اسرائيل تبني الجدار وتهدمه بسبب جشعها لنهب اراضي الفلسطينيين وبلا طائل
احيانا مثلما هي الحال في الميزانية الأمنية، يتوجب البحث عن جزء من القطع النقدية تحت المصباح. قبل العاصفة التي جرت أمس في غرفة اجتماعات ديوان رئيس الوزراء بأقل من اسبوع إثر مطلب ايهود اولمرت باضافة 7 مليارات شيكل لميزانية الدفاع، سقطت بهدوء من خزينة المكتب عدة قطع نقدية اخري. هذا حدث علي مسافة بضع مئات من الأمتار من الجهة الاخري تماما من جفعات رام.
من احدي القاعات في محكمة العدل العليا أُطلق باتجاه وزارة الدفاع صاروخان اضافيان مضادان للجدار. الاول، الذي حظي بنشر واسع، وُجه نحو الحاجز الاسمنتي في منطقة جبل الخليل الذي أُمر الجيش الاسرائيلي بهدمه قبل أكثر من نصف عام، ولم يفعل ذلك. والثاني، الذي تم التقليل من حجمه لسبب ما، وأجل خطة بناء الجدار الفاصل في المنطقة الواقعة بين نعلين ومستوطنة الحشمونائيم، محكمة العدل العليا أرسلت وزارة الدفاع لتخطيط مسار جديد وسمحت باقامة جدار مؤقت.
تركيبة محكمة العدل العليا برئاسة رئيسة المحكمة دوريت بينيش قررت بأن الميزة الأمنية للمسار ليست في علاقة منطقية معقولة مع درجة المساس بحياة السكان الفلسطينيين نتيجة لوضع اليد علي اراضيهم الخاصة (326 دونما)، واقتلاع الاشجار وحبس اراضٍ زراعية في الجانب الاسرائيلي من الجدار. القضاة أكدوا بأن الدولة نفسها قد عبرت عن رأيها بأن هناك مسارا آخر يوفر حماية لسكان مستوطنة الحشمونائيم.
كل اصابة صاروخية كهذه تكلف خزينة الدولة ملايين الشيكلات. وكما كان قد نشر في هذه الزاوية قبل نصف عام أظهرت وثيقة داخلية أُعدت في وزارة الدفاع في عهد عمير بيرتس بأن المحاولات المتكررة لاستغلال الجدار الفاصل من اجل ضم اراض من الضفة لاسرائيل قد كلفت خزينة الدولة أكثر من 700 مليون شيكل. بيرتس لم يبذل جهدا كبيرا لاقناع رئيس الوزراء ايهود اولمرت بكبح جماح نهمه للعقارات. المطلعون علي مجريات الامور يُقدرون بأن مقاولي اقتلاع الجدار واعادة بنائه قد أدخلوا الي جيوبهم 300 مليون شيكل اضافية منذ اعداد تلك الوثيقة. باراك الذي يتبع سياسة من يري ومن لا يري في نفس الوقت، ومن يسمع ولا يسمع، لم يطلب بعد اعادة النظر في مسار الجدار كما نعلم.
اولمرت الذي يحرص علي تطبيق توصيات لجنة بروديت بصدد اصلاح الميزانية الدفاعية ملزم بالانتباه ولفت نظر باراك للصفحة 91 من تقرير اللجنة. هناك سيجد بأن سياسة بناء الجدار هي نموذج جديد عن التفكير غير السليم والمُسرف. اللجنة لم تقتنع بأن عملية بناء الجدار قد تمت من خلال دراسة معمقة لكافة الاعتبارات الأمنية والاقتصادية. اللجنة تتساءل كيف لم يؤخذ في الحسبان العامل المالي الضخم كعنصر من عناصر الأمن وآثاره المترتبة علي الميزانية (13 ـ 15 مليار شيكل). قبضة بوش الحديديةالقلة القليلة التي نجحت في النفاذ عبر جدار صمت ايهود باراك فهمت بأنه خلافا للبرود الذي يهب من ناحيته تجاه الفلسطينيين، توجد لديه زاوية دافئة نحو السوريين. باراك لا يدعي بأنه كشف وجه الأسد الأب الحقيقي، ولا حتي أن الأسد الابن ليس شريكا، ورغم ذلك هو لا يحث رئيس الوزراء علي خلع القفاز الذي ألقاه جورج بوش نحوه في مؤتمرهما الصحافي المشترك في البيت الابيض عندما قال أن اولمرت لا يحتاج الي مساعدة امريكية حتي يتفاوض مع السوريين. من الممكن الافتراض ان باراك قد تمكن من التعلم بأن هذا القفاز يخفي قبضة حديدية، كل محاولات جس النبض الذي قامت به أطراف سياسية اسرائيلية في محاولة لتلمس حدوث تغيير في الموقف الامريكي المتشدد تجاه سورية صُدت بصرامة.
اللحن المتكرر الذي يعزفه مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية الامريكية هو أن الرئيس يريد تطيير الأسد عن سدة الحكم، ولا غير. كل محاولات الاصدقاء من اسرائيل لاستيضاح الشخص الذي يرشحه بوش لخلافة الأسد ذهبت أدراج الرياح. تحذيراتهم أنه في سورية ايضا، كما حدث مع صدام وعرفات ـ سيكون بديل الحكم العلماني الفاسد، حكم الاغلبية الاسلامية، إلا أن ذلك ووجه بآذان امريكية صماء. التقارير في الصحف العربية التي تتحدث بأن الادارة الامريكية تقوم بدراسة امكانية صعود المسلمين للحكم بجدية، قوبلت في القدس بالسخرية والتشكيك. هذا الموقف تغير في يوم الخميس الماضي عندما ظهرت الحكاية مرة اخري في وول ستريت جورنال.
هذه الصحيفة اليومية الموثوقة أفادت بأن مسؤولين كبارا في وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي قد أكدوا بأنهم قد شرعوا في الآونة الأخيرة في سلسلة لقاءات مع المنظمة المعارضة السورية العليا في الشتات التي توحد الليبراليين والأكراد والماركسيين والمسؤولين السوريين السابقين مع الاخوان المسلمين. جاء في التقرير أن الولايات المتحدة تتداول مع هذه المنظمة ومع مجموعات اخري حول طرق لمراقبة الانتخابات وتطوير المجتمع المدني في سورية. علي صدر الدين البيانوني، رئيس الذراع السورية للاخوان المسلمين والعضو في هذه المنظمة قال للصحيفة بأن التعاون بين الادارة الامريكية وبين المنظمة هو بداية جيدة، مُعبرا عن أمله بأن تُغير امريكا رأيها بشأن الاخوان المسلمين.
صحيفة وول ستريت جورنال كتبت ايضا بأن مسؤولين ودبلوماسيين امريكيين قد التقوا في الآونة الأخيرة مع مُشرعين في الاردن ومصر والعراق. عندما تكون الرقابة العليا هي التي تُملي السياسة الامريكية في الشرق الاوسط، فأية قيمة للاعتبارات الاستراتيجية أو للعبرة المريرة المستفادة من تغيير الانظمة في هذه المنطقة الحساسة؟.
وفي هذه الاثناء، حسب أحد المعارف الذي زار دمشق في الاسبوع الماضي، يؤدي الضغط الامريكي الي تعزيز مكانة الأسد هناك. هذا الشخص الاكاديمي الامريكي من أصل عربي الذي يمتلك علاقات في أروقة الحكم السورية حدّثني بأن الحملة الصليبية من اجل الدمقرطة في العراق تنقذ الاقتصاد السوري. اللاجئون العراقيون علي حد قوله الذين وصلوا الي أكثر من مليون ونصف انسان، زادوا من الاستثمارات المالية ورفعوا مستوي النمو الاقتصادي. ومثلما هي الحال في احدي الدول المجاورة غرب سورية، الفقراء ازدادوا فقرا، إلا أن الدولة ازدادت ثراء. الأغنياء عادة يحبون الاستقرار ويكرهون الحروب؛ اذا ربما كانت الرقابة العليا رغم ذلك الي جانبنا.
القدس فرحت وسرتلو لم يكن الأمر متعلقا بأشخاص قد فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم وتحولوا الي لاجئين للمرة الثانية في حياتهم، لكان من الممكن أن تؤدي قضية الـ 41 لاجئا فلسطينيا الذين يُفترض وصولهم الي الضفة من العراق سببا في الابتسام. يبدو أن مثل هذا العدد الكبير من السياسيين والمسؤولين والمنظمات لم ينشغلوا في أي وقت من الاوقات بمثل هذا العدد القليل من البائسين: من الذي لم يدس يده في القِدْر؟ رئيس الوزراء ومستشاروه، وزيرة الخارجية وموظفوها، وزارة الدفاع و الشاباك، وعضوة الكنيست عميرة دوتان، وأمين عام الامم المتحدة، ومدير عام الأونروا، ومفوضية اللاجئين في الامم المتحدة وقيادة السلطة الفلسطينية.
حكاية عشرات اللاجئين الفلسطينيين الذين هربوا من العراق وعلقوا في مخيم علي الحدود السورية تجسد عقدة الارتياب التي طورتها اسرائيل والفلسطينيين حول عبارة حق العودة رغم انه كان واضحا منذ اللحظة الاولي بأنهم سيدخلون الي المناطق الواقعة وراء الخط الاخضر، إلا أن الاوساط السياسية في القدس أصيبت بالفزع عندما طلبت الامم المتحدة للمرة الاولي قبل أكثر من عامين إذن اسرائيل بدخول بضع عشرات من اللاجئين الي المناطق، مسؤول في مقر الامم المتحدة في نيويورك تجرأ علي ذِكر القرار 194 في سياق هذه اللفتة الانسانية، أدي الي تجميد المسألة لاشهر طويلة. كما أن طلبا مشابها من اصدقائنا الامريكيين للاسهام في جهودهم الحربية في العراق من خلال ذلك، قوبل بأكتاف باردة، رأي وزيرة الخارجية لفني صدر فقط بعد ان تعهدت الامم المتحدة رسميا بأن لا علاقة البتة بين هذه المشكلة ومشكلة اللاجئين.
الفلسطينيون الذين كانوا علي اطلاع بهذه القضية ومجرياتها قالوا لنظرائهم الاسرائيليين في محادثات خاصة بأنه كان علي حكومة اسرائيل أن تتشبث بهذا الطلب بكلتا يديها وأن تسمح لهذه المجموعة الصغيرة بالدخول الي المناطق. كان من الممكن ان تلوح احدي الأيادي بهذا الحدث كسابقة لتحقيق حق العودة في اراضي فلسطين، ذلك لان القدس فرحت وسُرّت عندما كتب بوش لارييل شارون في نيسان (ابريل) 2004 في رسالته الشهيرة أن هذا هو الحل الذي ستؤيده امريكا في اطار التسوية الدائمة. وفي اليد الثانية سيكون بامكان اسرائيل حسب رأيهم قطف ثمار الجلبة الاعلامية اللذيذة حول هذه اللفتة الرمزية. اسرائيل واليهود يفتحون أبوابهم أمام الفلسطينيين الذين يتنكر لهم اخوانهم العرب وهم يذوون في مخيمات اللاجئين. السلطة الفلسطينية تنأي بنفسها عن هذه الحكاية توخيا للأمان. عندهم يخشون من قيام خصومهم في حماس باظهار اللفتة الاسرائيلية كبيع لحق العودة لاسرائيل مقابل حفنة من العدس. قرار جمع شمل الفلسطينيين في الضفة ومعاقبة من يقطن أقاربهم في غزة تحت حكم حماس أعطي هذه الحكاية الانسانية في نهاية المطاف بُعدا سياسيا.
في عالم الأسرار بعيدا عن السياسيين وحتي لا يتم المس، لا سمح الله، بحق العودة الي اسرائيل الذي يعرف الجميع انه لن يتحقق، بدأت جهات دولية في البحث في السنة الأخيرة في خطة عملية لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وبدلا من انتظار قيام السياسيين بايجاد صيغة قانونية مريحة للجانبين، بدأت تلك الأطراف في البحث عن مصادر تمويل لتأهيل اللاجئين في اماكن اقامتهم في الاردن وسورية واستيعاب لاجئي لبنان في فلسطين وفي دول غربية وافقت مبدئيا علي فتح أبوابها أمام بضع عشرات الآلاف من الفلسطينيين.
رئيس حكومة لبنان، فؤاد السنيورة، العزيز علي قلب الادارة الامريكية، قال في الاسبوع الماضي لمجموعة من الدبلوماسيين الامريكيين المتقاعدين الذين تجولوا في المنطقة بأنه لا يوجد شيء يقلقه أكثر من السكان الفلسطينيين الكثيرين (ربع مليون انسان) الذين تستضيفهم بلاده كمواطنين من الدرجة الثالثة، هذا في أحسن الاحوال.
عكيفا الدارمراسل سياسي في الصحيفة(هآرتس) 31/7/2007