حاوره: عبد اللطيف الوراري
هو شاعر وضع ساقا في جيل وأخرى في جيل، إلا أنّ نصوصه الأولى كتبت في منتصف الستينيات، وذاعت شهرته كشاعرٍ سبعينيّ. بالفعل، يتوزع الشاعر بين جيلين من حيث التحقيب الزمني، لكنّ الشعر في حسبانه لا يؤمن بالطوابق، ويرتفع باستمرار في هرم الإبداع، والساحة الشعرية ملأى بالتجارب والاتجاهات ليظلَّ الشعر شعرًا، موزونًا أو منثورًا، عموديًّا أو دائريًّا، فالمهمُّ أن يكون شعرًا أو لا يكون. وبخصوص التجارب الشعرية المغربية، فهي في نظره سايرت كل الاتجاهات وإن بمستويات مختلفة.
في هذا الحوار، يتحدث محمد عنيبة الحمري عن تاريخ قصيدته وتحوُّلاتها ومدى اقتراب النقد منها، وعن جيله الشعري، ومفهوماته لبعض أدوات الكتابة الشعرية.
■ بعد مسيرة نصف قرن، هل تشعر بأنّ الشعر منحك ما كنتَ تصبو إليه؟ أم كنتَ- كما كتبت في آخر أشعارك- تمشي «خطوات العبث»؟
□ نصف قرن يكاد يمرّ، وأنت تعاني الكتابة وكل رصيدك شعر: يسمي البياض، ويكسر هذا الأوان، ويحنّ إلى رعشات المكان، بدءًا بداء الأحبة، والشوق للإبحار، ومرثية للمصلوبين، والحب مهزلة القرون، وحتى تكتبك الآن كلُّ المحن.
كان همُّ الكتابة أدركني، من سنين سعيت لنشر الآيات عبر الأثير، وضمن برامج للناشئين، تذيع نصوصًا لنا في الهزيع الأخير من الليل، نمكث، نستعذب الانتظار، ونحمل مذياعنا، نتملى انتشاءً بصوت المذيعة تتلو القريض. والسبيل إلى النشر بات يسيرًا ونحن على أهبة الثانوي، فكانت نصوص البدايات مبثوثة في منابر تلك الأيام.
تتوالى نصوصك عبر المنابر حتى استوى (الحب مهزلة للقرون)، وكنت سعيدًا وأنت ترى شذرات نصوصك باتت كتابًا توقعه طالبًا، بعدما استمتع الأصدقاء بجلّ النصوص خلال لقاءات شعر، ينظمها مجلس القاطنين بظهر المهراس. كانت الأمسيات نشاطًا، صراعًا يُؤطّره هذا المجلس بكل تلاوينه، ويساهم في ملتقاه أساتذة قد تباروا بروزًا، وهم ينشدون قصائدهم أو يديرون بعضا من الندوات.
كلما كتبت نصًّا اعتبرته تسويدًا لنصٍّ مقبل، وأشعر بأنّني لم أكتب النص المأمول بعد: (والشعر عذب ولكن صاحبه في العذاب)، (رعشات المكان). الشعر يمنحنا المعاناة، وفي الإبداع لا ننتظر شيئا سوى رضا القراء وتفاعلهم وتجاوبهم واستمتاعهم.
■ كغيرك من مُجايليك تأثرت بالمدِّ اليساري وكتبت ما في حكم الإيديولوجيا. ماذا بقي من ذلك الجيل الذي كنت تنتمي إليه، ومن أحلامه ومشاريع قصيدته الهادرة؟
□ مرّت فتراتٌ من تاريخنا السياسي والثقافي كان أدب الالتزام سائدًا كمفهوم، وكان لا بُدّ من الانخراط فيه، وبدا من يكتب عن الحب وللحب كمن يسير في اتجاه معاكس، وذلك ما عكسته بعض الكتابات التي تناولت ديواني الأول، وأشير إلى دراسة الكاتب عبد القادر الشاوي في مجلة «الثقافة الجديدة»، وإلى مقالة الشاعر أحمد هناوي بعنوان مثير «شاعر آخر بدون أيديولوجية» وقد نشرها في جريدة «البيان» على حلقات، حين كان مسؤولًا عن ملحقها الثقافي ومُنْتميًا للتقدم والاشتراكية، قبل أن يشيد بالجماهيرية العظمى. وبالطبع فقد كان للأحداث أثرها، غير أن ذلك لا يعني أن يصبح الشاعر بُوقًا لجهة، أو مُصوِّرًا لواقع معيش. لقد خيّم غليانٌ إثر اغتيال المهدي بن بركة، ثم احتجاجٌ تلته هراوات أمن تخصص في الظهر وأتقن دق المهراس، وهزيمة سبع وستين كانت مثار انتفاضة حيِّنا الجامعي بكامله، واستفاقت مدينة فاس على الغرباء وقد نزلوا للشوارع في صخب، وشعاراتهم بالإدانة عمت دروبًا بدون مخارج يجهلها الغاضبون، فقد أغلق القاطنون مساكنهم، وتركوا الهاجمين أمام الهراوات تفعل في جمعهم ما تشاء.
في ثلاث وسبعين كانت هموم الوظيف شراء البقع. بات شغل الجميع ودادية للسكن، بقع قد تسيل لعاب الذين رأوا في بدايتها خطوة للثراء. كنت قد صغت مجموعتي الثانية، كلفة الطبع كانت تعادل سعر البقع. بيد أن حنيني للنشر كان عنيفًا فآثرت نشر نصوص «الشوق للإبحار». وقد نظمت أَبْياتًا في ذلك أذكر منها: «تجشّمتُ المصاعب واستدنْتُ المال أَقْساطًا وكان الشِّعر مأساتي/فَهمُّ الناس كان شراءهم بُقَعًا وكان الهمُّ عندي نَشْر أَبْياتي/ تباينتِ المقاصدُ فانْكَوى بعضٌ وبعضٌ عاشَ في أوْجِ المسرّاتِ/ أحبّائي انْبَرى للبيع معظمهم/ فلا نُسَخٌ ولا عادَتْ مَبِيعاتي»
■ اشتهرتَ بديوانك «الحبُّ مهزلة القرون» الذي صدر في أواخر الستينيات. كيف تستعيد أيامه من قبل ومن بعد؟
□ نصوص ديوان «الحب مهزلة القرون» كتب معظمها في المرحلة الثانوية، كما سبقت الإشارة، أضيفت إليها نصوص أخرى وأنا طالب في الكلية، وطُبع الديوان بالتقسيط طبعا. ثم كانت مقالة الراحل المبدع عبد الجبار السحيمي المفعمة إعجابًا وتشجيعًا، التي نشرت في جريدة «العلم» يوم 18 نيسان/ ابريل 1968 كأول مقالة سعدت بها، فأنا لا أعرف الرجل إلا قاصًّا ولم أتعرف عليه بعد، ثم كانت دراسة الشاعرة مالكة العاصمي في مجلة «آفاق» لاتحاد كتاب المغرب، وتتالت المقالات. تلك مرحلة تلتها مراحل وكان لا بُدّ للشاعر من تأثر باعتباره يعيش واقعًا ليس عنه بالغريب.
■ في دواوينك ابتداءً من «الشوق للإبحار» (1973)، مرورًا بـ»مرثية للمصلوبين» (1977) و»داء الأحبة» (1988)، ثمة توتُّر بين المشروع الشخصي والهمّ الجماعي لأنا الشاعر. كيف انتبهت لهذا الاصطراع بين الإيديولوجي والشعري في أسلوبك؟ ومتى وجدت أن الحاجة إلى أسلوبٍ تصبُّ فيه تجربتك ورؤيتك أمسَتْ ضرورية؟
□ لقد سبقت الإشارة إلى «الشوق للإبحار» وظروف طبعه، وتلاه ديوان «مرثية للمصلوبين»، وفيهما تناول للقضايا المجتمعية وما هو آنيٌّ أحيانا، وهي فترة فرضها الواقع المشحون آنذاك، سواء في مغربنا أو محيطنا العربي والإقليمي والدولي، ولا نريد للتاريخ أن يرهننا بماضيه. غير أنه يمكن اعتبار ديواني «سَـمِّ هذا البياض» مرحلة تأمل في الكتابة الشعرية، ومحطة ثانية، بعد الانفتاح على اللغة الصوفية ومصطلحاتها، الذي تجلّى في الديوان السابق عليه «رعشات المكان»، وإنْ كان استخدام المصطلح بطريقة خاصة، حيث صار له معنى شخصيّ أيضا ضمن مفهومه العام. «سَـمِّ هذا البياض» إذن، استبطان للذات الشاعرة في لحظات تجلّيها، وهو نصٌّ مسترسلٌّ وإنْ تخلّلته عناوين فرعية، ليأتي ديوان «انكسار الأوان» بعده بستّ سنوات سابحًا في كونين: عام وخاص، بحيث إنّ الكون العام سياحة كتابية في الكون والأجرام السماوية، مُستعينًا بعلم المواقيت مركبة للمسير، وقد نسجت عتبات علمية كمدخل لكل نص، وهي تجربة اعتبرتها خطوة متميزة في مساري الشعري. أما الكون الخاص فيبقى مجال حديث عن حالات الفرد وإنسانيته بشكل عام.
■ أنت من الشعراء العرب القلائل الذين اعتنوا بالإيقاع وخاضوا فيه كتابةً وتأمُّلًا. كيف تنظر إلى دال الإيقاع في سيرورة خطابك الشعري؟ وهل يصحُّ القول بأن للحمري «عُقدة إيقاعية»؟
□ لم يكن شكل القصيدة أو وزنها ما يحدد قيمتها، فالنقاش الذي تواجهه قصيدة النثر مثلًا سبق أن عانته وعاشته قصيدة التفعيلة باعتبارها خُروجًا عن المألوف آنذاك، بتحدّيها للشكل العمودي ثم استقام لها المسار، كذلك الشأن بخصوص قصيدة النثر التي لا تزال تعاني من خلافات وانتقادات. غير أن الإلمام بالحدّ الأدنى لأي فن يفرض وجوده، والجرأة وحدها لا تكفي لصنع القصيد، الذي يريد تفجير عمارة، عليه معرفة طبيعة بنيتها وأساساتها قبل الإقدام على التفجير، فما بالك بالذي يسعى لتفجير اللغة، وهي مطية لا يتجاوزها الا الشعراء الحقيقيون فعلًا، والمؤهلون لذلك. وبخصوص تجربتي، حرصت على الإيقاع في نصوصي، وربما كان لما درسناه في مراحلنا التعليمية من تراثنا العربي أثره في ذلك، ابتداءً من المعلقات إلى شعراء العصر الأموي، عصر الغزل والعاطفة، إلى قامات شعراء العصر العباسي، مُرورًا بما سموه عصر الانحطاط فهو انحطاط سياسي وليس ثقافيًّا، إلى شعراء العصر الحديث، كالسياب والبياتي والفيتوري وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي وسميح القاسم وأدونيس وغيرهم من الشعراء ممن كان لهم أثرهم بالطبع، وأعتبر نفسي صنيعة كل الخليط الذي ترسب واختمر في الوجدان.
■ ثمّة تكثيفٌ مُوحٍ، ومشهدية، وبساطة تعبير، وتفقير مسترسل بين الجمل الشعرية. هل كُلّما تقدّمْنا في الكتابة ينزاح الطول لصالح القصر، ويسود الصمت والبياض أكثر من الثرثرة والتسويد؟
□ تظلُّ الكتابة عمومًا ردّ فعل إزاء هم أو حدث ما، قد يكون داخليًّا أو خارجيًّا، وردّ الفعل هذا قد يكون شعرًا أو قصّةً أو مسرحًا أو لوحة تشكيلية، باعتبار ما يسميه صاحبه ويقدم عمله به. كما أن هذا الرد قد يكون مُباشرًا سريعًا، أو متأنّيًا، مراعاة لظروف الحدث واستجابة المبدع له، غير أن المباشرة والتقريرية لا تصل إلى هدفها وكذلك الغموض والإيغال لا يؤدي غايته. ونحن في كل الأحوال نتوجه إلى قارئ مفترض، وهذا التغيير في الاستجابة يختلف من مبدع لآخر، والمبدع لا ينتج لنفسه، فهو جزء من الهم العام، ونحن لا نكتب لأنفسنا حَتْمًا، وقد يستوعب المبدع الحدث لينتج نصًّا من واقعه، متنبِّئًا بالمستقبل وليس واصفًا له وكأنّه آلة تصوير.
لذلك تظلُّ المعاناة أمرًا أساسيًّا في الكتابة الشعرية، وأتذكر ما يروى عن الشاعر الفرزدق من قوله: «قد يمرُّ عليّ وقت ونزع ضرسي أهون عليّ من كتابة بيت من الشعر»، وقد قيل فيه مقارنة بالشاعر جرير «جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت في صخر»، إشارةً إلى معاناة الشاعر في سبيل خلق النص. فلا يمكن أساسا تصنيف الشعراء إلى خانات بكمّ السن أو التاريخ أو كمية ما نشروه، فقد خلد التاريخ الأدبي شعراء القصيدة الواحدة، وأهمل شعراء راكموا آلاف الصفحات مُدّعين أنها شعر. كما أن الشعر «لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طُوِّلت خطبه» بتعبير البحتري، ولذلك فأمر الطول والقصر ليس مقصودًا بقدر ما هو وليد اللحظة الشعرية الآنية.
■ ألا تشعر بالغبن من أنّ تجربتك الشعرية ظلّت خارج الاهتمام النقدي والبحث الأكاديمي؟ وهل السبب في ذلك منطق الشُّلّة والمحاباة والولاء الذي تَحكّم في عمل النقد؟
□ في سؤالك بعض من جواب، وبخصوص الشق الثاني فأنا من طبعي لا أتوسل أو أتسول، وهما صفتان كان لهما بعض الأثر في في التهميش أحيانا، وفي الإقصاء أحايين أخرى. صحيح أن الاحتفاء بتجربة مبدع ما تبدو عملًا إيجابيًّا بعد تراكم وعطاء متميز، غير أن الأمر يرتكز غالبًا- ومع الأسف- على علاقات تحمل أهدافا بسيطة قد تؤثر سلبًا على تجربة المعني، وتشعره بمكانة لم يكن مُؤهَّلًا لها باعتباره في بداية الطريق. وصحيح أن الأمر يتعلق بقبائل نقدية، وعليك أن تظل ضمن القطيع وإلا نُبذت وهُمّشت، ومما يحزُّ في النفس حقًّا أن يتنكر لك بعض مجايليك حين يتحدثون عن الشعر ويتعمدون إهمالك مع أنك لا تنافس أحدًا في سفر، أو تعويض أو تظاهرة ما.
■ ما الشّعر في حسبانك، إذن؟
□ يظلُّ الشعر مُرْتبطًا بالإنسان وبتجاربه ورصيده الثقافي. وهو إحساس وخلق وابتكار، واشتغال على اللغة، ولكل شاعر طريقته في هذا المجال، وأدواته ليبدع عبرها؛ وهو همٌّ متواصل ٌ لا يؤدى عنه الا بإعجاب المتلقين حسب تكويناتهم وآفاق انتظاراتهم. كما أن الشعر ليس مطية أخلاقية أو سياسية أو اجتماعية حتى وإن عاش الشاعر واقعه وتأثر به وعايش أحداثه.