يبدو أن الأحداث الأخيرة التي عاشتها تونس، رغم قساوتها وتأثيرها السلبي على واقع البلاد المتردي أصلا، إلا أنها كشفت نفاق وكذب البعض من نخبتنا، سواء المثقفة منها أو السياسية، حيث رأينا تكالبا من هذه النخبة على النهش في لحم السلفيين، الذي أصبح حلالا حلو المذاق أكثر من ذي قبل، فانهالت بيانات المساندة لقوات أمننا الوطني، التي قامت بردع فئة من الشعب حاولت الخروج عن القانون، لكن المحير في الأمر أن نفس هذه النخبة قبل أيام قليلة ساندت ولا زالت كذلك أحد مغني الراب، الذي وصف نفس هذه القوات الأمنية بالقول ‘البوليسية كلاب’ فهل بعد هذا النفاق نفاق. كذلك فقد شهدت الأحداث الأخيرة عملية حرق للراية الوطنية، وهي عملية مدانة بكل المقاييس، غير أنها لم تكن المرة الأولى، فقد شاهدنا هذه الفعلة منذ أيام قليلة في بنزرت وبنفس الطريقة تقــريبا، حيث أقدمت مجموعة من شباب كرة القدم على إحراق العلم، وبين الحادثتين رأينا التصريح ونقيضه من البعض من نخبتنا، ولعل موقف سمير بالطيب يعتبر نموذجا بينا على هذا، فقد قال في برنامج ‘التاسعة مساء’ حين سئل عن رأيه في الحادثتين ليجيب بأن عملية الحق مدانة إن فعلها سلفي، ومسألة فيها نظر إن كان الفاعل آخر، وهو ما يبرز إزدواجية مقيتة لدى من يفترض أنهم عقول البلد ومنتجو الأفكار فيه. ومن بين الأشياء الأخرى التي عرت جزءا من نخبتنا موضوع مؤتمر أنصار الشريعة في حد ذاته، ورفضهم طلب الترخيص لعقده، حيث سارعت هذه النخبة لمباركة التدخل الأمني القوي، مشيدة بهذا العمل البطولي لقوات الأمن، وفي المقابل أدانت أنصار الشريعة لعدم احترامهم ومحاولة فرض رؤيتهم كأمر واقع، غير أن نفس هذه النخبة كانت قد خرجت للتـــظاهر في شارع الحبيب بورقيبة يوم 9 نيسان/أبريــــل متحدية قرار وزارة الداخلية في ذلك الوقت بمنع التظاهر في هذا الشارع، في مخالفة صارخة للقانون. ومن ثم شنت حملة عنيفة على قوات الأمن متهمة إياها بشتى أنواع التهم لا لشيء إلا لأنها نفذت القانون ومنعت التظاهر، مما أجبر وزير الداخلية في ما بعد على التراجع في قراره، غير أنه حين تواجه هذه النخبة بهذه الحجج تجد لنفسها الكثير من المبررات التي لا تقنع أحدا سوى البعض من الذين يريدون لتونس أن تكون عارية. هذه عينة من المواقف المتناقضة للبعض ممن إعتادوا وصف أنفسهم بالنخبة التي تبرز بلا شك العاهات العديدة التي تعاني منها، خاصة تجاه كل ما هو إسلامي ومحاولة شيطنة الشباب الذي يتبنى أفكارا دينية، رغم القناعة بأن على هؤلاء الشباب أن يلتزموا بقوانين الدولة، وألا يحاولوا فرض آراءهم بالقوة، وكم كنا نمني النفس بأن يخرج ولو صوت واحد من بين هذه الأصوات العديدة التي تحاول تجريم الشباب السلفي لمجرد أفكاره ليدين غلق المصانع والمؤسسات وضرب الاقتصاد الوطني، أم أن ذلك مباح بل ومحمود طالما أن الهدف منه إفشال الحكومة وإسقاطها. لقد عانى الشعب التونسي ولازال يعاني إلى اليوم من هذه النخبة التي لم يكن لها في يوم من الأيام أي صلة بهاته الأرض، وكانت هي المشرع الأول لحكم المخلوع، بل أنها ساعدته في تركيز دعائم حكمه ونظرت له ليسكت الجميع، مما أدى بتونس للوصول إلى ما وصلت إليه من هذا الــــتزمت والتطرف يمينا ويسارا، ولســــائل أن يسأل من الذي جعل شبابنا يقبل على تبني هذه الأفكار الدينية الراديكالية غير ذاك التطرف في الجهة المقــــابلة، لهذا أعتقــــد أن تونس كما كانت دائما موطنا للمعتـــدلين فإنها ستبقى كذلك ولا مجال للمتطرفين من جميع التيارات إلا القبول بهذا الواقع، لأن أوهامهم في النفوذ والسيطرة سيسفهها الشعب وبطولاتهم المكذوبة ستتكسر على عتبات المجتمع.