في الانتظار تحت الأضواء: فيلم فلسطيني من إنتاج فلسطيني عن إشكاليّة الهويّات والفرص الضّائعة

حجم الخط
0

في الانتظار تحت الأضواء: فيلم فلسطيني من إنتاج فلسطيني عن إشكاليّة الهويّات والفرص الضّائعة

رجاء بكريّة في الانتظار تحت الأضواء: فيلم فلسطيني من إنتاج فلسطيني عن إشكاليّة الهويّات والفرص الضّائعة ..وأخصّ انزلاق حياتنا داخل التعريفات السياسيّة القاتلة التي تنتصر فيها غالبا الرواية الإسرائيليّة علي الأخري الفلسطينيّة. هذا المنحي الأيديولوجي يجب أن يعتمد علي رؤية أشدّ اتّساعا من مجرّد صراع علي الأحق .عن الإزدواجيّة الفنيّةلقد خضعت فكرة تحوير السّيرة الذاتيّة إلي مشروع فنّي لمعايير شخصانيّة بحتة، وأعني فكرة معدّ النّص للإخراج الفنّي عن السّيرة الأصليّة. فهي غالبا، إمّا تريد تنزيه صاحب السّيرة، وإمّا تلجأ إلي مسح ألق حضوره التّاريخي والفكري. وفي أحسن الأحوال قد يخرج الشّخص المحتفي به فنيّا بسيرة مشوّهة، مفكّكة أو مجزّأة كما حدث في الإعداد المسرحي لسيرة الشّاعرة الكبيرة فدوي طوقان / الميدان.وعلينا أن نؤكّد أنّ السبب راجع لخضوع هذا النّوع من الإنتاجات الفنيّة لرؤية ذاتيّة لا تفرّق بين الموضوعي والشّخصاني. وهنا قد يسقط الخطأ علي المستوي التّخييلي، ويُحدث التباسات حين ازدواج الرّؤية الفنيّة بالمعلومة. هكذا بقيت السير الذّاتيّة كمشاريع فكريّة إبداعيّة. لكنّ الملفت في أساليب تفنين السير الذّاتيّة أنّها خرجت من أطرها المرتّبة حين وقفت شركات إنتاج شجاعة ومغامرة خلف رؤيتها دون أن تولي نسبة الرّبح والخسارة الكثير. هذا الموقف الملفت دفع بالمخرجين لتبنّي مواقف جريئة ومواضيع جريئة غير تقليديّة، وضمن ذلك تجرّأوا علي تكسير القوالب المعهودة لتقنيّات الإخراج الفنّي فكريا ومضمونيّا. مشروع أوتوبيوغرافي وضمن مسؤوليّتي كمتابعة للمسيرة الإبداعيّة وجدت من المناسب إثارة موضوع هذا الفيلم الوثائقي on hold ، في الانتظار. وأنا أسمّيه فيلماً توثيقياً لمقطع من سيرة ذاتيّة متميّزاً من حيث طرحه، رؤيته ومضامينه. فيلم افتتاح الفيلم السينمائي / القدس، والذي وقفت خلفه شركة إنتاج صغيرة في محدوديّة مواردها، كبيرة في اتّساع آفاقها، هي شركة الأرز للإنتاج السّينمائي، وعلي رأسها نزار يونس.في الانتظارقصّته تروي حكاية زوج شاب يقرّر بعد زواجه أن يترك حيفا إلي الخارج، لأنّه لا يعثر علي فرص للتطوّر في مجتمع إسرائيلي يمارس التّمييز ضدّ الأقليّة الفلسطينيّة في كافّة مناحي حياته. المرأة مخرجة سينمائيّة، والزّوج ممثّل. وهكذا تختلط الأمور علي الزّوج الصّغير. يخوض سلسلة بحث طويلة ومرهقة كي يخرج بقرار ليس فيه مجال للنّدم. ورغم تداخل الرّواية حول تجارب الأصدقاء والأقارب في الخارج إلا أنّ الزّوج يتّخذ قرارا بخوض التّجربة والسّفر.حول التسمية تأكيد الحوار بيننا وبين الآخر الإسرائيلي ولو كان صداميّا في الانتظار، أرادت به معدّة السّيناريو ومخرجته رقيّة صبّاح أن تعرض إلي حالة ضّياع فرص العمل في السينما، الموسيقي، وسواها من المجالات الرّوحيّة تحديدا، كونها الأقلّ حظا بفرض حضورها في المجتمع الإسرائيلي، لأنّ الفرص كلّها في ملعبه بحيث تكاد الإنتاجات السينمائيّة، علي سبيل المثال لا الحصر، تغيب عن الواقع الفنّي للفلسطينيّين لحاجة أمثال هذه المشاريع الفنيّة إلي ميزانيّات كبيرة ورعايات مستمرّة. أمام دوّامة الانتظار تسقط الكثير من المشاريع العالقة والأحلام الكبيرة لدي الشّباب خصوصا. وقد يكون التخبّط الفردي للمخرجة سببا مباشر لكتابة هذا السيناريو. وسوف نشير إلي كون هذه الشريحة الشّخصيّة تستطيع ضمن الخطّة الإخراجيّة الشّفافة للعمل أن تعمّم إشكاليّتها في المجتمع الإسرائيلي عبر طرحها تصوّرا واسعا عن حالة وجودية عميقة الأثر في مجتمع الدّاخل الفلسطيني. ولم تأت صدفة فكرة تأكيد العلاقة بين الزّوج الشّاب ومحيطهما القريب والبعيد، العائلة والمجتمع، الفلسطيني والإسرائيلي وخصوصا الرّؤية الإسرائيليّة رغم مسطّحها الضيّق، لأنّ حضور الآخر في مشاريعنا الفنيّة عموما يعتبر خطوة فاعلة في تأكيد الحوار بيننا وبينه ولو كان صداميّا. ولعلهّ الجديد في طروحات هذا الفيلم يضاف إليه حرص المخرجة علي تحاشي التّحليق، والتزامها حدود الطّرح الواقعي للموضوع، كي لا يفقد بساطته. ثمّ التقنيّات الفنيّة الحداثيّة التي جنّدت لترجمة الطرح بمساحتيه المضمونيّة والتّخييليّة. فلا يوجد مدرسة واضحة الأثر ضمن الخطّة الإخراجيّة العامّة بقدر ما تتجلّي الصناعة الذّاتيّة. كنت سأشجّع مخرجة العمل علي تطوير شخصيّاتها باتّجاه يخرجها من القالب التوثيقي إلي ما هو فنّي، حلمي ربّما. .(اقتباس)من الملفت في تقنيّات الإخراج السّينمائي عدم اعتمادها علي اللّوحة الجاهزة. وعلي طول الشريط المشهدي تجري عمليّة تجميع متواصل لصور ممزّقة تلمّها الكاميرا من كلّ شارع وبيت. رصيف ومقهي، وزقاق. هذا الجهد الذي تبذله الكاميرا وحاملها لا يقف عند المجهود الجسدي لأنّ منطلقاته فكريّة ومدروسة بعناية. ونحن كمشاهدين نضطر في نهاية الأمر إلي تجميع الفكرة عبر تجميع مزق الصّور المتناثرة أو المرتّبة علي طول العرض. وربّما، هذا التفكيك الذكي لمشاهد الحياة يعطيها جماليّة ملفتة وأبعادا فنيّة عميقة. حين تتناسب الفكرة المضمونيّة للسيناريو مع التّنفيذ الفنّي لأبعادها يجوز أن تخرج بنتائج إخراجيّة غير متوقّعة. وفكرة تجميع الصّور في هذا العمل السّينمائي تشبه تجميع الطّوابع . كلّ مزقة تحمل صورة ليس بالضّرورة أن توثّق التسلسل الحدثي للموضوعة مضمونيّا. هذا التعاضد غير المتّفق عليه بين الحدث الواقعي والصّورة المبعثرة خرج بلوحة تجريديّة معبّرة، دراميّة. تسرع حينا وتفكّر حينا آخر، ولذا فإنّ موضوعة الفيلم تخرج من إشكاليّات مرجعيّاتها التّوثيقيّة كي تستحيل إلي قطعة فنيّة دراميّة شكلا ومضمونا متجاوزة فكرة التّعريف التّوثيقي الذي خرجت به إلي المشاهدين.لفتة إخراجيّة يحدث في الفيلم تعدٍ من قبل المخرجة علي سياق الحدث الذي اندفعت إليه شخصيات الحدث وشريطها الحكائي. كنت سأشجّع مخرجة العمل علي تطوير شخصيّاتها باتّجاه يخرجها من القالب التوثيقي إلي ما هو فنّي، حلمي ربّما. إذ أنّه تكمن هناك حاجة لهذه المساحة المغيّبة داخل واقعنا الشظف، وربّما علي حضور الآخر الإسرائيلي بعمق في روايتنا، وأخصّ انزلاق حياتنا داخل التعريفات السياسيّة القاتلة التي تنتصر فيها غالبا الرواية الإسرائيليّة علي الأخري الفلسطينيّة. هذا المنحي الأيديولوجي يجب أن يعتمد علي رؤية أشدّ اتّساعا من مجرّد صراع علي الأحق.ولن يثنيني غياب السياق القصصيعن الإشادة بفريق العمل الذي بدا متكاتفا ومصرا علي نوعيّة ذات مذاق ونكهة مختلفين. فليس صحيحا أنّ غياب القصّة الكلاسيكيّة لموضوعة الفيلم سبب لنقاشات سمعت أصداءها في القاعة. هذا التعريف العشوائي يشهد بقوّة علي غياب حلم التّجديد لدي الغالبيّة القليلة من مخرجي ومنتجي الأفلام لدينا، ولهذا السبب بالذّات أصرّ علي كونها خطوة جريئة من قبل المخرجة والمنتج معا للخروج برواية غير تقليديّة عن عائلة فوجئنا بأنّها غير تقليديّة أيضا.عائلة غير تقليديّةالعبارة أعلاه هي مفاجأة الموضوعة التي يطرحها الفيلم. فنحن من خلال السياق التّجميعي الزكزاكي لقطع المشاهد، ومزق الحياة ندخل سياقا آخر مركزه التّجميع المعلوماتي لتاريخ هذا الزّوج. فهو لا يعاني علي صعيد واحد، فلديه تجارب أخري ممثّلة بتاريخ عائلة. عائلة الفنّان مكرم خوري وابنته التي خاضت هي الأخري تجربة الإغتراب. وبقدر ما تشجّع هذه التّجربة الزّوج علي الاغتراب تشعل أضواء كثيرة حمراء حول خطّة سفره. . تجربة الأب، (فنّان مسرحي وسينمائي) تؤدّي إلي إثارة الإغتراب من زوايا فكريّة جديدة. وهكذا فإنّ السياق الحكائي ينبني علي تراكميّة محسوبة رغم إغراقها في التلقائيّة والعفويّة. وقد تكون العفويّة سببا في دفع العمل إلي الجمهور دون عقبات. ولعلّني حسدت المخرجة غير مرّة علي قدرتها علي الاحتفاظ بهذا القدر من الواقعيّة وسط عوالم مختلّة، غير عاديّة تتأرجح بين التّجريد والتعبير، وهما متغيّران مبدأهما التّناقض.التناقض، contrast وسوف أخرج من هذه المقاربة التّسجيليّة بهذه المفردة، التّناقض. تفنين التناقض بعدسة ذكيّة أحالت شكل الانتظار إلي مشروع فنّي متلاحم الأجزاء متباين المواقف، متنافس علي عمق الإضاءة الأجمل في وجوهه ومشاهده.هنيئا للأرز بعمله وتميّزه.كاتبة وتشكيليّة فلسطينيةسيناريو وإخراج: رقيّة صبّاحإنتاج: استوديوهات الأرز للإنتاج السينمائي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية