فيما تتعالي اصوات معارضة لنهج المقاومة وثقافة الموت وعبادة الكراهية سسس
زيارة وزيري خارجية مصر والاردن في اسرائيل في الاسبوع الماضي كممثلين رسميين للجامعة العربية، كانت حدثا تاريخيا. الزيارة التي تضمنت للمرة الاولي لقاء مع اعضاء لجنة الخارجية والأمن في الكنيست رمت الي دفع مبادرة السلام العربية وبلورة لحظة سانحة تتيح للجانبين التحرك نحو تطبيق فكرة الدولتين الاسرائيلية والفلسطينيين اللتين تعيشان بسلام جنبا الي جنب.
المبادرة السعودية التي نشرت في عام 2001 وتبنتها الجامعة العربية بكافة أعضائها، كانت مبادرة السلام الاولي في تاريخ الصراع الاسرائيلي ـ العربي التي تقترحها دول الجامعة العربية. حتي الآونة الأخيرة بدا وكأن هذه المبادرة لن تتحقق لاسباب منها أن اسرائيل لم تعتبرها أساسا للمفاوضات. الآن يحتمل أن تكون قد حظيت بفرصة جديدة بعد أن قامت المجموعة العربية من خلال قمة الرياض بوضع آلية تفاوض مع اسرائيل في سياق المبادرة.
وزيرا الخارجية زارا اسرائيل علي خلفية تبلور واقع جيواستراتيجي جديد يتميز بالتدخل الايراني المتزايد في المنطقة. قبل زيارتهما بأسابيع قليلة سيطرت حماس علي القطاع. هذه السيطرة بدعم من ايران كانت حلقة جديدة فيما يعتبر سلسلة نجاحات للجهات الاسلامية الراديكالية في الشرق الاوسط.
حكم حماس في قطاع غزة وضع تحديا جديدة ليس لاسرائيل وحدها، وانما للاردن ومصر ايضا. في هاتين الدولتين تعتبر حركة الاخوان المسلمين، الحركة الأم لحماس، تنظيما معارضا للنظام. الايحاء الذي يمكن لانتصار حماس في غزة أن يعطيه للحركات الاسلامية الراديكالية في الاردن ومصر وفي الخليج والمغرب العربي، لم يغب عن أعين حكام هذه الأقطار.
خشية الدول العربية المعتدلة من توسع تأثير ايران من خلال حلفائها في السلطة الفلسطينية والعراق ولبنان يتمخض كما يبدو للوهلة الاولي عن تماثل في المصالح بينها وبين اسرائيل: ضمان الاستقرار ومنع التدهور نحو حرب أهلية في السلطة الفلسطينية وضمان المصالحة الطائفية والاطار السياسي في العراق ولبنان. من هنا تُشتق الخطوات التنفيذية المختلفة، ومن بينها تشجيع مبادرات سياسية ترسخ مكانة الأطراف المعتدلة وتعزز قوة الحكومات المركزية واجهزة الأمن الخاضعة لها.
هذه التطورات تجري علي خلفية ما يبدو كـ حرب باردة بين المعسكر السني وبين المعسكر الشيعي في العالم العربي. الشيعة الذين يشكلون 10 ـ 15 في المئة من مجموع المسلمين في العالم العربي يرون في تعزيز قوة ايران فرصة لتحدي توازن القوي بينهم وبين الاغلبية السنية. نقل العراق الي سيطرة الشيعة لاول مرة في تاريخه يشكل في نظرهم خطوة اولي علي طريق تغيير التوازن الشامل في المنطقة. تجسيد الاغلبية الديمغرافية الشيعية وترجمة ذلك من خلال تمثيل سياسي ملموس في الحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة، أو علي العكس، اسقاطها من قبل حزب الله والموالين له ـ تنخرط جيدا في هذه الاستراتيجية. هذا التوقع يقلق القيادة السنية والسعودية علي رأسها.
علي خلفية تفشي الراديكالية الاسلامية في المنطقة تحديدا، أخذت الانظمة السنية تعتبر اسرائيل بصورة متزايدة جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة. مع ذلك يبدو أن هناك فجوة بين الحكام العرب المعنيين بدفع مبادرات اقليمية مع اسرائيل حتي من دون الاعتراف الرسمي بها، وبين موقف الرأي العام عندهم. الدوائر الاسلامية والأطراف العربية القومية والعلمانية علي حد سواء تستمد التشجيع من نتائج حرب لبنان، ومما يظهر كفشل للولايات المتحدة في العراق ومن سياسة التحدي الايرانية للغرب، وهي تعمل من اجل دفع استراتيجية المقاومة لاسرائيل.
في ظل هذه الظروف تحديدا تتعالي في العالم العربي اصوات معارضة لنهج المقاومة، وثقافة الموت وعبادة الكراهية التي انعكست من خلال الاعمال الانتقامية والتنكيل والاهانات التي قام بها أتباع حماس ضد عناصر فتح. الدوائر الليبرالية في الدول العربية تدرك جيدا أن من المحظور السماح للجهات الراديكالية بإملاء جدول الاعمال وقيم المجتمع العربي. يبدو أن هذه الدوائر تتوقع الاعتراف والمساعدة من قبل الدول الغربية واسرائيل، ذلك لان الصراع المشترك وحده هو القادر علي انشاء الظروف للتفاوض والحوار والمصالحة والاستقرار في الشرق الاوسط.
دافيد غوبرينمدير قسم الاسلام في دائرة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية(هآرتس) 1/8/2007