المستفيد من الحرب الأهلية الفلسطينية هو اسرائيل

حجم الخط
0

عبد الكبـير احبـيـق

إن الطوباي هو الوجه الأخر للبربري، لان أهل الطوبي بنفيهم الواقع أو بقفزهم فوق الحقائق، يعملون علي مفاقمة الأوضاع، ويشهدون علي جهلهم بالواقع بقدر ما يصدمون بما هو غير متوقع. ثم ان انتهاك الأهداف والتواثب يعني علي الأقل أنها بحاجة إلي الإصلاح علي سبيل الترميم والتطعيم أو الترقيع حتي. أما أن يساء إليها باستمرار فمعناه أنها باتت بحاجة إلي المراجعة والتغيير، ثم ما قيمة هذا التواثب أمام الهوية الجماعية المهانة دوما، والمضطهدة دوما، والمخدوعة علي الدوام من قبل الوعود الكاذبة والضربات الغادرة؟

وصل بوش الابن لسدة الحكم في الولايات المتحدة، ثم أحاط نفسه بمن باتوا يعرفون بالمحافظين الجدد الدين يمثلون مصالح الاحتكارات النفطية والعسكرية والرساميل فضلا عن اليمين المحافظ والتيار المسيحي المتصهين، وعلي أجندته تحقيق أهداف سياسية ابتدأها ريغان وبوش الأب، ثم جاءت 11 سبتمبر ومعها صك الاتهام السياسات الداخلية للحكام العرب دون حصر معتدل أو مارق أما الحكم علي الاتهام لم يبطأ هو الآخر، متمثلا في ضرورة الإصلاح ـ شرق أوسط كبيرـ الأمر الذي عجل باجتماع القادة العرب علي عجل مهللين كأنهم من كوكب آخر، غرباء عما يدور ويحصل بأوطانهم ومحيطها وباقي العالم، مما يعني هزيمة واضحة للنظام العربي الرسمي، بل إقرار بهذه الهزيمة.

أصبحت قضية الإصلاح حينها الشغل الشاغل في العالم العربي خاصة وقد أثارتها الولايات المتحدة الأمريكية. وللأمانة فقط فمنظمة التحرير الفلسطينية، صاحبت الثوابت المقدسة، وبعض حراس هويتها من أمثال رئيس السلطة الوهمية الهلامية، وعريقات وأبو ردينه وعبد ربه كما يلوكون بأفواههم خلال هذه الأيام، بعد ما فقد واكل المصداقية في ضوء ما لاقته شعاراتهم من المصائر البائسة علي ارض الواقع. كانت (م ت ف) قد سبقت إلي الإصلاح علي المقاس الأمريكي مند اجتماعها بالعاصمة الجزائرية، حيث حينئذ اعترفت بإسرائيل وتجاوزت الحديث عن القرارين الأمميين 242، 194، أي حق العودة ومبدأ الأرض مقابل السلام.

لقد عمل اللوبي الفتحاوي حصرا رئيس السلطة الهلامية الحالي وأجنحته العسكرية ـ ومن هنا لا يتذكر صراع رجوب دحلان ـ ومن يدور في فلكهما. خلف ظهر المشمول برحمة الله ياسر عرفات، بدءا من اوسلو، مدريد، وصولا إلي خريطة الطريق، هذه الأخيرة التي ألزمت السلطة الفلسطينية حينئذ بتفكيك البنية التحتية لما يسمي بالإرهاب في العرف الصهيوني الأمريكي والمقصود بالطبع الفصائل الفلسطينية المقاومة: حماس، الجهاد، الجبهة الشعبية… ولن يحصل هذا طبعا إلا عبر حرب أهلية فلسطينية المستفيد منها طبعا هو العدو الإسرائيلي، وإذا لم تفعل علي تفكيك الفصائل الفلسطينية المقاومة فإنها ستكون تحت طائلة رعاية الإرهاب، الشيء الذي يعني نحر المقاومة الفلسطينية وتجريد الشعب الفلسطيني من إرادة القتال، بل ودفعه للقبول بما يرمي له من فتات أمريكي أوروبي وعربي أيضا، لم يقف الحد عند هذا، بل توالت الضغوط لعزل الرئيس عرفات المرحوم، ومن هذه الضغوط أيضا، تعيين وزير للمالية مفروض أمريكيا إسرائيليا.

