الفنون هي معيار التقدم ومؤشر الارتقاء

حجم الخط
0

لقد جعلتْ فلسفة الوجود العلاقة بين الإنسان والحيوان والنبات علاقة متكاملة، فالأول يأكل الثاني والثالث، والثاني يأكل الثالث، والأول في انسجام بيولوجي لا يقدر عليه إلا الخالق وحده، الذي يضبط إيقاع التوازن الأيديولوجي بين أنماط البشر أيضًا، لذلك فإنني أقول إنه إذا كانت العلوم تقوم على توظيف المعرفة لخدمة الصناعة تحت مُسمّى التكنولوجيا، وإذا كانت الآداب هي مرآة الحضارة ومخزونها الباقي، فإن الفنون هي التي تقوم على قيمة الجمال المستندة إلى النِّسَب الرائعة بين الأشياء، ولستُ أشك لحظة في أن نهضة الفنون هي في النهاية معيار التقدم ومؤشر الارتقاء.
السطور السابقة نقرؤها على الغلاف الأخير لكتاب المفكر والدبلوماسي مصطفى الفقي، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة تحت عنوان «فلسفة الكون وتوازن الوجود». الكتاب يتكون من ثلاثة فصول، كل واحد منها يضم مجموعة مقالات منفصلة متناثرة لا يربط بينها سوى انصبابها على الهم المجتمعي العام، محليًا وعربيًّا، وتختلف موضوعاتها التي منها الفكري، الثقافي، الفني، السياسي والاجتماعي. ويقول عنها إنها أفكار متناثرة يطرحها للحوار في محاولة للتحريض على التفكير، وتوسيع دائرة الرؤية والانطلاق نحو تحديث المجتمع لمواكبة ظروف الحياة المعاصرة.
في مقدمته يقول مصطفى الفقي، إن الكون يرتكز على فلسفة تستحق التأمل، ويقوم الوجود على توازن يثير الدهشة، بل إن الكوارث الكبرى في تاريخ البشرية والأوبئة التي اجتاحت الإنسانية هي تعبير ضمني عن تلك الفلسفة وذلك التوازن، فكتب التاريخ العسكري تكشف عن أن وباء الطاعون حصد أرواح عشرات الآلاف من الجنود، وحسم المعارك وقهر الغزاة، كما أن مرض السل استشرى بشكل وبائي في التجمعات العمالية المكدسة في عصر الثورة الصناعية في أوروبا حتى اجتاح العالم بشكل وبائي قبل اكتشاف البنسلين وغيره من المضادات الحيوية.

ما أكثر القيود!

الفقي يستهل فصل كتابه الأول بمقولة لطاغور يقول نصُّها: «ما أكثر القيود التي تربط الإنسان بالدنيا، ولكن أعجبها جميعًا قيد الأمل». ويكتب الفقي في هذا الفصل عن العلاقة بين السلام والإصلاح، عن العلوم والآداب والفنون، عن تركيا من أتاتورك إلى أردوغان، عن قصة المحرقة، وعن الندم الإيجابي.
الفقي يقول في مقاله «العلوم والآداب والفنون»، إن تاريخ الفكر الإنساني يمثل دائمًا مراحل تطور مستمر نحو الأفضل، كما أنه يحتوي الخطوات المفصلية التي أدت إلى ارتقاء البشرية وسمو الإنسان، بما في ذلك من اختراعات واكتشافات، بل وإرهاصات، ولذلك فإن الذين قالوا إن تاريخ الكون هو تاريخ الأفكار لم يخطئوا في ما ذهبوا إليه، على اعتبار أن الفكر هو بضاعة العقل الذي لا يشكك فيه، ولا يتطاول على أصحابه إلا أنصاف المتعلمين، ومن يحاولون في ظروف استثنائية تحقيق ما لا يصلون إليه إلا في الظروف الطبيعية، خاصة أننا في وقت تختلط فيه الحرية بالفوضى، وتنتشر الأكاذيب، وتكثر الافتراءات. ويضيف الفقي فيقول إن الغريب في الأمر أن محاولات التطاول على الكبار لا تأتي إلا من صغار العقول، ضعاف النفوس الذين في قلبهم مرض، وعلى الرغم من أن بيوتهم من زجاج، فإنهم لا يدركون الحقيقة، ويمضون في طريق الانحراف الذهني، بل والشذوذ النفسي.
وفي مقال آخر عنونه الفقي بـ»قصة المحرقة» يقول إنه بين الحين والآخر تتجدد مشكلات سياسية، بل وأزمات دولية بسبب تصريحات تدور حول أفران الغاز التي ارتبطت تاريخيًّا بالزعيم النازي أدولف هتلر، أكثر الشخصيات إثارة للقلق والتوتر في أوروبا خلال القرن العشرين كله، كما أن اليهود برعوا في استغلال قصة الهولوكست لابتزاز شعوب الدنيا، وفي مقدمها الشعب الألماني الذي ظل يدفع تعويضات باهظة لإسرائيل طيلة عقدين كاملين من القرن الماضي، ويُنهي مقاله هذا قائلًا: إننا نسعى إلى دفاع حقيقي عن الإنسان العربي ورعاية حقوقه، والاتجاه صوب آماله العادلة بدلًا من أن يدفع هو ظلمًا فاتورة المحرقة النازية، بينما يعاني من احتلال أرضه، والعبث بمقدساته والاستهانة بحقوقه.

الإصلاح التدريجي

أما في مقاله «بين ضفتي النهر» فيكتب الفقي قائلًا، إن الذين يقفون على ضفتي النهر يشاهدون مياه النهر تتدفق، مكتفين بالرفض القاطع أو التأييد الأعمى، يجب أن يدركوا أن القبول بكل ما يتماشى مع صالح الوطن، ورفض كل ما دون ذلك هو تعبير عن مدرسة فكرية وطنية، تؤمن بالإصلاح التدريجي، ولا تتحمس لمنطق الثورة المفاجئة، والعبرة في النهاية بالعطاء المخلص والإسهام المتجرد والمواقف الموضوعية. الفقي يرى كذلك أن النظم السلطوية الباطشة يستحيل التعاون معها، أو الانضواء تحت لوائها، لأن القهر لغة لا يتحدث بها إلا الطغاة، ولا يجيدها إلا البغاة، ومن هنا يكون الولاء لها مستبعدا، كما أن تبرير تصرفاتها يبدو مستحيلًا، خصوصًا أنه لا يصنع الديكتاتور ويُزيّن له تصرفاته إلا قطيع من المنافقين الذين يبررون أفعاله، ويُسوّغون للناس جرائمه.
أما في مقاله «لقاء في السماء» فيقول الفقي، إن الشك هو الطريق الوحيد إلى اليقين، وليس ذلك ترديدًا لمقولة ديكارت المشهورة، ولكنه تعبير عن الدورة الإنسانية في حياة كل من تعاطى الفكر، واشتغل بالعلم واهتم بالإنسان، كذلك فإن الشك عملية إيجابية، تمثل نوعًا من الجدل الصامت داخل العقل الإنساني، والذين يصلون إلى اليقين بعد محنة الشك هم أكثر صلابة في إيمانهم من أولئك الذين بدأوا بيقين أعمى موروث، لا يجادل ولا يناقش ولا يحاور. وفي مقاله «الحرية أم الأمن؟» يقول الفقي، إن المواطن العادي هو الذي يدفع الفاتورة الباهظة من حريته ووقته، بل وأحيانًا من كرامته، فما أكثر ما تتوقف السيارات لكي يمر موكب مسؤول، وقد يستمر ذلك لفترة طويلة، تؤدي إلى غياب سهولة الحركة ويسر الانتقال، في ظل بيئة مواتية لمزيد من الإجراءات الغريبة والقواعد الجديدة. الفقي يرى في مقاله «تركيا من أتاتورك إلى أردوغان»، أن تركيا تقبل أن تكون في مؤخرة أوروبا، بدلًا من أن تكون في مقدمة الشرق مجالها الحيوي تاريخيًّا وإنسانيّا وتجاريًّا، لذلك حرص الأتراك على توازن موقفهم تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، على نحو يسمح لهم بلعب دور الوسيط عند اللزوم، كما حدث في السنوات الأخيرة بين سوريا وإسرائيل.
الفقي يتعجب من أنه وعلى الرغم من أن مساحة الحرية السياسية قد اتسعت إلا أن الحرية الاجتماعية تتوارى، وأن السماحة والرحابة تختفيان من حياتنا، فالكل يضيق بالكل، ومستوى الحوار هابط، واللغة المستخدمة فيه تجاوزت الحدود، فضلًا عن افتقادها لأسس موضوعية، أو حتى معلومات صحيحة.

ثقافة الاعتذار

وفي الفصل الثالث الذي يستهله بمقولة سلفادور دالي: «لا تخف من الكمال فلن تصل إليه أبدًا»، يكتب الفقي عن ثقافة الاعتذار، قائلًا إنه لا يعتذر إلا الأقوياء، ولا يتمادى في العناد إلا السفهاء، وهذه حقيقة بشرية. ويضيف الفقي أن ثقافة الاعتذار هي سلوك حضاري وجزء من منظومة قيم رفيعة، لا يقدر عليها إلا ذوو البأس الذين يملكون شجاعة المراجعة وشفافية الإحساس ويقظة الوجدان وصحوة الضمير. وفي مقاله «مستقبل العلاقات العربية ـ العربية» يرى الفقي أنه لا يختلف اثنان من العرب على رفض الخلافات العربية القائمة، والأسلوب الذي تجري به، والأسباب التي تقف وراءها، ولا نكاد نجد أمة أخرى في عالمنا المعاصر تواجه وضعًا مثيلًا. ولا ينكر الفقي أن العرب غارقون في خلافاتهم وأوهامهم وتكرار أخطائهم، ولهذا يشعر بأن المسرح السياسي العربي يبدو عبثيًّا في مجمله، قلِقًا في معظمه، لا يقدم شيئًا إيجابيًّا لهذه الأمة المحاطة بالتحديات من كل جانب.

كاتب وشاعر مصري

عاطف محمد عبد المجيد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية