أفراح العراق الكروية: بصيص ضوء في النفق المظلم الطويل

حجم الخط
0

د. عماد عبد الرازق

العراقيون يعانقون بعضهم بعضا اخيرا لا أكتب هنا عن شيء شاهدته علي شاشة التلفزيون. بل عن ما شاهدته مع أولئك الذين كانوا يشاهدون التلفزيون. كان نصرا عزيزا، ضنينا، وطال انتظاره. وكم كان نصرا مؤثرا. عشر دقائق أو اكثر قليلا مرت كأنها دهر منذ أن سجل العراق هدف المباراة اليتيم، قضيناهم، أنا وجمع سعيد من الزملاء العراقيين علي أعصابنا، نقضم اظافرنا، نشد شعورنا، نضرب كفا بكف، نصرخ، نتصايح، نتشنج، نلوح بقبضاتنا في الهواء، ونضرب بها علي الطاولات والمكاتب، نزجر أجهزة التلفزيون تارة، ونسب الحكم الأجنبي تارات. مع كل ركلة تيمم وجهها صوب المرمي العراقي، ترتفع أيادينا الي السماء متضرعة الي الله أن تضل طريقها بعيدا بعيدا عن الشباك. فيما تفردت إحدي الزميلات العراقيات بصرخة ملوعة مع كل هجمة من الفريق السعودي قائلة حديدة.. حديدة.. ، وفهمت لاحقا انها تعني أن تصيب الكرة العارضة. الجمهور السكندري في مصر يستخدم عبارة مماثلة تفي بالغرض ذاته ولكن من وحي البيئة فيقول ع البحر، أي متمنيا ان تطيش كرة الخصم وتسقط في بحر اسكندرية (ماريا وترابها زعفران). وأخيرا وبعد طول عذاب وصبر وانتظار مضن، توجهت الكاميرا كلوز آب نحو الحكم الأجنبي وهو يتراجع بضع خطوات للوراء، وينظر في ساعته، ثم يتلفت يمينا ويسارا، ثم يوجه ناظريه الي منتصف الملعب فأدركت من خبرتي الكروية ان اللحظة الحاسمة قد حانت، وقد حانت.. فأطلق الرجل صفارته واشار بيديه الاثنتين مؤكدا انتهاء المباراة وفوز العراق بهدف للاشيء وانتزاعه بطولة آسيا.

وفي لمح البصر لم أدر إلا والعراقيون جميعا بلا استثناء يندفعون نحو بعضهم البعض، رجالا ونساء، شيعة وسنة وأكرادا، يتبادلون القبل والأحضان والتهاني والتبريكات. كم كان مشهدا رائعا، مفرحا، مبهجا ومؤثرا. ابتسامات عريضة كست الوجوه، وفرحة وغبطة حقيقيتين. العراقيون يتعانقون وليس في ذهن أي منهم في هذه اللحظة سوي.. العراق الذي انتصر وانتزع البطولة عن جدارة. والله لقد فرحت لفرحهم، وطربت لانتصارهم. وفرحت كعربي ينتمي لأمة جائعة لأي انتصار (مع الاعتذار لمحمود درويش) وتذكرت لتوي تقريرا لمراسل بي بي سي من بغداد بثه غداة التفجير الذي أودي بحياة نحو خمسين عراقيا وجرح العشرات في غمرة احتفالهم بانتصار فريقهم في مباراة ما قبل النهائي علي كوريا الجنوبية. استهل المراسل تقريره قائلا ليس لدي العراقيين الكثير الذي يفرحون او يبتهجون بشأنه هذه الأيام. وقد جاءهم انتصار فريقهم لكرة القدم علي الفريق الكوري ليجمع شملهم ويوحدهم جميعا علي اختلاف طوائفهم. وقد كان مناسبا ان أرانا المراسل مظاهر الفرحة التي انطلقت مع انطلاق صفارة المباراة النهائية، وقد انطلق العراقيون في الشوارع عدوا وفي السيارات يطلقون نفيرها كما هي عادة كل الجماهير الكروية حول العالم. لكن الفرحة لم تكتمل. وأكمل المراسل تقريره حول العملية الانتحارية، لكنه شاء ألا يرينا أيا من بشاعة ما بعد الانفجار من دماء واشلاء، والتي اعتادت القنوات بثها حتي أوشكت مشاعر المشاهدين ان تتبلد تجاهها.

نعم كان مشهدا فريدا أن أري العراقيين يتعانقون، وقد نالني من العناق نصيب وفير. نعم فقد بات العراق في المخيلة العربية في السنوات الأخيرة مرادفا لصور وأخيلة بعينها لا تبارح قاموس مفردات القتل والجثث المبتورة والمشوهة، والمقابر الجماعية، والقصف والتدمير والشقاق والاحتراب الي آخر مفردات القاموس المقيت. وأكاد أن أجزم أن هؤلاء العراقيين أنفسهم الذين عرفتهم ما لا يقل عن ثلاث سنوات، لم يحدث لي أبدا أن رأيتهم يتعانقون. وكيف وهم دائما منكبون علي عملهم وليس في هذا العمل سوي متابعة الأخبار المحزنة المبكية التي تقذف بها وكالات الأنباء وتطفح بها الشاشات من الوطن؟ وما رأيته وعايشته عن قرب في تلك اللحظات المشحونة بالفرح والفخر والكبرياء التي يشتهر بها العراقيون، لم يكن سوي صورة مصغرة للفرح الأكبر الذي سرعان ما تناقلته شاشات التلفزيونات في غضون دقائق من الانتصار، حتي اندفع عشرات الآف من العراقيين بطول البلاد وعرضها، شمالها وجنوبها، ومن كل المناطق والأقاليم، وقد خرجوا الي الشوارع في عرس قومي كبير، يلوحون بالأعلام فيما خلع بعضهم ملابسه ليكشفوا عن صدور عارية اصطبغت بألوان العلم العراقي مرددين هتافات يعيش العراق و بغداد الظافرة. حتي مراسلي التلفزيون العراقي اتشحوا بعلم بلادهم وراحوا يستطلعون مشاعر المارة في الشوارع ويشاركونهم أغنيات وأهازيج النصر. أهذا هو ما يحتاجه العراق إذاً كي يستعيد لحمته ويسترد عافيته ويعود وطنا لكل العراقيين؟! ياليت الفريق العراقي لكرة القدم يشارك في بطولات علي مدار العام، وليس مهما أن ينتصر بالضرورة في كل مرة، بل يكفي ان يلتئم شمل العراقيين حوله ومن ورائه. لعل كرة القدم تصلح ما أفسده الدهر. تري هل اسرفت في التفاؤل؟ أم أن ما نراه من نزيف يومي في العراق هو الاستثناء والقاعدة هي ما شاهدته بأم عيني بعيد المباراة؟ هل من مجيب يا حضرات؟ أرجو أن تثبت سذاجتي ومثاليتي الخرقاء أنها علي صواب ولو مرة واحدة. هذه المرة فقط علي الأقل. والف مبروك للعراق. قصة ومخرج وحسن حسني موجود في كل مكان وزمان. كلما فتحت التلفزيون أو الثلاجة او حتي البوتاغاز، يطل عليك بوجهه الثمين وجبهته اللامعة الممتدة لتصل الي صلعته الوقورة تزينها بضع شعيرات متناثرات، وغالبا ضحكة عريضة لا تخلو من اصطناع وتكلف. أتحدي أن يأتينا أحدهم بفيلم سينمائي أو تلفزيوني أو مسلسل أو سهرة خلال السنوات العشر الماضية لم يظهر فيها حسن حسني بدور ما.. لم يترك نوعا من أنواع التمثيل دون ان يخوض فيه: دراما، ميلودراما، كوميديا هزلية، اجتماعية، سياسية. لعب كل الأدوار بلا استثناء، البطل الخير والشرير والنص نص، لعب دور الوغد والندل والانتهازي والوصولي والمتسلق الذليل، ولعب أدوار الفلاح والصعيدي، العمدة وشيخ البلد وشيخ الغفر والغفير. الوزير ورئيس الوزراء والمدير العام والموظف البسيط المغمور المطحون، والموظف المرتشي المتزلف، وأدوار الأب والجد والعم والخال وابناء العم. وأدوار زعيم العصابة، والمهرب، والعميل والمهاجر في بلاد برة، لعب دور الثوري والمتمرد، والمتواضع والمهادن. صحافي، رجل أعمال، مهندس، مقاول، رئيس تحرير، ضابط شرطة، مأمور قسم، مأمور سجن، وزير الداخلية، مسجون، مهرب مخدرات. عجوز متصابي. أب متسلط، زوج غيور، او ضعيف الشخصية امام زوجة متسلطة. جميع الأدوار التي كتبت وحتي تلك التي لم يتم تأليفها بعد. لا ينقص ريبرتواره الطويل جدا سوي بضعة أدوار قليلة تعد علي اصابع اليد الواحدة مثل رائد فضاء، أو العملاق الأخضر، او الرجل القادم من المريخ. وسوبرمان والرجل الوطواط والرجل العنكبوت، والرجل الخفي. هو فقط في انتظار ان تقتحم السينما المصرية دنيا أفلام الخيال العلمي لنجده يوسع دائرة انتشاره الي الفضاء الخارجي في كل أرجاء مجرة التبانة. لقد بلغ من انتشار السيد حسني في أرجاء سماء الفن الفسيحة أن اطلق الوسط الفني في مصر مقولة شهيرة هي أن كل ما تحتاجه لصنع فيلم سينمائي في مصر اليوم هي ثلاثة اشياء فقط لا غير: قصة، مخرج وحسن حسني. وبلغ من انتشار السيد حسني أنه تغلغل في كل مسامنا وصار كالماء والهواء، (بدون الخضرة والوجه الحسن)، لا يمكننا ان نحيا بدونه، يطل علينا مع شروق الشمس ولا يغيب حتي مع غروبها وهبوط الليل بل يطاردنا شبحه في الظلام ويقتحم أحلامنا في اليقظة وفي المنام. في كل هذه الأدوار لم يتغير حسن حسني قيد أنملة منذ ان أطل علي الجمهور قبل أكثر من ربع قرن إن لم تخنّ الذاكرة. وقريبا جدا شاهدت مسلسلا بالصدفة علي قناة إي إر تي كانت تمثل فيه صفاء أبو السعود، التي اعتزلت التمثيل منذ ردح طويل من الزمن وتفرغت لساعة صفا و سهراية البرامج التي تدور حولها خريطة برامج المحطة الملاكي للست هانم، ومشيرة إسماعيل التي اعتزلت التمثيل قبل نصف قرن علي الأقل (بعد أن كانت قد اعتزلت الرقص قبله بقرن ونيف). ولكم أن تدركوا كم عمر هذا المسلسل العتيق الذي بدت فيه صفاء في ريعان شبابها، ومع ذلك شاهدت فيه حسن حسني، هو بشحمه ولحمه ودمه، ظهر في لقطة جالسا وراء مكتب في دور مدير عام او شيء من هذا القبيل. كان هو هو، بوجهه الثمين وشعره القليل، ونظراته عينيه الضيقة المتفحصة، وفمه يلوك الكلمات بطريقته المميزة ملتويا في تزامن مع لي عنقه يمينا ويسارا، رافعا حاجبيه أو احدهما علي سبيل الاندهاش او الاستنكار أو الغضب أو العصبية أو الموافقة الضمنية او الصريحة، أو الاحتجاج وغيرها.. ايا ما كانت المشاعر المراد إظهارها، لا فرق كبيرا، وكله عند العرب تمثيل.

ليس لدي أي شيء ضد حسن حسني، ولم أطمح في يوم من الأيام لمنافسته مثلا حتي أدعي أنه لطش مني الأدوار التي كنت أحلم بأدائها. ومن ثم أؤكد لكم أنني لا أحمل أي ضغينة ولا حقدا شخصيا ولا بيننا منافسة مهنية ولا من أي نوع تجاه نجم الموسم وكل موسم، ذائع الانتشار في المسلسلات والأفلام طوال ساعات الليل والنهار. بل إنني أجده مهضوم كتير كما يقول اللبنانيون. لكنني أولا أشفق علي الرجل وخاصة أنه ليس في ريعان الشباب مثلا، وإن كان يبدو دائما في صحة جيدة أدامها الله عليه وحفظه ذخرا للأمة السينمائية العربية. لكنني ياسادة يا كرام أتساءل وأتعجب وقد قدحت زناد عقلي وأجهدت ذهني وأجهدني، وأعيتني الحيل وكدت أن أعييها، وأنا أكابد هذا السؤال العويص الغميق العميق: من اين يأتي السيد حسني بهذا الوقت الذي يصور فيه كل هذه الأدوار. هل أن يومه يزيد عن الأربع والعشرين ساعة التي تضمها ايام بقية خلق الرحمن في هذا الكون الشاسع المترامي الأطراف؟ ودعكم من هذ وذاك وتلك وذينك. كيف لا يختلط عليه الأمر بين شخصية وأخري، بين حوار شيخ البلد الذي يصوره صباحا مثلا، وبين حوار وأداء مأمور قسم السيدة زينب الذي يؤديه ظهرا، ثم حوار وشخصية المعلم الجاهل في فيلم يصوره مساء مع عبلة كامل أوالممثل محمد سعد؟ كيف تأتي للرجل ان يعتبر القاسم المشترك الأعظم في جميع افلام الكوميديا وأفلام المقاولات كما تسمي في الوسط الفني، وفي كل المسلسلات خاصة في رمضان الكريم شهر المسلسلات والفوازير؟ وإذا كانت الشللية والمحسوبية والعلاقات الخاصة بين العائلات الفنية المتوارثة تحكم الكثير من التعاقدات والتربيطات وعقود الانتاج فكيف تسني للسيد حسني ان يظل مرغوبا ومطلوبا من كل الشلل والعائلات الفنية؟ الهذا الحد هو معبود الجماهير في الوسط الفني؟ ام لعله يتقاضي أجرا متواضعا ما يشجع علي الإقبال منقطع النظير عليه؟ تري هل سبق له ان رفض دورا ما مثلا؟ أي دور؟ أفلا ينتابه الملل والسأم من تكرار نفس الأدوار والشخصيات عشرات المرات؟ وإذا كان بهذه الشعبية الكاسحة لماذا لم نسمع أنه رشح نفسه نقيبا للفنانين مثلا؟ أم لعل طموحه أكبر من ذلك، فأنا أظن ـ وإن بعض الظن إثم ـ أنه يخطط لأبعد من ذلك، كأن يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية! حتي وان بعد عمر طويل. ناقد سينمائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية