محمد عبد الحكم دياب
علي مدي أكثر من ربع قرن من الزمان والأحاديث الرسمية المصرية، علي كل المستويات، لا تنقطع عن البني الأساسية المنهارة والخربة، التي جددت، وقدر الميزانيات والأموال التي صرفت عليها.
وفي زحمة هذا الضجيج المصاحب لتنفيذ البرنامج الانتخابي لحسني مبارك، استيقظ المصريون علي احتجاجات من يئنون من العطش، في بلد وصفه المؤرخ اليوناني القديم، هيرودوث، بأنه هبة النيل، وكشفت ثورة العطشي المستوي المتدني للبني الأساسية، المجددة والمستحدثة!! ومعني ذلك أن الأموال الطائلة المبددة لم تصرف علي بني أساسية حقيقية، إنما صرفت علي بني أساسية من نوع آخر، استهدفت تثبيت قواعد الفساد والإعلاء من شأن المفسدين، ونشر مقولات وقيم تخدمه وتزكية، وأصبحت الحكومة تعلن، بغباء وانحطاط في الوعي منقطع النظير، بأن الفساد طبيعي، وهنا نتوقف لنتبين حدود الصحة في هذا الإعلان. ونبدأ القول بعدم الإقرار بالفساد كظاهرة طبيعية، وجب التسليم بها، فحتي من يصاب بالمرض، وهو ظاهرة مصاحبة للحياة يسعي للشفاء منه، ونفس الطريقة يجب النظر بها للفساد. وإلا ما واجهته الدول والحكومات بالتصدي والتجريم، بخطط العلاج والتشريعات والقوانين والضوابط والمحاسبة والمساءلة، وتضيّق من نطاقه لتبقيه منحسرا ومحاصرا، كفعل مجرّم ومدان ومستهجن، وفي عصر حسني مبارك انتقل الفساد من آفة تستوجب التصدي والمواجهة إلي منظومة لها تقاليد وقيم.. تتحكم في إدارة المجتمع وتوجيهه، وبذلك غابت إمكانية التصحيح والعلاج والتغيير.
ومن أجل ان يستقر الفساد، كشيء طبيعي، استغلت ميزانيات وموارد الدولة في تشويه معني الحكم والسياسة، فتواري الحكم الرشيد، وألغيت السياسة. وسقطت، تبعا لذلك الدولة، وتحولت من دولة رعاية إلي نظام للجباية، وهذا التحول تم بإجراءات وقرارات أصدرها حسني مبارك، استجابة لمطامح ومطامع عائلته، وتلبية لتهافت وانحرافات مساعديه، فتراجع دور الدولة أمام سطوة المال وبطش الأمن وغياب القانون، وتفسخ جهازها الإداري، وضعف العصب الذي أبقاها فاعلة ومتماسكة، واستولي عليها مسؤولوها وموظفوها، وبدلا من أن تكون أداة للتخفيف عن المواطن صارت عبئا عليه. وبدأ السقوط مع أنور السادات. وحدث الانهيار في عصر حسني مبارك، ووصل مداه باستيلاء الابن الأصغر علي الحكم والثروة والنفوذ. وكان أساس هذا السقوط هو الادعاء بأن التقدم والاستثمار يقتضي ان عدم تدخل الدولة، وهذا ادعاء لا يقف علي أرضية صلبة في الواقع، ولو بقينا في الداخل، ولم نخرج بعيدا عن الحدود الجغرافية والسياسية، نجد أن عدم تدخل الدولة يسقط مبرر وجودها. فهي تتدخل في شؤون المجتمع، مهما كان شكله، والدولة المصرية وهي تحت الاحتلال البريطاني تدخلت لتضع الضوابط، وتوفر المناخ المناسب لإعمال قوانين السوق والعرض والطلب، وبضغط الاحتلال جعلت من مصر مزرعة للقطن، تمد المصانع البريطانية بالمادة الخام، وحولتها إلي نقطة ارتكاز لتأمين المصالح البريطانية في الهند ومستعمرات جنوب ووسط وشرق آسيا. وفي طور جديد والدولة المصرية وهي تسعي للتحرر من الاحتلال، بعد الثورة تدخلت، وبدأت في اعادة توزيع الثروة، ونفذت الإصلاح الزراعي، ووضعت ضمانات للعمل والعمال، ولاحقا تدخلت وأحلت التخطيط المركزي محل قوانين السوق، ووفرت خدمات التعليم والصحة والتزمت بتوفير العمل للقادرين، ورفعت من مستوي معيشة الطبقات الفقيرة والمحرومة، وعملت علي توفير الاكتفاء الذاتي في المسكن والغذاء والملبس. وحتي تصفية الثورة تم بتدخل مباشر من الدولة، وباسم هذه الدولة يبرر حسني مبارك التدخل الأجنبي في شؤون العرب والمسلمين، ويؤيد الحروب الصهيو غربية، وينشر الجوع والمرض والحرمان والعطش، والدولة التي لا تتدخل لا وجود لها إلا في مقولات وأكاذيب منظومة الفساد المصرية!! وقامت البنية الأساسية لإفساد المؤسسات التشريعية والتمثيلية، مستوي البرلمان والمجالس المحلية. قامت علي ثلاث ركائز. الأولي تدخل سافر من الشرطة والأمن في اختيار قوائم العضوية والقيادات، وإدارة عملية التزوير. وإيصال نواب وممثلين أقرب إلي مخبري الأمن منهم إلي ممثلي الشعب. أما الثانية فهي الاختيار الحزبي علي أساس التعيين، ونعني هنا الحزب الحاكم، وهذا سمح لحسني مبارك بتعيين ابنه في أعلي هرم الحزب، ومنحه صلاحيات جعلت منه مهيمنا علي الدولة. أما الركيزة الثالثة هي إخضاع القضاء للسلطة التنفيذية، والحيلولة دون استقلاله، لإسقاط العوائق التي تحد من حرية منظومة الفساد، وإطلاق يدها في التزوير والنهب وهتك الأعراض. وهي ركائز أسقطت دور الدولة فعليا، باستثناء دورها البوليسي المنفلت. وسبق هذا السقوط عملية ترويض لعناصر وشرائح من المثقفين والأكاديميين، أخذوا علي عاتقهم إنضاج المنظومة الوليدة، وانفتحت الأبواب، فيما بعد، أمام عناصر وشرائح تعلن عن خيانتها، الاجتماعية والسياسية، بشكل فاضح. والخيانة الاجتماعية تتلخص في القبول بدور مقاول الهدم، وجامع الأنقاض التي خلفتها عملية تصفية البني الأساسية التي أقيمت في الخمسينات والستينات، ومقابل ذلك أطلقت اليد، فعاثت فسادا، وسمح لهؤلاء بالاستمتاع بأعلي درجات السفه والترف والاستكبار، دون النظر إلي ما نجم عن ذلك من شقاء للغالبية العظمي من المواطنين، وحرمانها من حق الحياة. والاستمتاع في مجتمع مكتف. تتوفر فيه سبل الحياة والرعاية الكريمة لعامة المواطنين شيء، والقبول بفحش الثراء والترف والاستكبار وسط شعب مأزوم ومحروم إلي أقصي مدي، شيء آخر، أما الخيانة الأخري تتأتي من الالتزام بالمخططات الخارجية المعادية، وخيانة فرد أخف وطأة من خيانة طبقة ونظام حكم ذليل، نصب نفسه عن تحويل مصر إلي مزرعة أمريكية، ومنتجع صهيوني، وأصبح من ركائز التآمر، أكثر خطرا من نوري السعيد، في زمانه، ورديفا لمجهود الغزو والاحتلال والاستيطان، وماذا نسمي من يوكل أمور مصر الداخلية، ومقدرات العرب القومية والإقليمية إلي المنظومة الصهيو أمريكية. بماذا نسميه؟
ولكي تستقر أوضاع الفساد تم الاعتماد علي تغييب العقل والمنطق والوعي، ونشر ثقافة الدجل والخرافة، وإعلاء قيم التملك والانتقام، وشيوع أساليب اللصوصية، وعليه قام العمل الحكومي علي الانتقام، واعتمد العمل الأمني علي التعذيب وإيذاء المواطنين والتنكيل بهم، وأصبح المصريون يئنون من وطأة حكم بلا مشاعر، والخضوع لنخب فقدت الإحساس بما يجري حولها، وسيطرة قلة استحوذت علي كل شيء، وتركت الخراب لباقي المواطنين.
والدعم الذي حصلت عليه منظومة الفساد كان أساس سير حكم مبارك في اتجاه التدمير الذاتي، ورعاية كل ما يفسد البلاد والعباد، فأقام علاقة محرمة جمعت بين المال والسياسة، وأثر ذلك في كل المجالات. فتغيرت الدورة الزراعية لخدمة الإقطاع العائد وإذلال الفلاحين والارتباط بالأسواق العالمية، وأنهي بذلك أي توجه نحو الاكتفاء الذاتي، من المحاصيل الضرورية، مثل الأرز والعدس والبصل، والقطن المصري، الأشهر والأجود، تراجع أمام زحف الإقطاعيين الجدد بمحاصيلهم التصديرية، كالفراولة والكنتالوب. كان حال محاصيل التصدير هو الأفضل، أما محاصيل الفقراء تشبعت بالسموم والكيماويات الضارة والمبيدات المسرطنة، وعن طريقها، تمت أكبر عملية موت بطيء للمصريين، فمن لم يقض عليه مرض الكبد الوبائي، راح ضحية الفشل الكلوي والسرطان. وكلما زاد دعم البنية الأساسية للفساد انهارت البني الأساسية للتعليم والصحة والتصنيع والانتاج، وهو ما أثر علي الحراك الاجتماعي في الريف والمدن. فتراجعت الطموحات المشروعة، وضاقت فرص العلم والعمل أمام أبناء الفقراء ومحدودي الدخل، ووضع ابناء الريف والمدن بين نارين. نار الاستسلام لعلاقات العبودية العائدة، أو الهرب علي مراكب الموت، في البحر، بحثا عن فرصة عمل خارج الحدود.
وفي الوقت الذي زاد فيه الاهتمام بحماية الفساد وتنميته، توجهت أموال الدعم والموارد لمستوطنات وقلاع ومنتجعات المترفين، بما فيها موارد الخصخصة، ومصر وهي توشك علي الإفلاس تمر بلحظة حرجة عرت الأوضاع تماما، عن أغلبية محرومة من شربة ماء نقية، أو مواصلات صالحة، أو زراعة غير سامة، أو دواء متاح، أو طرق آمنة، أو صرف صحي حقيقي، وظهر أن الاهتمام بهذا النوع من المشروعات كان للتغطية علي عملية النهب المنظم لثروة البلاد، ومنها مليارات منحت لمكاتب استشارية تعمل لحساب وزراء ومسؤولين، منهم من استخدم مواسير وأنابيب غير صالحة وغير مطابقة للمواصفات، في تنفيذ مشروع الصرف الصحي الجديد للقاهرة الكبري، وكان ممولا من المعونة الأمريكية، ولأن الوزير تحميه العائلة لم يجرؤ أحد علي مساءلته، بل تم تكريمه علي ما اقترف من جرم، في تحد سافر للرأي العام. وها نحن نتابع سبل التضييق علي التعليم، والهدف هو إخلاء الطريق أمام المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة، ونعيش رعاية الحكومة لنشر الأوبئة لتزيد من ثراء أصحاب المستشفيات الخاصة، وتبرر خصخصة المستشفيات العامة وبيعها، وتمكينهم من الاستيلاء عليها، والمصارف، عصب الاقتصاد الوطني، تباع بعد نهبها، واستقر بها المقام عند مشترين صهاينة، قطعوا شوطا في الاستيلاء علي الثروة الوطنية، ودخلوا السوق المصري عن طريق عدد من العرب، مصريين وغير مصريين، يحملون اسما حركيا، هو مستثمر استراتيجي. أفرزت البنية الأساسية للفساد حكما عشوائيا، فقد العقل والتأثير والحضور. والتوريث الذي أضحي شاغل العائلة الأكبر دخل مرحله متقدمة من الترتيبات، ويرتطم بواقع صنعه الفساد. والانشغال بالتوريث، مع الأوضاع العشوائية المحيطة بالحياة العامة والخاصة للمصريين. كل هذا ينذر بفوضي قد تخرج عن دائرة التحكم. 9