ابتداع منصب رئيس الوزراء بهدف الاستيلاء علي صلاحيات عرفات وللتذكير قد شغل هدا المنصب أول الأمر الرئيس الهلامي الحالي ومن يمثل حلفه فيما بعد. إضافة إلي منع وصول المساعدات للشعب الفلسطيني، توالت الاغتيالات، تفاقم الحواجز، سجن الشعب الفلسطيني في العديد من المعازل، ومحاصرته في الداخل، وسع الاحتلال دائرة القتال لتطال قيادات سياسية كأبو علي مصطفي والشيخ احمد ياسين….. ورغم كل هذه الفاشية التي مارسها العدوان الصهيوني علي الشعب الفلسطيني ولا زال، لم يتحرك جفن أي من أعضاء اللوبي الفتحوي لان بوش اعتبر شارون حينئذ شريكا أساسيا في معركة محاربة الإرهاب، ولم يكتف بدلك بل أعلن أن عمليات المقاومة وحتي الانتفاضة الشعبية أعمال إرهابية. بوش هدا الذي اغدق رفقة طوني بلير عشية الحرب علي العراق الوعود المعسولة والخادعة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة دون حصر مساحتها طبعا.

إن امتثال اللوبي الفتحاوي الخائن للقضية للتوجيه الأمريكي الصهيوني لم يكن بلادة منه، أو ذاكرته مثقوبة، بل سعي إلي تحقيق ما لم يستطع العدو الصهيوني الأمريكي تحقيقه لدرجة التنديد بأعمال المقاومة، ووصفها بالإرهاب، والتنديد بالعمليات الفدائية التي حصلت في الأراضي المحتلة ليس سنة 1948 بل حتي التي حصلت في الأراضي المحتلة سنة 1967، وبذلك كانت السلطة الفلسطينية المحترمة تنتج من المشكلات أكثر مما تبتكر من الحلول! بل عمل أتباع الوحش الحضاري من اللوبي الفتحاوي بعقلية التهمة والمؤامرة والإدانة خلف شعارات قديمة جري تجاوزها واقعيا، وشعارات حديثة أظهرت فشلها واستنفدت نفسها، والحصيلة أنها تدمر صيغ التعايش الوطني في الداخل وتسـتدعي العالم في الخارج.

اتبع اللوبي الفتحوي خلف مفهوم الإصلاح الأمريكي الصهيوني سياسة الانحناء للعاصفة والتفاوض مع طرف لا يعترف بقيادة الشعب الفلسطيني ولا بحقوقه، دون ادراكهم ان عقلياتهم المسيطرة تزداد تأزما وتعقيدا، كانوا يطرحون القضايا ليخسروها! ويطالبون بالحرية ليمارسوا الاستبداد! بسطوا الأمور المعقدة فازدادت تعقيدا، تستروا علي الأخطاء ففعلت بصورة خفية ومضاعفة، طمسوا الحقائق فانتقمت بصورة مفاجئة، أفرطوا في التعميم والتهويل لكي لا يحققوا شيئا. تعاملوا مع كل من خالفهم من الفصائل والأفراد بوصفهم مجرد أصداء أو أرقام أو قطعان مهمتهم الرضوخ والامتثال، التأييد والتصفيق، إلا انه حيثما كانت النرجسية، والتكالب، والتكبر، والتسلط، والنبذ والإلغاء فانتظر المصائب والكوارث والخراب.

إصـــلاح الشــرق الأوســط الكبيـــرهو مطلب أمريكي بضرورة القيام بإصلاحات تطال الأنظمة السياسية العربية وثقافتهم الدينية، فضلا عن تشريعاتهم وبرامج تعليمهم….. لان الأمر لم يعد مجرد شان داخلي للدول العربية بل الأخطر مساس كل العالم وتهديده. وفي ذلك إيحاء أن واشنطن سوف لن تقبل بما ستتمخض عنه العملية الديمقراطية علي المستوي السياسي لو جاءت النتائج بطرق مخالف حتي لا نقول معاديا للسياسات الأمريكية؟ حماس مثلا؟ هل ستفرض عقوبات علي هذا البلد؟ وهو ما حصل فعلا. أم ستعمل علي الإطاحة بقيادته؟ وهي المهمة التي تكفل بها اللوبي الفتحوي بقيادة دحلان. علما أن الإصلاح ليس عبارة عن نموذج جاهز أو مسبق ننصاع لأطيافه أو لمعاييره، لكي نقوم بتطبيقه، إنما هو فكرة نشتغل عليها ونصبح ثمرتها بل نتحول معها ونتخلق بها. والمسألة بالنهاية تتطلب إخضاع ما نحن فيه للنقد والتشريح.

وصلت حماس الطرف الذي وقع عليه الاختيار الشعبي بشكل ديمقراطي إلي المجلس التشريعي بأغلبية صاعقة لكل الفتحاويين وحلفائهم، ومنه إلي الحكومة الفلسطينية برئاسة هنية. فبدا تعثر الشعار الديمقراطي من طرف حملته ـ أمريكا واللوبي الفتحاوي ـ الذين هم الأقل ديمقراطية، عبر دعوات مستحيلة، واستراتيجيات قاتلة ومشاريع جهنمية وجحيم حلول قصوي، كما تم التكشير عن الأنياب. وشحذ الأسلحة الرمزية الفتاكة للحفاظ علي مقومات الهوية، واحترام التقاليد الأصلية، وتضليل الكلام علي الثوابت والتقاليد من غير وجه حق.

فهل كان حقا اللوبي الفتحاوي مع الثوابت التي يدعي المحافظة عليها؟ إن الواقع يشهد بعكس ذلك، تراجع، تسلط، فساد، قصور، عمالة حتي. ثم إن التضرع بالثوابت لمصادرة محاولات الإصلاح والتهرب من استحقاقات التغيير غير مجد. لان القضية بالنهاية ليست قضية مبادئ يراد المحافظة عليها بقدر ما هي مسألة أوضاع مهترئة، وأفق مظلم يحرصون علي الاستمرار فيه. علما أن أي تغيير أيا كان شكله أو حجمه إلا ويمس العلاقة بالثوابت بصورة من الصور.

بقدر ما تتفاعل الاحدات أو تتغير الموازين تتبدل الأدوار والتحالفات، تتصادم المواقف، تتصارع الاستراتيجيات حول المصالح والمواقع. اذن ما قيمة الديمقراطية بعد عقود من المطالبة بتحقيقها؟ الم يفقد الإصلاح قيمته ومصداقيته بعد أن أصبح شعارا فرعيا قياسا علي الأسئلة الوجودية التي يثيرها الواقع المأزوم؟ رسالة إلي أصحاب الفكر الأحادي والعقل النخبوي:

إن الاختلاف ليس آفة، بقدر ما هو مصدر تنوع وغني، والأجدر هو كسر منطق الوصاية، وضرورة النظر إلي كل الفصائل بوصفهم شركاء بقدر ما هم فاعلون. فلا احد أولي من سواه في الشؤون العامة، والمشكلات الخطيرة والقضايا المصيرية في ضوء الإخفاق الذي لاقته القضية الكبري من قصور وهشاشة وتبعية، وذلك علي قدر التستر علي العلل والآفات أو الفضائح والانتهاكات.

إن المطلوب من الفتحاويين جميعهم، هو الانخراط في المراجعة النقدية ارتدادا علي الذات والأفكار والذخائر، علي العناوين والثوابت قديمها وحديثها. لتغذيتها وتطعيمها، أو لصرفها وتحويلها، لان العمل المشترك لا ينبني بمنطق الماهيات الثابتة ولا الخصوصيات الجافة. فالعمل المشترك يتم بمنطق علائقي، وعقل تداولي، بصورة تتيح للطرفين التحول عما هم عليه، عبر التفاعلات والتبادلات المثمرة. وهذا شأن الانجاز الذي يتحقق. لأنه لا يجري كما هو مرسوم سلفا بمنطق وتفكير يشل قدرات من سطروه.. بل يجري خلافا لما يتوقع. لان الخلل لا يفسر بشكل وحيد الجانب، كما ان الحل لا يحمل مسؤوليته طرف واحد، وإنما هو مسؤولية المجتمع بجميع قواه. اما تحمل المسؤولية فبدايته الانخراط في العمل النقدي لاستعادة الحيوية والفاعلية بممارسة التفكير بعيدا عن القيود والقوالب الجاهزة. لان مفهوم الشراكة يستدعي مفهوم التعددية الذي يعني الاعتراف بكون الآخر مختلفا لكنه مساو من حيث الحقوق. كما انه استبعاد لمفهوم المطابقة والانفراد والأحادية.

إن التعتيم علي منجزات النظراء، والسطو علي ملكيتهم، والهروب من المحاسبة لرمي المسؤولية علي الغير، وتبادل التهم والمساوئ، وعدم الارتداد علي اليقينيات مجرد عدة قديمة في مواجهة المستجدات، وأوهام خادعة، وثوابت بائدة، يتمسك بها من ينتظرون حصول معجزة.

فإتقان لغة الشراكة والمداولة ضرورة أكثر من أي وقت مضي. كما أن إعادة بناء مؤسسات (م ت ف) في الداخل والشتات علي أسس ديمقراطية ضرورة، ومحاربة الفساد والعمالة ضرورة ثالثة، ومشاركة الجميع بصياغة القرار الفلسطيني أي قيادة جماعية تطبيقا للشعار القائل شركاء في النضال شركاء في القرار إذ لم يعد من المقبول أن يناضل الجميع ويبقي القرار محصورا بفرد أو بشريحة معينة من رجالات السلطة الوهمية. امتيازاتهم زادت، وطبيعة ومستوي معيشتهم ارتفعت أبراجا، يقبلون بأي شيء، حتي العمالة للخارج في سبيل الحفاظ علي مصالحهم، وأين الوطن؟ 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية