز الهند رصيدا حاسما لتطوير عالم متعدد الاقطاب يعيد بعض الديموقراطية والتوازن للعلاقات الدولية التي افتقدتهما هذه العلاقات منذ قاد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق الي انهيار نظام القطبين الدولي في اوائل تسعينيات القرن العشرين الماضي.

وبما ان الحفاظ علي حياد الهند فيه مصلحة واضحة للقوي الكبري الطامحة الي انهاء عصر القطبية الامريكية الاحادية وتطوير نظام دولي متعدد الاقطاب، وفيه ايضا مصلحة للدول الفقيرة في العالم الثالث الذي يعود الاستعمار اليه في ثوب امبريالية اقتصادية وعسكرية تتدثر ب العولمة تحت مظلة منظمة التجارة العالمية، فان عواصم عالمية مثل موسكو وبكين ناهيك عن العواصم الآسيوية والافريقية والامريكية الجنوبية المتضرر الرئيسي من اي انهيار للقلعة الهندية لعدم الانحياز تتحمل مسؤولية تاريخية في مساعدة الهند علي صيانة حيادها. والمفارقة ان الدول العربية تبدو غير معنية بامكانية انتهاء عدم الانحياز الهندي باعتباره تطورا تاريخيا واستراتيجيا سيؤثر حتما علي المعادلة الاقليمية في الجوار الجيوبوليتيكي المباشر لها وعلي المواقف اللاحقة المترتبة علي ذلك لدولة مثل الهند تربطها بالعرب وقضاياهم صداقة عريقة ومصالح ضخمة ولها ثقل اقليمي وعالمي راهن وثقل آخر واعد بتحولها الي قوة عظمي وهو ما بدات الولايات المتحدة فعلا تعد له العدة منذ الآن.

ولان الهند من الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز ولان رئيس وزرائها الاسبق جواهر لال نهرو، احد ابائها المؤسسين — الي جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر ونظيريه الاندونيسي احمد سوكارنو واليوغوسلافي جوزيف بروز تيتو — كان هو صاحب اسم عدم الانحياز الذي اتخذته حركة الدول النامية في العالم الثالث لنفسها عندما اختارت الحياد بين المعسكرين الراسمالي والشيوعي سياسة خارجية لها تخدم مصالح شعوبها في عصر الحرب الباردة، فان دفع الهند الي الانحياز في سياستها الخارجية سيوجه بالتاكيد ضربة قاصمة لهذه الحركة، خصوصا بعد ان سقط كثير من اركانها من اعضاء جامعة الدول العربية واعضاء منظمة المؤتمر الاسلامي في براثن الاستراتيجية الامريكية او في براثن الاحتلال الامريكي كالعراق.

ولم يتبق من اعمدة الحركة سوي الهند وايران وسورية ودول تيار اليسار الجديد ذي الآفاق الاشتراكية الذي يجتاح منذ فترة امريكا الجنوبية، مستفيدا من انشغال واشنطن في ترتيب اوضاع اوروبا الشرقية والشرق الاوسط لمصلحتها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وقبل ان تعود واشنطن الي منح الاولوية الي حديقتها الخلفية اللاتينية. وكان المؤسس العربي للحركة، الزعيم الراحل عبد الناصر، قد ادرك في وقت مبكر ببعد نظر استراتيجي يسجل له اهمية الدائرة الثالثة الافريقية والآسيوية لحركة التحرر القومية العربية وكانت قمة مؤتمر باندونغ لدول عدم الانحياز عام 1955 قد رسخته زعيما عالميا وكان هو الذي اضاف الي ادبيات الحركة مصطلح الحياد الايجابي للتعامل مع المعسكرين ايجابا علي اساس الندية والاستقلال بقدر ايجابية كل منهما في خدمة مصالح دول الحركة وشعوبها.

و الحياد الايجابي لحركة عدم الانحياز لم يكن مرضيا عنه من كلا المعسكرين غير ان علاقات الحركة الايجابية مع المعسكر الشيوعي الداعم لاستقلالها عن الاستعمار الغربي ولحركات التحرر الوطني في بلدانها التي لم تكن قد استقلت بعد ودعمه للتنمية فيها قاد المعسكر الراسمالي الي اعتبار الحركة حليفا للمعسكر الخصم. ويحاول الكثيرون اليوم تبرير علاقاتهم الامريكية بانها تندرج في سياق الحياد الايجابي لا في سياق التبعية لواشنطن في استغلال متهافت للشعار لا يقنع احدا.

نيودلهي في موقف دفاعيلقد كان البيان الهندي – الامريكي المشترك الذي صدر في واشنطن يوم الجمعة الماضي بعد اربعة ايام من المفاوضات المكثفة حول الصفقة النووية بين الولايات المتحدة وبين الهند هو احدث تطور في العلاقات الثنائية يسلط الاضواء علي حدث تاريخي يراقبه عن كثب الاستراتيجيون في عواصم عالمية مثل موسكو وبكين واقليمية مثل اسلام آباد وطهران ناهيك عن شركاء نيودلهي في حركة عدم الانحياز، ثم قبل هؤلاء جميعا المخضرمون في الدفاع عن حياد السياسة الخارجية الهندية من الحريصين علي الارث السياسي للمهاتما غاندي وجواهر لال نهرو لمعرفة انعكاساته علي التزام الهند بحركة عدم الانحياز.

وبالرغم من ان البيان تحدث عن ان الولايات المتحدة والهند تتطلعان الي استكمال هذه الخطوات المتبقية وابرام هذه المبادرة التاريخية فانه لم يوضح ما اذا كان الجانبان قد توصلا الي حل لنقطتي الخلاف الشائكتين الرئيسيتين حول حرية الهند في اجراء التجارب النووية وحريتها في اعادة تخصيب المواد النووية، بينما لا تزال غير موقعة علي معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية، وهما النقطتان اللتان يتمحور حولهما الجدل الوطني الهندي بسبب علاقاتهما الوثيقة باستقلال القرار الوطني والسياسة الخارجية، كما ان عدم توضيح البيان لما توصلت اليه المفاوضات بشانهما قاد وسائل اعلام باكستانية الي الاستنتاج بان المفاوضات قد فشلت، بالرغم من اشارة البيان الي اننا سوف نحيل الآن الموضوع الي حكومتينا للمراجعة النهائية.

فقد اقتبست الاسوشييتد برس اوف باكستان من الوول ستريت جورنال قولها ان فشل الولايات المتحدة والهند في التغلب علي خلافاتهما الرئيسية في اتفاق للتعاون النووي يمكنه ان يحبط طموح ادارة بوش و(الشركات) الامريكية متعددة الجنسيات معا. ويامل الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش في ابرام الصفقة النووية مع الهند قبل ان تنتهي ولايته في كانون الثاني / يناير 2009 ليسجل نجاحا في مجال السياسة الخارجية يعادل نجاح نظيره الاسبق ريتشارد نيكسون في الانفتاح علي الصين عام 1972 بينما تامل الهند في ان تمكنها الصفقة من توقيع بروتوكول مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يحظي بموافقة 45 دولة في مجموعة الدول الموردة للمواد النووية.

وظهر الموقف الدفاعي الهندي واضحا عندما فضل رئيس الوزراء الحالي مانموهان سينغ حضور قمة دول عدم الانحياز في العاصمة الكوبية هافانا في شهر ايلول / سبتمبر 2006 علي حضور دورة اجتماعات للامم المتحدة في نيويورك تزامنت مع انعقاده، اذ اختار لبلاده المؤسسة لحركة عدم الانحياز التي تضم 118 دولة عضوا فيها ان تؤكد لمثل هذا الرصيد الجيوبوليتيكي في السياسة الخارجية استمرارية التزامها بالحركة التي اعطاها اسمها رئيس الوزراء الهندي الاسبق جواهر لال نهرو، احد مؤسسيها وواضعي مبادئها.

والهند تدرك الآن حاجتها الي مثل هذا الرصيد الجيوبوليتيكي وهي تتطلع الي شغل مقعد دائم له حق النقض الفيتو في مجلس الامن الدولي كما ادركت منذ وقت مبكر ان عدم انحيازها سيكون مستهدفا كما قال نهرو في سنة 1947، عام الاستقلال: لو كنا دولة صغيرة لا اهمية لها في آسيا او اوروبا لما كان للامر اهمية كبيرة، لكن لاننا نؤخذ في الحسبان ولانه سيكون لنا وزن اكثر فاكثر في المستقبل، فان كل شيء نفعله يصبح عرضة للنقد وكثير من الناس لا يحبون ان يحسب حسابنا كثيرا. والمسالة لا تتعلق بوجهة نظرنا في ان نرتبط بهذه الكتلة او تلك، بل انها مجرد حقيقة اننا نمتلك امكانيات دولة عظمي وقوة كبيرة ومن الممكن ان بعض الناس لا يحبون اي شيء يمكنه ان يزيد في قوتنا.

رايس تكرر دالاسومن الواضح ان رئيس الوزراء الهندي سينغ كان يري في حركة عدم الانحياز قوة لبلاده عندما فضل حضور قمتها علي المشاركة في قمة الامم المتحدة، ومن الواضح كذلك ان واشنطن كانت وما تزال من بعض الناس الذين اشار اليهم نهرو ممن لا يحبون الحركة ويرون فيها مصدر قوة للهند، اذ سخر جون فوستر دالاس، وزير الخارجية الامريكي الاسبق في عهد الرئيس دوايت ايزنهاور، في 9 حزيران / يونيو 1955، من حركة عدم الانحياز قائلا في خطاب له ان الحياد قد اصبح بصورة متزايدة من مخلفات الماضي… انه مفهوم لااخلاقي وقصير النظر.

وبعد ما يزيد علي نصف قرن من الزمن عادت خليفة دالاس لتذكر به عندما خاطبت كوندوليزا رايس مجلس الاعمال الامريكي الهندي بواشنطن العاصمة في 28 الشهر الماضي قائلة ان الحركة فقدت معناها مع انني اعرف ان هناك من لا زالوا يتحدثون عن عدم الانحياز في السياسة الخارجية، وربما كان لذلك معني خلال الحرب الباردة عندما كان العالم منقسما حقا الي معسكرين متنافسين، قبل ان تحث رايس نيودلهي علي تجاوز طرق التفكير القديمة لصياغة شراكة استراتيجية براغماتية مع الولايات المتحدة مثلما تفعل دول كثيرة اعضاء في حركة عدم الانحياز وفي (اوبك) وكذلك في منظمة المؤتمر الاسلامي. وسارعت الهند الي الرد علي رايس: لا يوجد اي شك في التزام الهند الحازم والملتزم بعدم الانحياز كما قال الناطق باسم وزارة الخارجية نافتج سارنا، مضيفا ان حركة عدم الانحياز لعبت دورا هاما في انهاء التمييز العنصري والاستعمار واهميتها اليوم مستمرة في تشجيع التعاون بين الجنوب والجنوب وفي دمقرطة النظام الدولي. وعلي المستوي الشعبي سارع الشيوعيون واليساريون الهنود الي رفض المحاضرات الامريكية عن السياسة الخارجية مدافعين عن رئاسة كوبا الحالية لحركة عدم الانحياز.

ويري سريكانث كونداباللي، المحلل بمركز دراسات شرق آسيا في جامعة جواهر لال نهرو، ان رايس كانت تستهدف بتصريحها الاستفزازي دق اسفين بين الهند وبين جارتها الصين لانها كانت تلمح الي انه يجب علي الهند ان تتبع منطق تقاربها الاستراتيجي المتنامي مع الولايات المتحدة وان تعيد بقوة تنظيم كل توجه سياستها الخارجية العامة بما يتفق مع اولويات واشنطن. وكان خطاب رايس محاولة ايديولوجية لابعاد الهند عن الصين وعن ماضيهما المشترك في التضامن الافرو – آسيوي… ويمكن لذلك ان يدق اسفينا في العلاقات الصينية ـ الهندية التي شهدت نتيجة لذلك توترات في العلاقات الثنائية بعد تحسن مضطرد منذ اوائل التسعينات رفع قيمة التبادل التجاري بين الجارين اللذين لهما 3500 كم من الحدود المشتركة الي 26 مليار دولار في العام الماضي.

ومن الواضح ان ما اسمته رايس التقارب الاستراتيجي مع الهند ينذر بمضاعفات سلبية اقليميا وداخليا، والاستياء الصيني من هذه العلاقات ليس الا مقدمة لما هو آت. اما داخليا فان هذه السياسات الخارجية التي تثير اسئلة جادة حول استمرار الالتزام الهندي بسياسة عدم الانحياز، والمنبثقة عن سياسات العولمة الليبرالية الاقتصادية في الداخل، قد بدات فعلا تهدد بانفراط الائتلاف الحاكم لـ التحالف التقدمي المتحد بقيادة حزب المؤتمر الذي يعتمد في بقائه في السلطة علي الدعم البرلماني لـ جبهة اليسار التي يقودها الشيوعيون، اذ طالب الحزب الشيوعي الهندي مؤخرا باجراء مراجعة لهذا الدعم بينما عارضه الحزب الشيوعي الهندي – ماركسي خشية ان يقود تحرك كهذا الي اسقاط الحكومة غير انه في الوقت نفسه وعد بالعمل من اجل بديل سياسي كما قال رئيس مكتبه السياسي براكاش كارات لـ رويترز.

لقد اختارت رايس توقيتا لتكرار آراء دالاس في حياد الهند وعدم انحيازها تزامن مع ثلاثة احداث لها دلالاتها في طرح اسئلة جادة حول المدي الذي سوف تستمر فيه الهند ملتزمة بالحياد وعدم الانحياز كعنوان بارز في سياستها الخارجية. فهي اولا اطلقت تصريحها عشية المحادثات الثنائية حول الصفقة النووية وثانيا بعد عاصفة الاحتجاج الهندية التي اثارتها اول زيارة من نوعها قامت بها قادمة من الخليج العربي حاملة الطائرات الامريكية نيميتز التي تعمل بالطاقة النووية لميناء هندي وثالثا بعد ايام من اعلان هيئة ابحاث الفضاء الهندية عزمها علي اطلاق قمر تجسس اسرائيلي يدعي تيكسار من مركز الفضاء سريهاريكوتا (ذي تايمز اوف انديا، 18/7/2007). ان الصفقة النووية ما هي الا ذروة في العلاقات المتنامية بين نيودلهي وواشنطن التي زادت الاستثمارات الامريكية في الهند من 76 مليون دولار الي اربع مليارات دولار مثلما هو اطلاق قمر تجسس اسرائيلي ذروة في العلاقات الدفاعية المتنامية بين الهند وبين اسرائيل بعد صفقة الـ 2.5 مليار دولار لتطوير نظام صواريخ اسرائيلية متوسطة المدي للقوات البرية الهندية، التي تسربت اخبارها الي وكالات الانباء مؤخرا، وقبلها صفقة بـ 350 مليون دولار لاستخدام وتطوير نظام صواريخ باراك (برق) الاسرائيلية في البحرية الهندية.

ويتساءل انصار السياسة الخارجية الهندية المستقلة من الهنود وغير الهنود علي حد سواء حاليا — كما ينبغي للدبلوماسية العربية ان تتساءل ايضا كون قضاياها من اكبر المستفيدين من هذه الاستقلالية — عن التوقيت الذي سيشهد الترجمة الواقعية التي هي تحصيل حاصل للتفاعل بين السياسة الخارجية الهندية وبين علاقات الهند المتنامية بوتيرة متسارعة مع الامريكان وخصوصا مع الاسرائيليين. ان اي ازدهار في العلاقة الهندية – الاسرائيلية يحمل في طياته امكانية احداث تاثير هام في السياسات العالمية بتغييره لموازين القوي، ليس فقط في جنوب آسيا والشرق الاوسط، بل ايضا في الاقليم الآسيوي الاكبر كما قال هارش في. بانت في بحث له نشره مركز ابحاث ميريا الاسرائيلي في كانون الاول / ديسمبر 2004 (المجلد رقم 8). وفلسطينيا فانه مع تعمق العلاقة الثنائية بين الهند وبين اسرائيل، فان وضع نيودلهي كصديقة للعرب يتآكل باستمرار. ومع ان الهند تحافظ علي (حياد مدروس) بين اسرائيل وبين الفلسطينيين، فانها تقوم بعملية توازن. لكن حتي عملية التوازن هي نقلة هامة في ضوء دعم الهند الذي لا غموض فيه للقضية الفلسطينية طيلة عقود طويلة، كما كتب سودها راماتشاندران في آسيا تايمز (26/6/2002).8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية