حين تقارع البلاغةُ السياسةَ

حجم الخط
1

للباحث المصري د.عماد عبد اللطيف دوره المشهودة في تطوير الدرس البلاغي. وسوف يسجل له التاريخ بإكبار دوره في فتح أبواب البلاغة على مسرح الحياة السياسية، خاصة مع كتابه (استراتجيات الإقناع والتأثير في الخطاب السياسي ). فقد جعل انشغالات البلاغة تنصب على الممارسة السياسية، وتبحث في طرق التأثير المتبعة من لدن الساسة للوصول إلى الجمهور وكسب ثقته.
مع الباحث تنظيرا وتطبيقا، نزلت البلاغة من برجها العاجي، وتجاوزت مجرد الاهتمام بالكلام الفصيح، وبالمحسنات الأسلوبية والمعنوية، لتضحى منهجاً مرناً ومتحركا لمقاربة الخطابات، تؤمن بدور الجمهور وتعطيه مركز السبق في العملية التحليلية،نظرا لفاعليته ودوره الإيجابي المفترض بلاغيا وتواصليا.

ريب البلاغة وامبراطورية السياسة

يقرر الباحث حقائق تدعو إلى ضرورة التعامل مع اللغة في مجملها بمنطق الشك والمساءلة، إذ لا يمكن فصل اللغة والبلاغة عن المنتِج، وعن ممارساته وأغراضه الإيديولوجية، وابتغائه ترسيخ ثقافة معينة.
إن كل حركة سياسية لها قاموسها اللغوي ولها أساليبها الخاصة في الحجاج والإقناع والتأثير. ولكل قوة سياسية لغتها وخطاباتها وبلاغتها؛ فلغة الأحزاب الدينية تستند إلى الدين وتحاجج بالنصوص، وتعطي الصدارة للجاهز والتراث، وتحتفي بالمقدس والمطلق، ولغة العلماني تنحو نحو العقلانية، وتعتمد المنطق والحجج المقنعة.
والسياسي يعتمد اللغة وسيلة فعالة لتثبيت الحكم، وضمان استمراريته والقبول باخطائه وفعلاته وزلاته، مهما عظُمت أو شنُعَت وفضُعَت. بل إن اللغة كثيرا ما تتصدر الجيوش في المعارك والحروب.

بلاغة الجمهور

يقترح الباحث عماد عبد اللطيف ممارسة تحليلية للخطاب السياسي قوامه الكشف عن كثير من الحيل البلاغية التي يعتمدها رجال السياسة والقانون، والقائمون على شؤون المجتمع، لتثبيت أركان عروشهم، كآليات التحايل والتلطيف، والتعبير غير المباشر، والكناية والتمثيل والتورية، وغيرها من الأساليب التي تصل حد توسل الحاكم ببعض الكتاب المناسبين لتأدية المهمة. فخلال القرن العشرين تحول السياسيون إلى الاستعانة بآخرين، يرون أنهم أمهر منهم، يمكن الاعتماد عليهم في تحقيق التأثير بشكل أكثر فعالية من الاعتماد على النفس أو الذات.’فتزايد اعتماد السياسيين على على مجموعات من المتخصصين لكتابة خطبهم السياسية وتدريبهم على أفضل أداء لها’ وأحيانا اعتماد الارتجال والمفاجأة أو ما يعرف بظاهرة’الصدمة الكهربائية’.
والباحث يسعى إلى تعرية خفايا وأسرار الخطاب السياسي، الذي يكون أساسا هدفه الإخضاع والتوجيه، سعيا لبسط السيطرة وتحقيق الهيمنة أو الإبقاء عليها وإطالة عهدها أو التغفيل عنها وعدم الانتباه إليها.
وتكمن قيمة بلاغة الجمهور أو بلاغة الشعوب، في كونها تغدو قادرة على اكتشاف الدور الخطير الذي يمكن أن تلعبه الخطابة السياسية في صياغة وعي الناس وفي قولبة شرائح كبيرة من الناس.
فالباحث يوقفنا على كثير من آليات التأثير والإقناع التي يعتمدها الساسة، والتي قد لا ينتبه إليها المخاطَب، ومن ذلك أن الخطاب السياسي يعتمد استعارات سياسية خاصة به، يهدف من خلالها إلى إقامة علاقات تواصلية خفية مع الجمهور، ويبتغي النفاذ عبرها إلى المشاعر والقلوب، وإقامة أجواء من الحميمية والإيجابية تجاه الآخرين، وربما النيل من بعض الخصوم وتحطيم شخصيتهم .
إن الخطاب السياسي الساداتي تميز بتوظيف استعاراته السياسية التي تستطيع رسم صورة عن حاكم صالح ومحبوب ومحب لشعبه ووطنه، عبر استعارة (عائلة مصر أو مصر عائلة)، ومقتضاها أن (الرئيس أب الشعب)، فتتحول الدولة إلى عائلة كبيرها أبوها هو الرئيس، والأم أو الزوجة هي الوطن، والأبناء هم المواطنون، ويغدو الدستور والقانون وجها من وجوه الأخلاقيات والأعراف الفوقية التي تنظم العائلة .
فيتبين كيف أن السياسي يتوسل باستعارة عائلة مصر ليحقق الإقناع بمركزيته ودوره الأبوي، وكيف يستبعد المعارضون للحكم ويصبحون مظهرا للعقوق إن هم خرجوا عن طاعة الأب. وكيف أن مخالفة القانون تصبح خروجا عن الأخلاق والأعراف المسلم بها.
من هذا المنظور سوف يتبين أن الحاكم يعتمد آلية (التضفير) لتحقيق التأثير المطلوب، عبر اعتماد التناص مع النص الديني الإسلامي، مما يحدث تداخلا بين الخطابين البشري والإلهي.وعبر التضفير الخطابي(Interdiscursivity)، تفرض ضوابط التعامل مع الخطاب المقدس، وتنتقل إلى التعامل مع خطاب السياسي ، رغبة في الارتقاء بالخطاب البشري النسبي إلى مستوى المقدس والنهائي. فالسادات مثلا، رغم إلحاحه الدائم على ضرورة فصل الدين عن السياسة، ظلت خطاباته حريصة على ‘استخدام النص الديني أداة لإعلان الهوية، واستراتيجية إقناع وتأثير، ووسيلة لتقييد استجابات الجماهير’ . وتبعا لذلك يتحول الخطاب السياسي بسبب استغلاله الرأسمال الرمزي للدين، إلى خطاب ممتلكا قدرة أكبر على السيطرة والهيمنة والتمييز والإقصاء .
ولعل من أشكال استغلال الطاقة الرمزية للدين في السياسة، تحويل اسم (أنور السادات) الذي كان معروفا به إبان عضويته في حركة الضباط الأحرار، إلى (محمد أنور السادات). ما برر له أن يوحي للبعض بأن يطلقوا علية (سادس الخلفاء الراشدين)، ليجلب إلى الأذهان التشابه في مرحلتي الحكم المحمدية الراشدية والساداتية.
وفي السياق نفسه، استغل السادات الطاقة الإقناعية للدين ليروج لفكرة السلام مع إسرائيل، فاستثمر دعوة الإسلام إلى التعايش والتسامح والسلام، فيقيمه فعلا مع إسرائيل رغم أنها اغتصبت أرض شعب. وتحولت معركة إقامة السلام وتوقيع الاتفاقات في خطاباته السياسية معركة صراع العمى والبصيرة، وتحول الرئيس المنفذ للسلام شخصا ممدوحا، وكل العرب الرافضين لاختياراته مذمومين .

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية