الحركة الحقوقية في المغرب: إلى أين؟

حجم الخط
0

أدوار المجتمع المدني العالمي والمحلي في تزايد مستمر، ولم يعد دور الجمعيات منحصرا في الاحتجاج والترافع وإنما أصبحت تمثل مصدرا ملهما للمبادرات التشريعية، كما تمثل اقتراحاتها واحتجاجاتها مصدرا ملهما لتعديل العديد من السياسات والقرارات..
الجمعيات والمنظمات الحقوقية توجد في قلب المجتمع المدني وأدواره الجديدة، وهناك إحساس عميق بضرورة انخراط الحركة الحقوقية في نقاش عميق لإعادة التموقع النضالي من أجل إعطاء دفعة جديدة للعمل الحقوقي المدني الذي يتوفر على تراكم تاريخي يؤهله للتموقع الجيد حسب مستلزمات المرحلة ومتطلباتها.
إن العمل من أجل حقوق الإنسان هو فكرة نضالية في حد ذاتها، ولا يمكن تصور عمل حقوقي بدون حس نضالي مرتفع. ولذلك فإن عمل النشطاء أو المدافعين عن حقوق الانسان، يظل دائما عرضة للمخاطر والتهديدات، ولهذا الغرض أصدرت الامم المتحدة «إعلان حماية المدافعين عن حقوق الانسان»، سنة 2000.
إن كلمة «التزام» هي جوهر العمل الحقوقي، فالالتزام بالدفاع عن كرامة الإنسان، أي إنسان، بغض النظر عن جنسه أو لونه أو دينه أو مذهبه أو توجهه السياسي أو الفكري هو من صميم الالتزام الذي نقصده، إنه التزام لصيق بجوهر العمل من أجل ترسيخ ثقافة احترام حقوق الإنسان، وهو التزام نابع من القيم السامية العليا التي جعلت الإنسان مكرما في الأرض.
إن الحركة الحقوقية وهي تستعد لتدشين مرحلة جديدة في مسيرتها النضالية الملتزمة، معنية بتطوير واقع حقوق الإنسان من موقع الإحساس بالمسؤولية. مسؤولية الأمانة الفكرية والنزاهة الأخلاقية..الأمانة الفكرية التي ترفض تحوير قضايا حقوق الإنسان الحقيقية إلى مجال للصراع الهوياتي أوالتطاحن الإيديولوجي بين العالمية والخصوصية.
إن فكرة العالمية هي الأساس في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى أساسها انتقلت حقوق الإنسان من مجرد شأن من الشؤون الداخلية لتصبح جزءا من القانون الدولي، كما أن جميع الدول بمجرد انضمامها إلى المنظمة الدولية ألزمت نفسها بمبدأ عالمية الحقوق الواردة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
إن العالمية في مجال حقوق الإنسان تختلف عن فكرة الهيمنة اختلافا جوهريا، ذلك لأنها تقدم لنا مجموعة من المفاهيم التي شارك المجتمع الدولي في صياغتها، وهي تهدف إلى تحقيق الاتفاق بين المنتمين إلى حضارات وثقافات مختلفة حول عدد من الحقوق والحريات، اتفاق يضمن المزيد من الاعتراف بتلك الحقوق والحريات، ويوفر لها عالميا مزيدا من الضمانات لحمايتها ويحقق تعايشا وانسجاما بين الثقافات المختلفة بإيجاد أساس تعاقدي، أخلاقي وقانوني مشترك يضمن التعاون والاعتماد المتبادل بين أبناء الثقافات والحضارات المختلفة.. إن المراقب الموضوعي لوضعية حقوق الإنسان في المغرب لا يمكن إلا أن يؤكد بأن هناك مكتسبات جديدة عرفها المغرب منذ سنة 2011 ابتدأت بالدستور الجديد الذي عزز الضمانات القانونية لحماية العديد من الحقوق الأساسية والحريات العامة للمواطنات والمواطنين بحيث يمكن اعتبار الباب الثاني من الدستور بمثابة ميثاق حقيقي للحقوق والحريات..
أما على مستوى التفعيل والتطبيق فيمكن القول بأن المغرب انخرط في جيل جديد من التشريعات التي تهم حماية الحقوق والحريات بالإضافة إلى التفاعل مع المواثيق الدولية ومع الآليات الدولية في مجال حقوق الإنسان، وفي هذا الإطار نستحضر مصادقة المغرب على الاتفاقيات التسع الأساسية بالإضافة إلى اتفاقية منع الاختفاء القسري.. كما صادق المغرب على البروتوكول الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب والبروتوكول المحلق باتفاقية «سيداو»، بالموازاة مع الانخراط في مسلسل تشريعي هام يتعلق بإصلاح منظومة العدالة وكل التشريعات ذات الصلة بها من قبيل القانون التنظيمي للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة والانخراط في نقاش حيوي لمراجعة القانون الجنائي والمسطرة الجنائية..هذه الأخيرة التي تضمنت مسودتها الأولية العديد من المكتسبات الهامة من قبيل حضور المحامي مع موكله أثناء مرحلة البحث التمهيدي والتسجيل السمعي البصري لجلسات الاستنطاق.
وعلى صعيد الالتزامات الدولية للمغرب يسجل الجميع التحسن الملحوظ في وتيرة التفاعل المغربي مع آليات الاستعراض الدوري الشامل ومع آليات المعاهدات المختلفة، مع الانفتاح على الإجراءات الخاصة مثل استقبال عدد من المقررين الأمميين الخاصين وفرق العمل المتخصصة..
غير أن التقييم الموضوعي يؤكد بأن هناك تحديات أساسية في مجال تطوير منظومة حقوق الإنسان سواء على مستوى التشريع أو على مستوى التطبيق، وأيضا على مستوى انخراط مختلف المكلفين بإنفاذ القانون في احترام مقتضيات حقوق الإنسان بنفس السرعة ونفس الإرادة الموجودة على مستوى التشريعات بحيث سجلت التقارير الحقوقية استمرار التضييق على العمل الجمعوي من خلال المنع التعسفي لأنشطة بعض الجمعيات لاعتبارات غير قانونية، كما تم تسجيل العديد من محطات ضرب الحق في التظاهر ومنع التجمهر بدون مستند قانوني من قبيل ما حصل لمظاهرات الأساتذة المتدربين في الأسبوع الماضي.. أما في الجانب التشريعي فإن هناك بعض التشريعات التي لازالت متخلفة عن روح دستور 2011 من قبيل مشروع قانون الولوج إلى المعلومات وكذلك قانون هيئة الوقاية من الرشوة، كما تعرف القوانين المتعلقة بالمنظومة الانتخابية العديد من الثغرات بالنظر إلى ما كان مأمولا في هذه المرحلة. كما سجل المراقبون أيضا الاعتداء على بعض الصحافيين وهم يمارسون عملهم المهني في تغطية بعض المظاهرات ، وأيضا تعنيف بعض مظاهرات المعطلين وبعض التظاهرات التي جوبهت بعنف القوات العمومية في العديد من المدن المغربية شمالا وجنوبا، هذه التعسفات ينبغي أن تتوقف لأنها لا تساير الإرادة السياسية المعبر عنها رسميا..
إن رصد هذه الخروقات المختلفة، لا ينبغي أن يحجب عنا أهمية المكتسبات المحصلة في الآونة الأخيرة وهو ما يتطلب الكثير من الموضوعية والإنصاف والتموقع الجيد للحفاظ على المكتسبات والاستعداد الجيد لما هو آت..

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية